فالارض خلقها الله عز وجل بترتيب دقيق بديع ومتزن بحيث تحوي الجبال والاودية والسهول تتخللها الانهار والبحيرات بالاضافة الى الصحراء الشاسعة {أمن جعل الارض قراراً وجعل خلالها انهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(61)} (النمل)، وقوله تعالى: {الذي جعل لكم الارض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماء فاخرجنا به ازواجاً من نبات شتى(53)} (طه)، وقوله تعالى: {ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة(20)} (لقمان) وقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الارض(13)} (الجاثية). وقوله تعالى: {وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(3)} (الرعد)، وقوله تعالى: {وانبتنا فيها من كل شيء موزون(19)} (الحجر).
كما ان الله - جلت قدرته - خلق السموات بمنظومة دقيقة تدهش الناظر بعظيم خلق الله الواحد الاحد لقوله تعالى: {خلق السموات بغير عمد ترونها(10)} (لقمان)، وقوله تعالى: {وجعلنا السماء سقفا محفوظاً وهم عن آياتها معرضون(32)} (الأنبياء). وقوله تعالى: {او لم ير الذين كفروا ان السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون(30)} (الانبياء)،وقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها(17)} (الرعد) وقوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء(22)} (البقرة).
ولو نظر الانسان الى البحار والمحيطات لوجد انها خلقت ايضاً باتقان لخدمته فاستخدمها في الماضي والحاضر كوسيلة من وسائل المواصلات ومصدر لرزق وفير مصداقاً لقوله تعالى: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره(12) (الجاثية)، وقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا(70)} (الاسراء)، وقوله تعالى: {وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون(12)} (فاطر)، وقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم(96)} (المائد). وقوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذاب فرات وهذا ملح اجاج وجعل بينهما برزخا وحجراً محجوراً(53)} (الفرقان).
واستناداً الى الآيات الكريمة السابقة فان الله عز وجل خلق هذا الكون لصالح الانسان وسخر له جميع متطلباته الضرورية لقوله تعالى: {ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطلبيات(93)} (يونس). وأمره بالاستفادة من تلك النعم دون الافساد والحاق الضرر لقوله تعالى: {ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها(85) (الاعراف)، وقوله تعالى: {ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لا يحب المفسدين(77)} (القصص)، وقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون(41)} (الروم)، وقوله تعالى: {فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم(22)} (محمد)، وقوله تعالى: {فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين(74)} (الأعراف)، وقوله تعالى: {واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد(205)} (البقرة)، وقوله تعالى: {ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم ان كثيراً منهم بعد ذلك في الارض لمسرفون(32)} (المائدة).
كما حرم الاسلام استنزاف الموارد البيئية وحث على عدم الاسراف والاعتدال والتوسط في استخدام ما ينفع الناس مثل: الماء والطعام والنبات {والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما(67) (الفرقان) ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسرف ولو كنت على نهر جار» (رواه ابن ماجه). كما نهى صلى الله عليه وسلم عن التغوط في طريق الناس وظلهم ومواردهم ومصالحهم فعن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنين؟. قال: الذي يتخلّى في طريق الناس او ظلهم» رواه مسلم. وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى ان يبال في الماء الراكد» رواه مسلم. وقد اثبت العلم ان البصاق من اكثر الطرق لانتشار العدوى المرضية بين الناس وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البصاق في المسجد والطرقات العامة كما امر المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدم ايذاء المسلمين بالروائح الكريهة وخصوصاً الثوم والبصل فعن أنس بن مالك رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا» متفق عليه. كما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسس العلمية للشرب فعن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذا أراها في الإناء؟. فقال: أهرقها، قال: «اني لا اروى من نفس واحد؟. قال: فأبن القدح عن فيك» رواه الترمذي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم «نهى ان يتنفس في الاناء او ينفخ فيه» رواه الترمذي. ولم يغفل الاسلام التطيب فعن أبي هريرة رضي الله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عرض عليه ريحان فلا يرده فانه خفيف المحمل طيب الرائحة» رواه مسلم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب» رواه البخاري. كما نهى الاسلام عن انتشار العدوى والخروج من بلد وقع فيها البلاء، فعن اسامة بن زيد رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها واذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها» متفق عليه.
استطاع الانسان بفضل من الله عز وجل وقدرته الاستفادة من الموارد البيئية الطبيعية في العديد من الانشطة المختلفة لحياته مثل: المسكن والمطعم والملبس والصناعة والتجارة والمواصلات لقوله تعالى: {وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون(73)} (النمل)، وقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً(70)} (الاسراء). وقوله تعالى: {ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة(20)} (لقمان). وقوله تعالى: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون(63)} (النمل)، وقوله تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسقا فترى الودق يخرج من خلالها فاذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون(48)} (الروم).
تلك كانت نظرة الاسلام تجاه بيئة الانسان التي خلقها الله عز وجل بدقة واتزان {وخلق كل شيء فقدره تقديراً(2)} (الفرقان)، ليمارس حياته الطبيعية ويؤدي دوره في الخلافة وعبادة الله سبحانه وتعالى ثم وعد سبانه وتعالى الانسان الأمن والاستقرار في بيئته الطبيعية {الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون(82)} (الانعام)، وقوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين(83)} (القصص). وقوله تعالى: {ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون(10)} (الاعراف)، وقوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا(58)} (الاعراف: 58)، وقوله تعالى: {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين(161)} (الاعراف). وقوله تعالى: {ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون(96)} (الأعراف: 96).