|
السعادة شعور ينبع من النفس الراضية بما قسم الله لها بلا إفراط منها أو تفريط، ومن القلب العامر بالإيمان بأن الأرزاق مقسومة سلفا ومضمونة بالعمل الجاد بعيدا عن التكاسل أو التواكل، ومن العقل المستنير بضياء اليقين بأن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن الصدر الممتلئ بالثقة التامة في أن من جد وجد ومن زرع حصد، وبحقيقة أن السعادة هي ينبوع يتفجر من الفؤاد النابض بالحب الصادق لعباد الله تعالى بلا رغبة جامحة او رهبة كابحة.
هذه السعادة تعطي أكلها، وافضل ثمارها اذا كانت ترفرف بظلالها على جميع افراد الاسرة المستمسكة بالقيم والمبادئ الاسلامية، ظاهرا وباطنا، قولا وعملا عقيدة وعبادة، منهجا وسلوكا سويا لا يحيد عن الطريق المستقيم، مهما كانت العثرات او العقبات، لان الاسرة تستحق من جميع افرادها ان يتكاتفوا ويتعاونوا في العمل على ادخال السرور الى ربوع اسرتهم من خلال العمل على تطبيق وتفعيل كل المثل والقيم الاسلامية النبيلة، والحرص على تحقيق ذلك ايضا من خلال الاقتداء بالسنة المطهرة في هذا الشأن، ونشر روح الحب والصدق والوفا، والتسامح بين جميع افراد الاسرة.
وسائل تحقيق الأمان للأسرة:
الأسرة لا تكون سعيدة في ظل المخاطر المحدقة، أو تفشي روح العداوة والبغضاء في صفوف أعضائها، مهما تملكت من مظاهر القوة المادية أو الأدبية، أو مظاهر الرقي والتقدم، لأن الشعور بالأمن أو الأمان هو الذي يحقق الاستقرار للأسرة، فالمرأة المهددة من زوجها بالتطليق أو بمشاركة غيرها لها بلا مبرر مقبول أو معقول، لا تشعر بالأمان، ولا تنعم بالاستقرار، وتفتقد روح الهناء، فلا تشعر بالسعادة على الاطلاق، لأنها تعيش حياة غير طبيعية، في ظروف تفرض عليها الانزعاج والهلع والخوف المستمر أو الخشية من فقدان الزوج الذي أحبته وأخلصت له، وتريد أن تعيش معه حياة مستقرة هانئة، لكنها غير قادرة بسبب سوء معاملة الزوج أو تصرفاته غير المسؤولة تجاهها بحجة أنه الرجل، كأن الأنوثة في حد ذاتها منقصة مع أن النساء شقائق الرجال كما علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وليست الرجولة هي مجرد الفحولة أو الاستبداد أو القهر، وإنما الرجولة الحقة هي السلوك القويم، والتصرف الحكيم، والتضحية في سبيل أسعاد الأسرة والمجتمع، بل هي تبلغ القمة بالتضحية بالنفس عند الاقتضاء من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وتحقيق السعادة بإيثار الغير على النفس، وتقديم مصلحة الأسرة على مصالحه الشخصية عندما تتعارض المصالح امتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» فأهم وسائل تحقيق السعادة للأسرة هو نشر روح الايثار في نفوس أفرادها، وتقديم مصلحة مجموع أفراد الأسرة على مصلحة أحد أفرادها أو بعضهم، بمنتهى التسامح والرضا والحب، لأن سرطان الأنانية والأثرة إذا تفشى في جسد الأسرة سيفتك بها عاجلاً أو آجلا، ويؤدي في النهاية إلى تقويضها أو تفككها وتمزيق صفوفها، بسبب انتشار أو استشراء العداوة والكراهية الناجمة من تضخيم الذات أو ترديد العبارات الانهزامية، كأنا ومن بعدي الطوفان، أو كل يبحث عن مصلحته، أو المنفعة هي معيار المحبة والمودة والإخاء، ومن لا منفعة من ورائه لا طائل منه، وأن القطار لا ينتظر المتعثرين وإن كانوا من المخلصين أو الأوفياء الصادقين.
فأهم وسيلة من وسائل تحقيق السعادة للأسرة هي التضحية والإيثار، وأن يضع الإنسان نفسه في مكان أخيه أو أخته، وأن يلتمس العذر للمخطئ، وأن يسارع إلى العفو والإحسان إلى من أساء إليه من أفرادها، لانهم كالجسد الواحد بالمحبة يسعد ويهنأ، وبالعداوة يشقى ويتعب، فلا مفر من التمسك بروح الأخوة والمودة لتحقيق الخير والسعادة لجميع أفراد الأسرة.
