لقد تعرض الإسلام والمسلمون في السنوات الاخيرة لحملة ظالمة من الافتراءات والمزاعم التي ارادت ان تلصق بالإسلام تهم التعصب والارهاب، وترويع الآمنين، ورفض الآخر، وغير ذلك من دعاوى لا اصل لها في
الإسلام ولا سند لها من العلم ولا من الواقع التاريخي.
فالحضارة الإسلامية التي انطلقت من تعاليم الإسلام منذ اربعة عشر قرناً من الزمان قد ضربت اروع الأمثلة في التسامح والتعايش الايجابي بين الأمم والشعوب من مختلف الحضارات والثقافات والاديان والاجناس. ولا تزال هذه التعاليم الإسلامية حية وقادرة على صقل عقل الأمة وتوجيه سلوكها وتعاملها مع كل البشر في كل زمان ومكان.
ونظراً لان الاعلام الدولي قد نشر صوراً سلبية عن الإسلام وتعاليمه وحضارته فكان لابد للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ان يتصدى للرد على هذه الدعاوى الظالمة، وابراز قيم الإسلام وتعاليمه التي يمثل التسامح فيها مكان الصدارة، ليس على مستوى المبادئ فحسب وانما على مستوى التطبيق العملي الذي يشهد به التاريخ.
ومن هذا المنطلق اختار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ان يكون مؤتمره العام السادس عشر بعنوان: (التسامح في الحضارة الإسلامية) ليكشف عن الوجه المشرق للحضارة الإسلامية من ناحية، ويبطل المزاعم الكاذبة التي يروج لها البعض ضد الإسلام وحضارته من ناحية اخرى، وليبين للجميع انه لا غنى لعالمنا الباحث عن السلام من التعاون الوثيق مع الإسلام من ناحية ثالثة.
وكان المؤتمر العام السادس عشر للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والذي عقد تحت عنوان «التسامح في الحضارة الإسلامية» قد اختتم اعماله مؤخرا وشارك في المؤتمر وفود تمثل 63 دولة الى جانب ممثلي 6 منظمات وهيئات إسلامية، وشهدت جلسات المؤتمر مناقشة 75 بحثا باللغات العربية والانجليزية والفرنسية ودارت حول ثلاثة محاور رئيسية هي: التسامح الإسلامي بين النظرية والتطبيق، الإسلام والآخر في العلاقات الدولية، التسامح الإسلامي بين الحقيقة والافتراء، وكان في مقدمة المشاركين بالمؤتمر رئيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية يوسف الحجي.
واصدر المؤتمر عدداً من التوصيات والقرارات المهمة جاءت كما يلي:
1- ينادي الإسلام بتكريم الإنسان والاعتراف بحقوقه في المجتمع كما يؤمن بتتابع الرسالات الالهية وتعاونها ولذلك يؤكد المؤتمر ضرورة ترسيخ الاحترام المتبادل بينها وما تنادي به من ايمان بالله ورسله، وبما تدعو اليه من اخلاق فاضلة واخوة إنسانية كما يؤكد ضرورة العمل على استظهار القيم المشتركة بين هذه الرسالات بما يحقق خير الإنسانية وسعادتها، وتحقيقا لبلوغ هذه الغايات يناشد المؤتمر كل الهيئات الدينية وجميع المؤسسات العلمية والثقافية والسياسية في سائر انحاء العالم بذل اقصى جهد لاستمرار الحوار بين الاديان ودعمه.
