والناس في بلدي الكويت أخوة في أسرة واحدة وأميرهم هو رب هذه
الأسرة يلجئون إليه
عندما يعتدي احدهم على حق الآخر وعندها يكون الأمير هو الواقف عند حدود الله فيأخذ
لصاحب الحق حقه مقتفياً أثر أبو بكر الصديق رضي الله عنه (ألا إن أقواكم عندي ضعيف
حتى آخذ الحق له وان أضعفكم عندي قوي حتى آخذ الحق منه) ولهذا كان الناس يلتزمون
بقول الأمير ويقبلون حكمه فما بينهم بالرضى. امتثالاً لقوله تعالى - وأطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولي منكم - النساء 59 - فأصبح الجميع يعيشون أخوة متحابين
لأنهم
واثقون بعدل أميرهم.
«العدل حسن ولكنه في الأمراء أحسن». (حديث شريف)
«ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق
منه». (أثر عن أبي بكر الصديق)
كان العمل الرئيسي في الكويت قائماً على البحر، والعمل في البحر أربعة أنواع أهمها
الغوص ويوزع العمل فيه على أربعة أصناف من الرجال، أولهم النوخذا وهو ربان السفينة
وقائدها. ثم الغواصة يقوم بها الغيص الذي ينزل في الأعماق يصطاد المحار.
والعمل الثالث السوابة وهي خاصة بالسيب الذي يتولى مساعدة الغائص على النزول إلى
الأعماق لأن حياة الغائص بيده وحده.
أما الصنف الرابع فهو الرضيف، وعمله لا يتعدى خدمة السيب، والرضيف لا يكون إلا
صبياً لم يبلغ الحلم أو قاربه. والعمل الثاني في البحر هو السفر، وأهل السفر هم
الذين. يقطعون ظلمات البحار ما بين خليج العرب وافريقيا أو الهند أو إلى أبعد من
ذلك، يظلون في البحر الأشهر الطوال منقطعين عن العالم، لا يرون تحتهم غير الماء ولا
ينظرون فوقهم إلا السماء، يذهبون ببضائع العراق والخليج ويعودون بغيرها من الهند
وافريقيا أو جزر الهند الشرقية ليوزعوها على بلاد الخليج، وربما استغرقت سفرتهم
أكثر من عام.
والعمل الثالث القطاعة، وهو السفر في البحر داخل الخليج بين ساحليه، وعمل القطاع
التجارة بين بلدان الخليج شرقاً وغرباً.
أما العمل الرابع في البحر، فصيد السمك ولا يجاوز هذا العمل مياه الكويت.
وكان أحد البحارة من عمال الغوص عبدالله وهو من سكان جزيرة فيلكا التابعة لإمارة
الكويت، يعمل سيباً في سفن النوخذا ناصر ، وكان النوخذا ناصر حاكما بأمره في بحارته
الذين جاوز عددهم الأربعمائة، موزعين على سفنه البالغة أكثر من عشرين سفينة، لا
يجرؤ أحد أن يرد له قولاً أو يخالف له أمراً، استفتى فطغى وأطيع أمره فبغى.
وعلم البحار عبد الله أن سفرتهم تلك قد ربحت أنهم باعوا لؤلؤا كثيراً، حالفهم في
تحصليه وتصريفه، وقد تحرر كثير من البحارة من دين النوخذا التاجر ناصر.
وبعد القفال (وهو أوبة أهل الغوص إلى الديار، ويقع في أول يوم من برج الميزان
الموافق 24 سبتمبر - أيلول ) طلب عبد الله من ناصر النظر في حسابه ليعرف هل لا
يزال مديناً أم أنه تخلص من الدين.
فقال ناصر: إنك ما تزال مديناً، إذا أردت دراهم أعطيناك على الحساب، ذلك لأن عبد
الله بحار نشيط والنواخذا ناصر لا يريد أن يتخلص عبدالله منه.
وفي العام الذي يليه، ربحت السفرة أكثر مما ربحته في العام السابق، وبعد العودة سأل
عبد الله ناصراً النظر في حسابه.
فقال ناصر: إنك ما تزال مديناً.
قال البحار: يا نوخذا أرجوا النظر في حسابي لأني أعرف مقدار ما علي، ومقدار ما
يصيبني من العمل (قطعاني)، فزجره النوخذا قائلاً له (هذا هو شغلك).
وشكا عبد الله لرفقائه ظلم ناصر، وسألهم بكم حاسبكم؟ فأجابوه بما أكد في ظنه أن له
فضل حساب، وأن الفضل كبير يستطيع به أن يشتري زورقاً للصيد، وأن يشترى داراً للسكن
وعاد عبد الله إلى النوخذا ناصر يلح عليه طالباً النظر في الحساب لأنه فهم من فلان
وفلان رفاقه من السيوب أنه يفضل له المبلغ المرقوم. ومعناه مبلغ كبير.
