العالمية - ربيع الآخر- 1425 هجرية - يونيو 2004 م - العدد (169) - السنة السادسة عشر

   

عودة للصفحة الرئيسية

 

  مستقبل العمل التطوعي بين المتفائلين والمتشائمين

 تمويل المحتاجين الى ادوات انتاج والسعى الى رفاهية الفرد من خلال رفع كفاءته الانتاجية

رغم جهود المنظمات الخيرية هناك اكثر من مليار من سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر

أعـده للنشـــر - عـاطــف عــيــسى

في ظل انحسار دور الدول بمجالات التنمية الاجتماعية على وجه الخصوص برزت مؤسسات القطاع التطوعي لملء جزء كبير من هذا الفراغ حيث تمكنت من القيام بمهام كبيرة في دفع عجلة التنمية على مختلف الصعد ومن هنا تكمن أهمية القطاع التطوعي.

ومن المؤشرات الملحوظة على ازدياد اهمية هذا القطاع - كما يشير الى ذلك مستشار مكتب مدير عام بيت الزكاة د. نوري مبارك تنامي اعداد مؤسسات العمل التطوعي حيث بلغ عدد المنظمات غير الحكومية العاملة في مجالات التنمية المختلفة حوالي 50 الف منظمة وهيئة في البلدان النامية، وقد تم تقدير عدد المستفيدين منها بنحو 100 مليون بواقع 60 مليوناً في آسيا و 25 مليوناً في امريكا اللاتينية ونحو 15 مليوناً في افريقيا، وان كان هذا العدد لا يمثل الا خمس من يحتاج الى خدمات القطاع الاساسية.

ويؤكد د. نوري ان هناك سيناريوهين لمستقبل العمل التطوعي في المجال السياسي، اولهما سيناريو متفائل يرى اصحابه بان القطاع التطوعي سينمو بشكل فاعل بسبب العلاقة الايجابية بينه وبين القطاع الحكومي من جهة والقطاع الخاص من جهة اخرى مشيراً الى ان الظروف السياسية والاقتصادية السائدة في كثير من الدول تجبر الحكومات على منح المزيد من الحريات للقطاع التطوعي من منطلق ارضاء افراد المجتمع وتوفير عوامل الاستقرار السياسي في الدولة. لكن هناك سيناريو مختلفاً كل الاختلاف عن هذا السيناريو المذكور يورده من يرى الهجمة الشرسة على ما يسمى بالارهاب حيث ينظر للعمل التطوعي بعين الشك والريبة بل تخطى الأمر الى بلوغ مرحلة الرقابة على اداء القطاع والتي تنوعت ما بين استحداث اجهزة ادارية تتابع الشؤون المالية والادارية او وحدات ادارية ولجان تختص بمتابعة اداء القطاع وتوجهاته وبرامجه الميدانية والعملية.

ويلفت مؤلف كتاب مستقبل العمل التطوعي الى ان الواقع الاجتماعي لشريحة عظيمة من السكان في العالم يبين بوضوح اهمية دور هذا القطاع ، مشيراً الى ان هذا الدور يتركز في محاربة الفقر في العالم ورغم ذلك هناك اكثر من مليار من سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر. ويؤكد د. نوري ان الفرصة مازالت متاحة للتنظيمات التطوعية للانتقال من دور الفعل الى دور التأثير وذلك ينبع من الجهود التطوعية التي اثبتت الكثير منها القدرة على الاداء والممارسة الميدانية بشكل افضل وبفاعلية اكبر من نظيراتها الحكومية.

في مجال التنمية الاقتصادية يوضح د. نوري ان سوء الاوضاع الاقتصادية في معظم دول العالم ادى الى قيام اتجاه جديد لدى المؤسسات التطوعية يتركز على اهمية تطبيق البعد التجاري في العمل التطوعي .بمعنى ان تعمل مؤسسات العمل التطوعي على ايجاد قنوات تمويلية تعزز من قدرة تلك المؤسسات على تنفيذ برامجها ومشاريعها..

وقال: تشير الابحاث والدراسات الى اتجاه قوي يسود شريحة كبيرة من التنظيمات التطوعية للتخلي عن المجانية في الخدمات الطوعية مشدداً على ان التنظيمات التطوعية ستعمل على تمويل المحتاجين الى ادوات انتاج وذلك من خلال توفير فرص العمل المناسبة فهي بذلك تسعى الى رفاهية الفرد من خلال رفع كفاءته الانتاجية وتحسين وضعه الحقيقي وتأمين دخله الشهري.

ويبرز مستشار مكتب مدير عام بيت الزكاة انجازات القطاع التطوعي في العمل الثقافي والمتمثلة أساساً في تفعيل نظام القيم الانسانية في النفس البشرية وتجاوز الفكر الاستهلاكي ونشر الوعي الاجتماعي والسياسي بين أفراد المجتمع من خلال برامج التوعية والتثقيف وربط نظام القيم بالمعتقدات الدينية في المجتمع متوقعاً ان يحتل القطاع مكاناً بارزاً في الحوار الثقافي بين الشعوب.

على الصعيد البيئي يؤكد د. نوري ان ما تقوم به المنظمات التطوعية من جهود في هذا المجال يعتبر مشهوداً موضحا ان النشاط الذي تشهده ساحة العمل البيئي في العالم سيدفع القطاع التطوعي لاستحداث مبادرات بيئية جديدة حيث سيعمل على نشر تلك المبادرات لتعزيز قدرة الاهالي على ادارة بيئتهم وتنمية قدرات افراد المجتمع من أجل التأثير في السياسات المنظمة للمحافظة على البيئة. وهذا الواقع الذي تفرضه انجازات القطاع التطوعي في ميدان البيئة سيجبر الحكومات على توسعة نطاق الحقوق والانظمة واللوائح المستحدثه في تنمية البيئة وذلك من خلال الآتي:

-  تمكين الهيئات التطوعية من الحصول على المعلومات الضرورية المتعلقة بالبيئة والموارد الطبيعية.

