العالمية - ربيع الآخر- 1425 هجرية - يونيو 2004 م - العدد (169) - السنة السادسة عشر

   

عودة للصفحة الرئيسية

 

  كيف تتعاملين مع المتمردات فى الفصل الدراسى؟
الخبيرة التربوية نيفين السويفي:
أكسبي ودهن ورضاهن وكوني الحصن الآمن والدافئ لهن

تسأل الأخت ن . ع من السعودية قائلة:

أنا مدرسة حديثة التخرج، أريد أن أعرف الطريقة المثلى للتعامل مع الفتيات المراهقات اللاتي يعُلنَّ تمردهن في الفصل الدراسي.

ورداً على هذه المشكلة تقول الخبيرة التربوية نيفين السويفي يا ابنتي، إنك مثل المسافر في طريق طويل غير ممهد، تعتريه الصعوبات والمرتفعات على مسافة أمتار عدة بسيطة، ولكن مع ذكل فليست العبرة في الطريق والمسير، العبرة بنهاية المطاف: أجر من الله تعالى تجدينه في ميزان حسناتك، بإذن الله تعالى.

ولك في مسيرتك هذه من الزاد: الاستعانة بالله وتقواه في هذا الأمر.. الدعاء الصالح والرجاء، والاستعانة بالأسباب الأرضية، ومنها خبرات من سبقك في ولوج هذا الطريق الوعر. وقديما قال ابن القيم رحمه الله:

بالله أبلغ ما أسعى وأدركه     لابي ولا بشفيع لي من الناس

إذا آيست وكاد الياس يقطعني   جاء الرجا مسرعا من جانب الياس

وفي السطور التالية نقدم لك شيئاً من زاد الطريق:

خبرات من سبقك في المسير، مصحوبا بدعاء صادق في أن يعينك الله تعالى في كل خطوة، مع إشراقة كل يوم جديد.

فلا تنسى يا آنستي أنك على ثغرة ليست بالهينة، فرعاية وتوجيه المراهقات أمانة بين يديك، وعليك أن تعطي الأمانة حقها، فإن فعلت فقد أمن المجتمع أن يؤتي من قبل شبابه، وحق علينا أن نقبل يديك ورأسك، فإن كان سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمر المسلمين ان يقبلوا رأس عبدالله بن حذافة -رضي الله عنه- الذي أنقذ مئات المسلمين من الأسر، فأنت ستحررين مجموعة من المراهقات من أسر التمرد والعناد والرفض... من أسر مغريات المجتمع المحيط، ومن أسر القوة المغناطيسية للمؤثرات المختلفة الموجودة به كالإعلام والإعلانات... إلخ.

هذه الاستشارة تتطرق إلى جانبين:

أولاً: سلوكك مع الفصل ككل وكوحدة واحدة.

ثانياً: سلوكك في اتجاه زعيمات التمرد في الفصل (فعادة ما يضم الفصل الواحد أكثر من زعيمة للتمرد).

أولاً: سلوكك مع الفصل ككل، فهناك:

ضرورة أن تلعبي دور «الشخصية القيادية»، الثورية التي تتمتع بصفات الحماس والإقدام، والأفكار المتوقدة.

قد تتسمين أصلا بهذه الوهبة، ففي هذه الحالة لن يكون عندك مشكلة في قيادة الفصل وقيادة زعيمات التمرد

ولكن دعينا نر ما الحل إن لم تكوني مثل هذه الشخصية:

الشخصية القيادية تدرك بدءاً احتياجات المجتمع المحيط، فما كان هتلر ليصل لما وصل إليه إن لم يكن مدركا حاجة شعبه لمن يعيد إليه ثقته بنفسه وبقدراته، فمن هنا انطلق، وكانت معظم كلماته وخطبه موجهة إلى هذا المعنى.

إذن، فما حاجة المراهقات في مثل هذه السن الحرجة؟

وكيف يمكن التعامل مع احتياجاتهن في ظل ظروف المناهج التعليمية المكدسة؟!

