العالمية - ربيع الآخر- 1425 هجرية - يونيو 2004 م - العدد (169) - السنة السادسة عشر

   

عودة للصفحة الرئيسية

 

قوة الايمان في مواجهة الباطل

استعلاء الإيمان يهزعروش الظلم والطغيان

القوة المادية الغاشمة لا تختلف عن قوة الوحوش في الغابة حيث يلتهم القوى الضعيف

بقلم: د. سعد المرصفي (*)

الحياة صراع بين الحق والباطل .. ومن ثم نبصر المرحلة التي نعيشها من أشد المراحل دقة وتشابكاً .. ومن اهمها في تنوع أساليب الحرب التي تشن على الدين القيم!

وليس خافياً ان هذا الدرك الهابط جاء نتيجة تفوق اعداء المسلمين في التقنية العسكرية والقوة المادية، في الوقت الذي اهمل المسلمون فيه الاخذ باسباب التقدم العلمي، مع ان الدين القيم دين التقدم العلمي في كل مجالات الحياة، وبذل أقصى غاية الجهد في حدود الطاقة الى اقصاها، بحيث لا يقعد المؤمنون عن سبب من اسباب القوة يدخل في الطاقة!

ومن ثم ينبغي للمؤمن الا يتمتم ولا يجمجم وهو يعلن هذه الحقيقة، والا يستشعر الخجل من ذلك، لانه ينطلق في الارض لاعلان تحرير الانسان بتقرير الوهية الله وحده، وتحطيم الوهية العبيد!

والعلماء هم الذين يعرفون الله عز وجل معرفة حقيقية، بآثار صنعته، وآثار قدرته، ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة ابداعه، ويكون ذلك بالمعرفة الحقة والعلم المباشر، في كل شؤون الحياة!

والدين القيم يدعو الى ثقافة تواجه الجاهلية في معاقلها، ومن ثم كان هم كثير من الامم الاخرى الوقوف في وجه انتشار هذا الدين، ومحاربة المؤمنين، ولا ننسى - على سبيل المثال - ما عرف باسم (الحروب الصليبية)!

وعاد المعتدون من هؤلاء وقد فتحوا اعينهم على مالم يكن لهم به علم، ومن ثم ثار الكثيرون على الاغلال والآصار التي طالما عانوا منها، وقام كثيرون بمحاربة الكنيسة ومخالفتها في الآراء التي رفع لواءها رجال الدين الذين اقاموا محاكم التفتيش، ودفعوا بالالوف المؤلفة الى المشانق والمقاصل، ودفنوا الاحياء، وانهار الجدار تحت ضربات هؤلاء، وقصرت مهمة التدين داخل الكنائس، وابتعد الكثيرون عن الدين عندهم، وانشأوا ديناً يقوم على تقديس المادة، والنفعية العنصرية، واهملت الروح، واستعان حزب الشيطان على تحقيق اهدافه، عن طريق الكيد للدين القيم بكل السبل، ومساندة الصهيونية العاتية، كما نرى ونشاهد!

ويطول بنا الحديث لو حاولنا القاء الضوء على أثر هذه الحرب في المجتمع الاسلامي المعاصر!

وحسبنا ان نبصر موكب الايمان يتجمع من فجاج شتى عبر التاريخ، على الرغم من موجة الالحاد الطاغية الباغية التي تغمر الكثيرين .. ومع ذلك نراها تنحسر .. ونبصر افواجاً شتى تتجمع من جديد وتعتنق هذا الدين القيم!

وقد ابصرت بنفسي هذه الافواج من هنا وهناك!

وعلى اصحاب البصائر ان يدركوا هذه الحقيقة عبر التاريخ ويبصروا معالم الطريق الى الله!

ونبصر استعلاء الايمان الواثق على الطغيان الجائر، ونحن نذكر موقف موسى - عليه السلام - حين قبل التحدي من فرعون:

(فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى).