2- اقام المسلمون في الماضي حضارة زاهرة افادت منها البشرية جمعاء واستمدت جذورها من الكتاب والسنة، واستعارت بعض جوانبها من الحضارات القديمة التي سبقتها، كانت هي الاساس الذي قامت عليه الحضارة الاوروبية في عصر النهضة وما بعده، وهي حضارة متفتحة على العالم الخارجي تجمع بين العلم والايمان، بين الماديات والروحانيات، بين الدنيا والآخرة وتقبل التعايش مع غيرها من الحضارات اخذا وعطاء، ويناشد المؤتمر سائر المؤسسات الثقافية والعلمية والسياسية في العالم العربي والإسلامي وفي المجتمعات غير الإسلامية بذلك اقصى الجهود لاقامة حوار بين الحضارات يستهدف تعميق مبدأ تواصل الحضارات وتكاملها ويرفض اعلاء شأن بعضها على حساب بعضها الاخر، ورفض كل اساليب التشكيك في الحضارة الإسلامية او تشويه صورتها.
3- ان التسامح الديني من السمات الاساسية للحضارة الإسلامية، ويناشد المؤتمر المؤسسات والهيئات العلمية داخل البلاد الإسلامية وخارجها العناية بالوثائق التي تبرز التطبيقات العملية في التاريخ الإسلامي لهذا التسامح الديني والحضاري وبسط ما ورد في المواثيق التاريخية في هذا الخصوص مثل: صحيفة المدينة - صحيفة نجران - التسامح في فتح مكة - العهدة العمرية - دستور حكم مدينة القدس - سلوك صلاح الدين الايوبي في معاملة الصليبيين، - عهد محمد الفاتح لاهالي القسطنطينية عندما فتحها المسلمون.
كما يناشد المؤتمر العلماء ومراكز البحوث في سائر انحاء العالم التخلي عن سياسة التنقيب في كتب التاريخ للبحث عن عورات الحضارة الإسلامية، وضرورة التركيز على الجوانب الايجابية لها، وتناسي الماضي المشبع بالعنصرية والعصبية الدينية من الجانبين، والابتعاد عما يثير الكراهية والحقد بين الشعوب.
4- يؤكد المؤتمر حق كل شعب في الحفاظ على هويته الحضارية وخصوصياتها في اطار من التعاون مع الحضارات الاخرى، ولذلك يرفض المؤتمر كل المحاولات الظاهرة والمستترة التي تحاول طمس الهوية الإسلامية، او استبدال غيرها بها.
5- ان تفرق المسلمين وتجزئة دولتهم كان على رأس اسباب تخلفهم عن ركب التقدم العلمي المعاصر، وجمود بعض عناصر الحضارة الإسلامية في مجال العلوم التطبيقية من كيمياء وفيزياء، وغيرها.
ويناشد المؤتمر الدول الإسلامية التعاون والتنسيق والتكامل فيما بينها في مجالات البحوث العلمية حتى تلحق بركب التقدم وتحتل المكان للائق بها بين الأمم.
6- يناشد المؤتمر حكومات وشعوب العالم الإسلامي زيادة الاهتمام باللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وتاريخ الأمة الإسلامية والتربية الوطنية، وكتابات الفقهاء المعتمدة في شرح احكام الشريعة الإسلامية، وتجديد الاحكام غير القطعية فيها بما يتفق مع ظروف العصر اعتمادا على مصادر الشريعة الاجتهادية من عرف ومصالح مرسلة وغيرها، مع ضرورة التعاون والتنسيق بين المجامع الفقهية في البلاد الإسلامية، وكذلك التعاون والتنسيق بينها في برامج التعليم بهدف تنمية الانتماء والولاء لامتهم الإسلامية.
7- يهيب المؤتمر بكل الهيئات والمنظمات التي تتولى شؤون الاعلام في البلاد الإسلامية من صحافة وقنوات فضائية إسلامية وعربية ان تفسح مجالا كافيا لاظهار المفاهيم الحقيقية للإسلام باللغات الاوروبية الحية، والابتعاد عن الابتذال او التزمت في عرضها.