أجاب النوخذا: إن كنت محتاجاً فاطلب ما تشاء على حسابك.
لكن عبد الله قد مل العمل في البحر، ويريد العمل الحر والإقامة بين أهله وأولاده
(يريد أن يشتري زورقاً صغيراً يصطاد السمك به مع زوجته وولده الكبير).
إلا أن ناصراً نهره وقال له ليس لك عندي حساب وفي وقت التسقام تعال وخذ ما تشاء.
والتسقام: هو ما يعطى لبحارة الغوص في الشتاء معونة لهم على مصاريفه ويعطى في
الغالب في أواخر كانون الأول - ديسمبر. خرج عبد الله من عند النوخذا دامع العينين
لا يدري كيف يتخلص من رق النوخذا ناصر، ولقيه في الطريق أحد أصدقائه فسأله عن حاله
فأجاب:
إني بخير لولا أني ما زلت رقيقاً لناصر.
قال رفيقه: إنك رابح هذا العام، والعام الذي قبله فكم عليك؟
قال عبد الله: إني أعلم أني رابح وأني حصلت خيراً، ولكن النوخذا ناصر لا يريد أن
يحاسبني، أو يعطيني فضيلتي (والفضيلة) ما يبقى للبحار بعد الحساب.
قال صديقه: اشكه إلى الشيوخ، وكلمة شيوخ تطلق على الأمير وحده، أمير البلاد.
عبد الله لم ير الأمير ولم يعرف حتى ملامحه فقال لرفيقه: وكيف أشكو النوخذا لسمو
الأمير، والنوخذا رجل كبير وهو أمير علينا وأخاف أن يؤذيني.
فقال الرفيق لعبد الله: ليس أحد أكبر من الأمير يا عبد الله، وأنت وناصر عند
الأمير بدرجة واحدة بل إنك أقوى من ناصر حتى تأخذ حقك من ناصر، وكتب ورقة أوضح
قضيته وقال: أخرج بعد العصر وقف في ذلك المكان المعين وارفع يدك بالكتاب، فيأمر
الأمير من يأخذ الكتاب منك حتى إذا قرأه ناداك فلا تخف وسيسألك فأجبه على سؤاله ولا
تقل غير الصدق، فإن الصادق ناجٍ. واعلم يا عبد الله أن السلطان ظل الله في أرضه
يلجأ إليه المظلوم، ويأمن فيه الخائف وأنت رجل مظلوم.
ووقف عبد الله في طريق الأمير رافعاً يده برسالته، وبعد أن أخذ الرسالة، أمر الأمير
أحد أتباعه أن يقول لعبد الله اذهب وسيأتيك حسابك.
ذهب عبد الله إلى داره يائساً لأن الأمير لم يطلبه ولم يكلمه، وبقي في بيته وقد
طوقه الحزن من جميع جهاته، فقد خسر عطف النوخذا، وفي اليوم الثالث جاءه رسول من
النوخذا يحمل معه قائمة حساب.
فهم من هذه القائمة أن له عند النوخذا مبلغً كبيراً يكفيه لشراء دار يسكنها مع
أهله، وشراء زورق كبير لصيد السمك وأن يعيش بعد ذلك في بحبوحة من العيش ما بقي حيا
.
وذهب في غده إلى النوخذا واستلم المبلغ الباقي من حسابه، وظل النوخذا أمامه يرجوه
أن لا ينقطع عن العمل معه وسيكون عزيزاً كريماً، ولكن عبد الله قرر أن يعيش حراً ما
بقي حياً، شاكراً الله نعمته، ملتمساً منه المزيد من فضله، سائلاً للأمير طول
الحياة والتوفيق إلى الرشاد. وعاش يسأل الله دوام نعمة الأمن والعدل في البلاد.
الحكاية
أيها القارئ الكريم - كتاب حكايات من الكويت لفضيلة الشيخ عبد الله النوري يرحمه
الله فيه حكايات من سبقكم من الآباء والأجداد يروي علاقتهم مع بعضهم، تعاملهم،
صدقهم، مع أنفسهم والآخرين، شهامتهم، نخوتهم - التزامهم بما جاء بكتاب الله تعالى
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، صبرهم على شظف العيش وقلة الموارد - وصدق قوله
تعالى إن مع العسر يسرا، فعوضهم الله فان يسر للمتأخرين منهم ولأبنائهم ولأحفادهم
رغد العيش في كل جوانبه فاللهم اجعلنا لك من الشاكرين، واكفنا شرا أنفسنا والحاقدين
والحاسدين اللهم آمين. |