العالمية - ربيع الآخر- 1425 هجرية - يونيو 2004 م - العدد (169) - السنة السادسة عشر

   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الكلمة الأخيرة

 بين العنف والارهاب


بقلم أ. د. يوسف القرضاوي
 من كتاب الإسلام دين الرفق والرحمة لا العنف والنقمة

العلاقة بين (العنف) والارهاب، علاقة العموم والخصوص، بمعنى ان الارهاب اخص من العنف، فكل ارهاب عنف، وليس كل عنف ارهابا، فيما أراه.

الارهاب: ان تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وانما هو وسيلة لارهاب الاخرين وايذائهم بوجه من الوجوه ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة - عادة - قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، انما يتخذهم وسيلة للضغط على حكومة معينة: لتحقيق مطالب له: كإطلاق مساجين او دفع فدية، او نحو ذلك، والا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة.

كما يدخل في ذلك: احتجاز رهائن لديه، لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولكن يتخذهم وسيلة ضغط: لتحقيق مطالبه او يقتل منهم من يقتل، كما فعل جماعة ابو سياف في جنوب الفلبين وغيرهم.

ومن ذلك: قتل السياح، كما حدث في مذبحة الاقصر وغيرها، لضرب الاقتصاد، للضغط على الحكومة.

ومن ذلك: ما حدث في 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، من اختطاف الطائرات المدنية بركابها: من المدنيين الذين ليس بينهم وبين خاطفيها مشكلة او نزاع، واستخدامها (آلة هجوم) وتفجيرها بمن فيها، للضغط والتأثير على السياسة الامريكية.

وكذلك ضرب المدنيين البرآء: في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وفيهم: اناس لا علاقة لهم باتخاذ القرار السياسي، ومنهم مسلمون وغيرهم.

واذا كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين الارهاب بصفة خاصة، لما فيه من اعتداء على اناس ليس لهم ادنى ذنب يؤاخذون به.

وقد اصدرت فتوى - منذ بضعة عشر عاما -: بتحريم خطف الطائرات، وذلك بعد حادثة خطف الطائرة الكويتية، وبقاء ركابها فيها محبوسين: ستة عشر يوما، كما قتلوا واحدا او اثنين من ركابها.

يجب ان نتعامل مع الارهابيين على اساس من معرفة دوافعهم، ودراسة نفسياتهم، فالارهابي: انسان مغلق على نفسه، شديد التعصب لفكرته التي يؤمن بها، ويرى من خلالها العالم والحياة والانسان، على غير ما يراه الآخرون، ويرى نفسه هو المصيب، وكل الآخرين مخطئين، او منحرفين. فهو صاحب قضية يعمل من اجلها، وليس من اجل مصلحة نفسه، وهو مستعد ان يضحي بنفسه: من اجل قضيته. وآفته ليست في ضميره، بل في رأسه وفكره.

ولهذا يجب ان يقاوم اول ما يقاوم: بتصحيح فكرته الخاطئة، ومفاهيمه المغلوطة، ولا يقاوم عنفه: بعنف مضاد، الا بمقدار ما تمليه الضرورة، فان هذا العنف لا يزيده الا تصلبا واصرار على موقفه. وهنا عمل اهل الفكر والدعوة والتربية، والميدان مفتوح امامهم، لتقويم ما اعوج من فكر، واصلاح ما فسد من السلوك.

ومن ذلك: ان يترك للمسلمين حريتهم، وحقهم في ان يحكموا انفسهم وفق عقائدهم التي آمنوا بها، ولا يفرض عليهم نظام لا يرضونه.

بقي سؤال اخر، لابد منه هنا، وهو: اذا لم نتكلم بمنطق الشرع، وتحدثنا بمنطق المصلحة او الفائدة والثمرة، فهل هذا العنف مفيد؟ هل يحقق مصلحة للدعوة الإسلامية، وللصحوة الإسلامية؟

ونستطيع ان نؤكد: ان هذا العنف لا يغير حكومة ولا يسقط نظاما، هذا الاغتيال السياسي، او القتل العشوائي، او العمل التخريبي، لم نره غير شيئا في الانظمة القائمة التي اراد دعاة العنف تغييرها، وقد جرب الاغتيال السياسي، فذهب حاكم وجاء اخر بعده، واستمر الوضع، وربما كان الجديد اسوأ من القديم، وربما ازداد الوضع سوءا.

ثم ان هذا الذي يقوم بالعنف لا يستطيع الاستمرار فيه الى الابد، انه يستمر مدة ثم ييأس، ويلقي سلاحه، ولم يجن ثمرة من عمله، الا ما قتل من انفس، وما اضاع من جهد وعمر.

على ان فقه التغيير الحق لا يتم بالعنف، انه عملية طويلة المدى، عميقة الجذور، يبدأ اول ما يبدأ: وفق المنهج القرآني والنبوي بتغيير ما بالأنفس: بالتوعية والتربية، والاعداد الطويل النفس. غير ما بنفسك يتغير التاريخ، هذه السنة القرآنية الثابتة {ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} الرعد: 11 .

وهذا - للأسف - لا يعيه الا اولو الالباب، ولا يصبر عليه الا اولو العزم، وقليل ما هم.

وهناك عنف آخر مشروع: عبر عنه الحديث الصحيح المتفق عليه، حين قال: (إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان).

وذلك مثل: مقاومة الردة العلمانية الصريحة، التي قال عنها العلامة ابو الحسن الندوي: ردة ولا ابا بكر لها. الردة التي ترفض قواطع الإسلام،. وهذه المقاومة المشروعة في حدود الاستطاعة والإمكان، والا وجب الصبر والاعداد ليوم الخلاص.

وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.