8- يناشد المؤتمر وسائل الاعلام في البلاد غير الإسلامية ان تتفهم حقيقة الجهاد في الإسلام بدلا من تشويه صورته وربطه بالارهاب، فالإسلام دين سلام، كما جاء في القرآن الكريم: «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة» (البقرة: 208). ويأمر الإسلام بمسالمة الاعداء لقوله تعالى: «وان جنحوا للسلم فاجنح لها» (الانفال: 61). وقد اباح الحرب على سبيل الاستثناء ردا للعدوان ودفعا للطغيان، وقيد ممارستها بالعديد من القيود التي تتفق مع ما قررته اتفاقيات جنيف الاربع الصادرة سنة 1949م.
9- يناشد المؤتمر وسائل الاعلام في سائر انحاء العالم ان تكف عن الخلط بين ممارسة حق الدفاع المشروع ضد العدوان - وهو حق اقرته المواثيق الدولية للشعوب المقهورة او المحتلة - وبين الاعمال الاجرامية التي يرتكبها بعض الناس بدافع التعصب الديني او التعصب العنصري الذي يتستر برداء الدين او التي ترتكبها بعض الدول تحت شعار الدفاع الشرعي.
فالإسلام ينكر العنف والارهاب، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: «من قتل نفسها بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا» (المائدة: 32). لذلك يدعو المؤتمر شعوب العالم للتصدي للارهاب بعد تحديد مفهومه وتعريفه بصورة واضحة، والوقوف على اسبابه والقضاء عليها حتى يستطيع المجتمع الدولي ان يدعو الى اقامة نظام مقبول يحقق التعاون فيما بين الدول لمكافحة الارهاب واتخاذ تدابير جماعية للحيلولة دون وجود ملاذات آمنة او دعم مادي او ادبي للمنظمات الارهابية.
10- يناشد المؤتمر الحكومات والهيئات والمنظمات التي تتولى شؤون الدعوة الإسلامية بذل مزيد من الجهد في تزويد المسلمين - الناطقين بغير اللغة العربية والاقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية - بالصورة الصحيحة للإسلام وحضارته وترجمة ذلك الى اللغات الاجنبية الحية.
ويبارك المؤتمر الجهود التي تبذلها بعض الدول الإسلامية - ومنه مصر - لاعداد دعاة ملمين باللغات الاجنبية - وقادرين على عرض مبادئ الإسلام الصحيحة وما يتضمنه من حلول لمشكلات العصر، وكيفية التوفيق بين اوضاع المسلمين وما يسود البلاد غير الإسلامية من نظم وتقاليد بغية تحقيق التعايش السلمي بين الديانات والحضارات المختلفة.
11- يبارك المؤتمر الخطوات الجادة التي اتخذتها كثير من الدول غير الإسلامية في التسليم بحق المسلمين الموجودين بها في التزود بالثقافة الإسلامية وتعاليم الإسلام الصحيحة سواء في دور التعليم الخاصة او الحكومية او في المراكز الثقافية الإسلامية.
كما يناشد هذه الدول تمكين المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية اعمالا لحرية العقيدة التي تنص عليها دساتيرها ومواثيق حقوق الإنسان مع تمكينهم من السير على هدى احكام الشريعة الإسلامية وخاصة في مسائل الاحوال الشخصية من زواج وطلاق وغيرهما، اسوة بما تتبعه البلاد الإسلامية من غير المسلمين المقيمين بها او الحاصلين على جنسيتها.
12- ان تقدم الحضارة رهين بقوة دولتها، والمسلمون بنص القرآن الكريم امة واحدة، وان كانت الظروف الراهنة ادت الى تفرقهم فلا اقل من قيام تكامل سياسي واقتصادي في اطار الحضارة الإسلامية، لذلك يناشد المؤتمر حكومات الدول الإسلامية العمل على تقوية الاتحادات والمنظمات الاقليمية ووضع نظام يكفل حرية انتقال الاشخاص والاموال بينها والتمتع بسائر الحقوق لابناء الدول الإسلامية داخل اي دولة منها على قدم المساواة مع ابنائها.