هناك عدد من الأسئلة التي تحتاج حتماً إلى إجابة:

لماذا يتمردن؟

التمرد تعبير ضمني عن الرفض لما يفرض عليهن، إذن فهن بحاجة إلى التعبير عن رغباتهن الداخلية دون ضغوط دون فرض. بمعنى آخر: المراهقات في أمس الحاجة إلى تلك المدرسة التي تراعي اختياراتهن ورغباتهن، وتتعامل معهن باحترام، ودون استهزاء أو استخفاف.

كيف يتم التعامل مع التمرد داخل الفصل؟

الامر في غاية البساطة، الكلمة السحرية هنا هي «تطبيق مبدأ الشورى»، فقبل البدء في الدرس تعرضين عليهن 3 اختيارات:

ما رأيكن هل نقوم اليوم بشرح نص العقاد؟ ام ندخل اولا في النحو والصرف؟ ام رأيكن ان نشرح درساً من دروس البلاغة؟

الامر - حتى لا يخرج من اطار السيطرة - لابد ان يكون منظماً (ابداء الرأي يكون برفع اليد، ويتم بسرعة دون «هرجلة» واضطراب في الصف).

ثم تقومين بالثناء على الاختيار،

قبل البداية في الشرح تأخذين عهداً بانه اذا احست واحدة منهن بالملل والضجر فعليها اعلان ذلك، في هذه الحالة لا امانع ابدا من تغيير ما اقوم بشرحه، وننتقل حينها الى موضوع اخر.

ولكن هناك تنبيها ضرورياً:

انا سأشرح ما تم اختياره من قبلكن فلا اقبل منكن الهرج والمرج، ولا مانع من رفع شعار: (للعلم وقته، وللترفيه وقته).

كيف يمكن الوصول الى قلوب «الطالبات المراهقات»؟

1- للابتسامة «مفعول السحر» (عن خبرة اقول ذلك)، فقد صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما ارشدنا الى اهميتها، فالابتسامة بجانب كونها صدقة، فهي مفتاح ومدخل للقلوب.

سألت طالباتي ذات مرة في حصة للحوار المفتوح عن رأيهن في الصفات التي يرينها اساسية للمدرس والمعلم الناجح، فجاءت الابتسامة على رأس القائمة. وهذه هي طبيعة البشر، فمن منا يقبل ان يفرض عليه وجه عبوس قمطرير، ثم يطلب منه ان يحب مادته وعلمه.

والحمد لله فالوصول الى قلوب المراهقات ليس بالامر الصعب، ولكنه يحتاج الى بعض الوقت (3-4 اسابيع).

2- التواجد الدائم - قدر الامكان - في محيط الطالبات من الامور الهامة، فاحرصي على التواجد في فناء المدرسة اثناء فترات الراحة بحيث تجدك الطالبات دوما بحوارهن، دون ان تفرضي نفسك على الانشطة التي يمارسنها، وستجدين انهن يقتربن منك، هذه تحكي لك عن موقف حدث لها بالأمس، وتلك عن مشكلة في فهم المادة، والثالثة تحكي عن فيلم اعجبها، وهكذا انصتي جيداً، فهذا ضروري لاستيعاب الشخصيات ولاحتوائها، ثم علقي بأسلوب يتسم باللين والتفهم دون خرق لحدود الاحترام المتبادل.

كذلك يمكنك القيام بزيارة طالبة مرضت بصحبة زميلاتها، والخروج مع الطالبات في رحلات ونزهات، وزيارة معارض الكتب او حتى الاماكن الترفيهية، فكل هذه الامور لها ابعد الاثر في استيعاب واحتواء الطالبات.

3 - الابتعاد كل البعد عن أسلوب الارشاد والتوجيه والوعظ المباشر والتوبيخ والزجر، وليكن بينك وبين هذا الاسلوب بعد المشرقين والمغربين، بمعنى حاولي تجنب هذه الالفاظ: «افعلي - لا تفعلي - قلت لك هذا خطأ - ايفعل عاقل مثل فعلك».

ويمكن بدلا من هذا الاسلوب استخدام تلك التعابير: «ما رأيك لو جربت طريقة اخرى في التعامل مع المشكلة - عندك حق فيما تقولين، ولكن هناك زاوية اخرى لرؤية الموضوع - لا ألومك لو كنت مكانك لفعلت ذلك، ولكن دعينا نفكر في سلبيات هذا السلوك».