(آية 58 سورة طه)

واختار الموعد يوم عيد من الاعياد الجامعة، يأخذ فيه الناس في مصر زينتهم، ويتجمعون في الميادين، والامكنة المكشوفة:

(قال موعدكم يوم الزينة وان يحشر الناس ضحي). (آية 59 سورة طه)

طلب ان يجمع الناس ضحى، ليكون المكان مكشوفاً، والوقت ضاحياً، فقابل التحدي بمثله، وزاد عليه اختيار الوقت في اوضح فترة من النهار وارشدها تجمعاً في يوم العيد! لا في الصباح الباكر، حيث لا يكون الجميع قد غادروا البيوت! ولا في الظهيرة، فقد يعوقهم الحر!

ولا في المساء، حيث يمنعهم الظلام من التجمع او من وضوح الرؤية!

صادف هذا الرأي هوى في نفس فرعون، وهو الذي يتعلق بخيوط واهية، ويستمسك بالامل الكاذب، ويستند إلى اوهن اساس، لعل فيه الخلاص والنجاة!

وجد في جمع السحرة من كل مكان:

(فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى).

(آية 60 سورة طه)

كل ذلك، والهواجس والوساوس تتنازع نفسه، خوفاً على صولته، وفرقاً على دولته تتوائم في نفسه بقية من الامل، ورغبة شديدة ملحة من الحرص والسلطة، يدفعانه دفعاً الى مساجلة موسى والنيل من دعواه!

ولكن هيهات هيهات ان يدنس الشمس غبار ثائر، او يحط من قدر العدالة سلطان جائر!

كناطح صخرة يوماً ليوهنها

فلم يضرها وأوهي قرته الوعل

تلفت موسى - عليه السلام - فوجد حشداً هائلاً من السحرة، فرأى قبل الدخول في المباراة ان يبذل لهم النصيحة، وان يحذرهم عاقبة الكذب والافتراء على الله، لعلهم يثوبون الى الهدى، ويدعون التحدي بالسحر .. والسحر افتراء:

{قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى}

(آية 61 سورة طه)

الويل لكم ان افتريتم الكذب على الله، فدعوتم معجزاته سحرا، ولم تصارحوا فرعون بالنور الساطع، والحق القاطع، فتظهروا له ما بين السحر والإعجاز، وتفرقوا بين الباطل والحق، ومن احتال منكم ليبطل حقا، او يحق باطلاً، فقد خاب، وباء بالخسران المبين!

كان كلام موسى - عليه السلام - نداء الحق رن في آذان الساحرين، فأفاق بعضهم من غشية الضلال، وازال عن افئدتهم حلك المحال، وفتق اغشية قلوبهم لتصيح الدعوة الحق، ولتستبين طريق الرشاد!

لقد لمست الكلمة الصادقة بعض القلوب ونفذت فيها!

في الوقت الذي اخذ المصرون على المباراة يجادلونهم همساً، خيفة ان يسمعهم موسى عليه السلام!

{فتنازعوا امرهم بينهم واسروا النجوى (62) قالوا ان هذان لساحران يريدان ان يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد افلح اليوم من استعلى}.

(آية 62-64 سورة طه)

وهكذا تنزل الكلمة الصادقة الصادرة عن عقيدة كالقذيفة في معسكر المبطلين وصفوفهم، فتزعزع اعتقادهم في انفسهم، وفي قدرتهم، وفيما هم عليه من عقيدة وفكرة، وتحتاج الى مثل هذا التحميس والتشجيع!

وموسى واخوه رجلان اثنان.. والسحرة كثيرون.. ووراءهم فرعون وملكه وجنده وجبروته وطغيانه.. ولكن موسى وهارون معهما ربهما يسمع ويرى!

ولعل هذا هو الذي يفسر لنا تصرف فرعون الطاغية المتجبر، وموقف السحرة ومن ورائهم فرعون!