المرأة صّمام الأمان:
قال بعض العلماء في تفسير قول الله تعالى: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة»، أن حسنة الدنيا هي الزوجة الصالحة، فهي زوجة تتمتع بجمال الخلق والخلق والعفة اذا نظرت اليها ادخلت السرور الى قلبك بحسن طالعها، فلا ترى منه الا كل جميل، وان أمرتها - في غير معصية - اطاعتك قلبا وقالبا، بلا تضجر ولا تردد، واذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك وولدك، مهما طال غيابك فأنت حاضر في قلبها نبضا، وفي عقلها فكرا، وفي عينيها نورا، وفي أذنيها سمعا وفهما وادراكا وتقديرا لرسالتك في الحياة، فلا تعرف الغش ولا الغدر ولا الخيانة، لانها تتخلق بخلق الاسلام، فان كانت في النعماء ترفل، فهي شاكرة لفضل ربها، واذا اصابها ضراء او حلت بها فاقة، فهي صابرة محتسبة، توقن بأن الحياة الدنيا مهما طالت فهي الى موت، والوجود فيها الى عدم، والبقاء الى فناء مصداقا لقول الله تعالى: «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام»، وان السعادة يمكن ان تصبح عادة بالرضا والقناعة، والبعد عن التطلع الى ما في ايدي الناس، وان القليل مع الامن والاستقرار الأسرى كثير في كمه وكيفه، وان الكثير مع الجشع والطمع قليل مزهود فيه، فالمرأة هي ريحانة البيت في حالة الرضا، وهي جحيمه المستعر في حالة الغضب والتمرد، وبخاصة الزوجة لانها السكن للزوج في البيت، والحنان للابناء، والرحمة والعطف وموطن المغفرة والتسامح لكل افراد الاسرة، فهي صمام الامان الذي يحول دون تدمير الاسرة، لانها تؤثر غيرها على نفسها، وتقدم كل افراد عائلتها على ذاتها، بمنتهى الحب والتسامح، اقتداء بأمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وثقة في فضل الله تعالى وحسن مثوبته للمرأة المخلصة المتمثلة والمتأسية بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، واطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من اي ابواب الجنة شئت، وابواب الجنة ثمانية، فأي فضل بعد هذا؟! مع انها ستسعد قطعا في حياتها عندما ترى مدح أسرتها بعلو، وبناء عائلتها يكبر وينمو في حب وتراحم وتعاطف وتواصل، لانها لم تقدم نفسها على مصالح اهلها فحسب، بل عاشت سعادة العطاء، فهي لا تعرف سوى العطاء المتواصل، هي كالنخلة عندما تتوجه اليها قذائف الحجارة، تستقبلها بالرطب الجني، بمنتهى الرضا والسعادة.
هذا لا يعني ان تتحول المرأة الى مجرد متاع في البيت، او شيء بلا مشاعر او احاسيس مهما اسئ اليها، بل تقدر الظروف ولا تتعجل في اتخاذ القرار، لان من اسباب الوقوع في الخطأ التسرع في الحكم، ولتحسب المكاسب الحقيقية من وراء استمرار الزوجية، والآثار السلبية المترتبة على انهيارها، وبخاصة عندما تكون قد احسنت اختيار الزوج الذي اذا احبها اكرمها، واذا كرها لم يهنها، والا فعليها ان تتحمل لاقصى درجات التحمل، لان الحياة الاسرية قامت لتستمر لا لتنتهي لاتفه الاسباب، او لعارض من العوارض مهما كان.
هكذا يكون شأن المرأة المسلمة بحق، تلكم المرأة التي تعيش في ظلال احكام الاسلام، فتشعر بالسعادة الحقيقية، وتقدمها لكل من حولها، لتحقيق الامن والاستقرار للاسرة.
الأسرة فى ظلال الاسلام
على الانسان المسلم ان يتأمل في قول الله تعالى: «ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون»، ليعلم ان من اهداف الاسلام المنوطة بالاسرة، تحقيق المودة والرحمة بين افرادها جميعاً فردا فردا، وان المحافظة على الاسرة من خلال العمل الصالح بلا من او اذى، له ثواب عظيم مصداقاً لقوله تعالى «من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» فالاسرة الانسانية خلقت من نفس واحدة، لكن التباغض والتحاسد فرق جمعها، قال تعالى: «يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة»، وليؤمن كل فرد من افراد الاسرة بأن الحياة قصيرة فلحرص على تحقيق السعادة والاستقرار فيها لاسرته، قال تعالى: «فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون»، فلتعش الاسرة مستمسكة بشرع الله تعالى ولا يغويها ما يأتيها من غثاء الهوى الغربي او الشرقي، لانه سيهوى بها الى الحضيض، قال تعالى: «ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع اهواء» الذين لا يعملون»، فمن اراد السعادة الحقة لاسرته فلن يجدها على الاطلاق سوى في ظلال الاسلام، والله من وراء القصد.
|