4 - اجعلي رعاية هذا الفصل كأنها «واجبك المقدس»، بمعنى خذي مشاكله وعثرات طالباته على عاتقك، حاولي بجد ان تحلي مشاكل الطالبات، وان كان بينهن وبين باقي المدرسات مشاكل (وهذا متوقع)، فخذي على عاتقك حلها والتوسط بين المدرسات والطالبات.

بهذه الطريقة ستكسبين ودهم ورضاهم، فأنت الحصن الآمن والحضن الدافئ الذي يلجأ اليه الطالبات في كل وقت وكل حين.

5 - لابد ان تدركي ان من سمات الطالبات المتمردات حب الظهور، وحب اظهار الامتياز والتفرد، وهذا وتر يمكنك اللعب عليه جيداً.

فبتقمص دور الشخصية الثورية القيادية تعلنين عليهن انك «سوف تخوضين معهن معركة من اجل اثبات حقيقة أنهن افضل طالبات في المدرسة واكثرهن تميزاً وتفرداً، ومن اجل ذلك تضعين معهن الخطط، مثلاً: القيام بعدة انشطة مدرسية:

- كتحمل الفصل لمسؤولية الاذاعة المدرسية.

- كتحمل الفصل تحديد فقرات «حفل نهاية العام».

- القيام بتمثيلية صعبة ومعقدة (لابراز مهارة التحدي).

6 - تدعيم كل سلوك ايجابي من اي طالبة بصورة تشبع لديهن «حب الافتخار والظهور» مثلاً:

ان يكون هناك اتفاق مع ادارة المدرسة على ان تقومي بتكريم المتميزات في الانشطة المختلفة (وليس فقط المواد الدراسية) امام الجميع في طابور الصباح.

ثانياً: التعامل مع زعيمات التمرد:

وجود مثل هذه النماذج - زعيمات التمرد - شيء طبيعي جداً في مثل هذه المرحلة السنية، واستيعاب هذه الشخصيات لا يكون الا باتباع كل ما سبق مع مراعاة الآتي:

1 - عدم توبيخ او نقد اي من هذه الشخصيات على الملأ ابداً مهما حدث، لان لديهن قدرة عجيبة على استعطاف الاخرين وتجميع الفصل كله في صفين، ولذا فاذا ما اخطأت واحدة، فيمكن التعامل معها باسلوب مختلف، على النحو التالي:

مطالبتها بالخروج معك في نهاية الدرس الى الخارج، لان هناك امراً هاماً تريدين ان تكلميها فيه، ويكون الكلام بنبرة المحب العطوف المشفق. انا فعلاً كنت أرى فيك الشخصية الايجابية المنطلقة التي تذكرني بجمال مرحلة الشباب، ولكن لم أكن أتوقع هذا الخطأ (لا تدعيها تقاطعك).

لا أريد مبرراً لما حدث أريد وعداً صادقاً بأن ذلك لن يتكرر. ومن ناحيتي سوف أغض الطرف هذه المرة.

هكذا عليك التقديم لكلامك بابراز ايجابيات مختلفة للطالبة، مع عتابها بلين دون شدة، دون علو في نبرة الصوت، وفي نفس الوقت اعلامها بأن الامر يمكن تداركه، ولكن التكرار سوف يكون له عواقبه الوخيمة.

2 - لا تستفزنك أفعال تلك الطالبات أثناء الدرس، فمن الخطأ الشائع مجابهة أفعالهن بعلو في الصوت (يصل الى حد الصراخ في بعض الاحيان)، بل يقابل الفعل بالصمت الحازم والنظرات الثاقبة.

ان لم يجد ذلك (مرحلة متأخرة)، اذن يمكنك مثلا ضرب الكتاب على الدرج لاحداث صوت مدو دون تعليق، هذا يجدي مع الوقوف مع انتصاب صامت مترقب.

في النهاية نأسف على الاطالة، ولكن نعيد القول: الامر يحتاج الى وقت، وصبر، ودعاء، وعون من الله تعالى. لا تقلقي نحن معك، فقط وافينا بآخر الاخبار.