ومن ثم نادي في قومه، حاثا لهم على الاسراع والبدار، ليشهدوا كيف يتبارى الفريقان، ويتساجل الخصمان!

وجاء القوم مدفوعين بالرجاء في نصرة الساحرين، لما رسخ في نفوسهم من الضلالة، وران على قلوبهم من الجهالة، فسلبهم سلامة التقدير، وصحة التصوير.. واقبل السحرة مدلين بسحرهم، مزهوين بغرورهم:

{قالوا لفرعون ائن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وانكم إذا لمن المقربين}.

(آية 41-42 سورة الشعراء)

طلبوا الاجر ان غلبوا، فأجابهم فرعون بأن لهم أجراً وقربى، ينعمون في حماه، ويسعدون بجواره، وينزلون موارد الترف والنعيم!

ثم أقدموا:

{قالوا يا موسى اما ان تلقي واما ان نكون اول من ألقى (65) قال بل القوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل اليه من سحرهم انها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف انك انت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا انما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث اتى (69) فألقي السحرة سجدا قالو امنا برب هارون وموسى (70) قال امنتم له قبل ان اذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فلا قطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن اينا اشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما انت قاضٍ انما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) انا امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما اكرهتنا عليه من السحر والله خير وابقى}.

(آية 65-73 سورة طه)

انها لمسة تصادف العصب الحساس فينتفض الجسم كله!

لمسة الإيمان للقلب البشري تحوله في لحظة من الكفر الى الإيمان!

ولكن! أنى للطغاة البغاة العتاة ان يدركوا هذا السر اللطيف؟!

أنى لهم ان يدركوا كيف تتقلب القلوب وتستجيب للحق؟!

أنى، وهم قد جهلوا لطول ما ظلموا وبغوا، ورأوا الاتباع ينقادون لاشارة منهم، ان الله هو مقلب القلوب، وانها حين تتصل به، وتستمد منه وتشرق بنوره لا يكون لاحد عليها سلطان؟!

ومن ثم غلت مراجل الحقد والحفيظة في صدر فرعون، واحتدم غيظه لتلك المفاجأة التي فجأته، مستطيرة الشرر، شديدة الضرر، على حين كان يرجو من ورائها تقوية لسلطانه، وتدعيماً لبهتانه، فاذا هي عاصفة هوجاء تقوض ذلك العرض الذي اسس على الزور والبهتان، والضلال والطغيان!

ومن هنا لم يجد فرعون في كنانته إلا ان يشبع نهم غيظه، ويستر مرارة خجله.. حين قال ما قال في وقاحة وطغيان!

وحين هدد التهديد الغليظ بالعذاب الغليظ الذي يعتمد عليه الطغاة البغاة العتاة، ويسلطونه على الاجسام حين يعجزون عن قهر القلوب والأرواح!

وحين استعلى بالقوة الغاشمة!

قوة الوحوش في الغابة!

القوة التي تمزق الأحشاء والاوصال، ولا تفرق بين انسان يقرع بالحجة، وحيوان يقرع بالناب!

ولكن اللمسة الإيمانية قد وصلت الذرة الصغيرة بمصدرها الهائل، فإذا هي قوية قويمة!

واذا القوى الأرضية كلها ضئيلة ضئيلة!

واذا الحياة الأرضية كلها زهيدة زهيدة!

ان قوة الإيمان ربطت على قلوب هؤلاء المؤمنين، فأزال الله عن قلوبهم غشاوة الباطل وغمرة البهتان!

ومن ثم كان استعلاء الإيمان الواثق الذي نقل هؤلاء - الذين كانوا منذ لحظة يخضعون لفرعون ويطلبون الأجر، ويدورون في فلك الطغيان - الى مؤمنين يهزؤون بتهديد الطغيان الجائر، ويواجهونه بكلمة الإيمان القوية، وبتحذير الإيمان الناصع، وبرجاء الإيمان العميق!

(*) أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة جامعة الكويت