- اشراك مؤسسات القطاع في القرارات المتعلقة بالبيئة او التي من المحتمل ان تترك اثرا على البيئة.

-  حقها في امكانية اللجوء الى القانون للحصول على التعويضات اللازمة عندما تتعرض البيئة او الصحة لتأثيرات خطيرة.
 

التزام التوازن فى النظرة لمستقبل القطاع التطوعي و و الأتجاه لفتح آفاق جديدة

يبدو ان القطاع التطوعي بمنظماته وتشكيلاته المتنوعة مقدم على حقبة ودور مستقبلي بالغ الاهمية. ففي ظل الظروف الراهنة التي تشهدها معظم حكومات العالم ممثلة في: ازمة الديون والفوائد، تداعيات النظام العالمي الجديد من العولمة والخصخصة واثار اتفاقية الجات مثل فتح الاسواق وانعكاساتها على الدول النامية، التحولات الديموقراطية وتنامي المطالبات بمزيد من الحريات وحقوق الانسان، حركات تحرير المرأة وحقوقها السياسية، اعباء الموازنات العسكرية وسباق التسلح، ازدياد الاضطرابات الداخلية، ازدياد الكوارث الطبيعية، وغيرها كثير من الاحداث ذات الاثار السلبية على المجتمعات. فان ابرز الاثار التي ستنعكس على المجتمعات نتيجة لتلك الظروف هي ضعف اوغياب الدور الحكومي من ساحة العمل الاجتماعي. ففي هذه الحالة تكون الانظار والامال معقودة على القطاع التطوعي ليقوم بالعمل على ملأ هذا الفراغ والعمنل على تخفيف الاثار السلبية لتلك الاوضاع.

ان مسؤولية القطاع تتمثل في بناء الجاهزية المؤسسية الشاملة والكاملة وحشد الامكانات المتاحة واستثمارها بالشكل الصحيح لاداء هذه المهمة. وكما ان القطاع يتحمل مسؤولية ملأ فراغ الدور الحكومي، فان افراد المجتمع عليهم المساهمة بشكل ايجابي وفاعل لدعم ومساندة هذه المنظمات بشتى الوسائل والسبل وذلك من منطلق ان نتائج العمل المقدم ستنعكس اثاره على الافراد سواء كانت النتائج ايجابية ام سلبية.

ان موضوعية النظرة لمستقبل القطاع ذات اهمية بالغة. فلا ينبغي المبالغة في التفاؤل من حيث قدرة القطاع وتوفر امكانياته للقيام بهذا الدور. كما لا ينبغي المبالغة بالتفاؤل من حيث تفهم الافراد والحكومات لهذا الدور. فالمبالغة في مدى فهم هذا الدور على مستوى الافراد والحكومات سيخلق منظورا في ذهن متخذي القرار من حيث تهيئة الظروف والمساحات المناسبة للعمل بحرية ودون عراقيل. وبالتالي يعتقد افراد المجتمع ان الحلول المقدمة للاحداث والمصاعب تكمن بين يدي القطاع التطوعي وهو الوحيد القادر على تجاوزها. وفي نفس الوقت لا ينبغي المبالغة في التشاؤم من عدم قدرة القطاع على المساهمة الايجابية في تنمية المجتمع. او يبلغ التشاؤم حدا يجعل التعامل مع هذا القطاع تشوبه هواجس الظن والشك والريبة فتقام العوائق والعراقيل في سبيل ادائه لدوره.

ان النظرة لمستقبل القطاع التطوعي ودوره المستقبلي تحتاج الى شيء من التوازن من حيث تحديد قدرة القطاع على المساهمة في عملية التنمية وذلك من خلال تقييم امكانياته المادية والمعنوية والبشرية. ومن ناحية اخرى مدى تفهم الافراد والحكومات ومساهمتهم وتعزيزهم لدوره والتعاون على تجاوز الاثار السلبية لما يواجهه المجتمع من مصاعب واحداث على جميع الاصعدة سواء كانت سياسية او اجتماعية او اقتصادية او بيئية.

ان مقتضيات العصر تقتضي من مؤسسات القطاع العمل باتجاه فتح افاق جديدة في العمل التنموي والاقلال من الجانب الخدمي الرعائي.

هناك حاجة لانتهاج وبناء المؤسسات على قواعد صلبة من النهج الاستراتيجي السليم، وتبني الفكر الإداري الحديث الذي ينحي باتجاه تكوين ابنية مؤسسية قائمة على استثمار الامكانيات المتاحة لتحقيق الاهداف المؤسسية التي من اجلها انشأت تلك المنظمات.

هناك حاجة ماسة الى تعليم الافراد اهمية وفائدة العمل. فالتنمية تنحصر فلسفتها في العمل. كما ان على ادارات منظمات العمل التطوعي الابتعاد عن الجوانب التي تثير بواطن الشك والريبة والهواجس لدى الحكومات وانتهاج مبدأ الشفافية والانفتاح. مع اهمية مراعاة الجوانب الثقافية والسلوكية وعادات المجتمعات. بحيث تنطلق اعمالها من منطلقات تنموية بحتة دون الولوج في قنوات تضيع الجهد والمال والوقت. على الحكومات في هذه الحالة المساهمة في البناء التنظيمي والتشريعي لدعم هذا القطاع. واضعة في اعتبارها ان منظمات القطاع التطوعي ما هي الا اذرع وادوات تنموية تساهم في دعم مسيرة الدولة والمجتمع.

فالعلاقة بين الحكومة والقطاع قوامها التعاون وليس المنافسة.