|
كلما أقبل شهر محرم من كل عام، أقبلت معه ذكريات الهجرة المحمدية، واضحة لكل ذي عين مبصرة، هاتفة بكل ذي أذن واعية، وفيها للنائم يقظة، وللغافل لفتة، وللعاقل عبرة، وللمؤمن ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.
وهذه الذكريات المتجددة عبر آباد الزمان وأبعاء المكان، لا تني تذكرنا بأن الهجرة النبوية حدّ فاصل بين عهدين:
عهد الاضطهاد بكل ما فيه من دروس وعبر، وصبر ومصابرة، وإذعان وخضوع، وانقياد وخشوع، وتكوين للشخصية الإسلامية.
وعهد الجلاد بكل ما فيه من جهاد وعطاء، وإباد وفداء، وحب وإخاء، وتكوين للدولة الإسلامية.
وأول ما يطالعنا من ذكريات الهجرة على دربنا الطويل، ومن خلال الشدائد عبر القرون الممتدة، وعلى هدي المشاعر التي تكاد تملك علينا منافذ الحياة كلّها، ما نبصره من خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، أن جعل من المسلم إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، تكريماً للإنسان، وصعوداً به إلى آفاق التقدم والرقي، والسمو والتكريم، وعناية بالأجيال، وتوثيقاً للروابط بينهم وبين كتاب قال الله عز وجل في حقه:
{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين > يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}.
إنه النور الذي يضيء معالم الحياة، النور الذي يجده المؤمن في قلبه، فتشرق به كينونته، فتشف، وتخف وترف، ويشرق كل شيء.
{ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة > كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليه}.
وما يكاد هذا التعبير يتجلى حتى يفيض النور، فيغمر الكون، ويفيض على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح، وتشف القلوب، وترف الأرواح، بمقدار ما يدرك الإنسان، فإذا هو لقاء ورفرفة، وإذا هو انطلاق ومعرفة في ظل وقع التعبير والتصوير، والإدراك والتأثير، والفهم والتقدير، في ظلال هذا الكتاب الخالد، الذي يهدي أهل الأفكار إلى طريق الاعتبار، بما فيه من القصص والأخبار، ويوضح سلوك المنهج القويم، والصراط المستقيم.
وكان الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يجعل النور في كل شأنه وحاله... يروي أحمد والشيخان والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل لي في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً».
نحن حينما نبصر مطلع النور في الهجرة النبوية، نرى الفجر قد أشرقت أنواره، وبدت مطالعه، في هذه المظاهر البهيجة، وفي تلك العاطفة الروحية، التي تزداد بها القلوب إيماناً، وتزداد بها الأرواح إشراقاً، وتزداد بها الوحدة تماسكاً.
نحس نور الفجر في عمارة المساجد، وإقبال الشباب على الطاعة، ونبصر قلوباً تتطلع إلى الخير، والمستقبل المليء بالخير..
ونحس بأننا نذكر مع الذاكرررين يوماً سيظل عبر التاريخ يوماً مجيداً.
تتجدد فيه العزائم، وتكبر فيه الأانّي وتمتلئ القلوب خشية ونوراً..
ونحس بأن الهجرة قد أودعت ضمير الزمان مبادئ شرفت بها البشرية، وسما بها قدر الإنسان..
ونحسن بأن الدنيا قد هانت حين عزّت العقيدة، وحين كبر المقصد، وحين سمت الغاية، فما قيمة الحياة بدون معنى للحياة؟
إن الدنيا إذا خلت من الإيمان الحق ذل وصغار، وإن رسالة الإنسان فيها أن يزيل الزلل والعثار..
إن الدين القيم قد تفتحت له قلوب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. وحمل رايته نفر من الجن فآمنوا وأصبحوا دعاة:
{وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين > قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم > يا قومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم > ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين}.
لقد أضاء هذه الدنيا فتفتحت له القلوب، وانشرحت الصدور، وأشرأبت الأعناق، وتحرر الإنسان، وبلغ أثره أعماق هذه القلوب، وتغلغل في حنايا الضلوع، وتمكّن من مكامن الأرواح، وبدل الله به هذه الأمة خلقاً آخر.
ومن ثم كان البون واسعاً، والفرق شاسعاً، بين الماضي والحاضر، بين الجاهلية والإسلام، بين الكفر والإيمان.
وها هو النور نبصره في ذكرى الهجرة، إعلاناً خالداً على درب يبدأ بحمل الأمانة، وينتهي بالرضى والرضوان، ليكون ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين..
ويوم نملك أن نزيح الركام من الطريق، ونتحرر من رق النفس والهوى.. ويوم أن نقيس من النور، نسعى في ضوء النور..
ونحس أن هذا الكون يقبس من فيض هذا النور الذي منه وحده قوامه ونظامه..
ونحس أن الإنسان قد استطاع أخيراً أن يدرك طرفاً من هذه الحقيقة، عندما استحال في يده ما كان يسمى بالمادة بعد تحطيم الذرة إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور، ولا مادة لها إلا النور.
بيد أن القلب المؤمن قد أدرك هذه الحقيقة الكبرى قبل معرفة الإنسان لها بقرون وقرون.
وإذا ما أردنا أن نكون خلفاً صالحاً لسلف صالح، وأن يؤيدنا الحق جل شأنه، وينصرنا، فما علينا إلا أن نكيف حياتنا في رحاب النور..
وحدة الإنسانية
وبعد عرض ملامح النور الذي ذكرتنا به الهجرة، نجد أنفسنا أمام وحدة الإنسانية، حيث نبصر الألوان والأجناس، في هذا المجتمع المثالي، الذي رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.. وتلك آية تحمل في طياتها آيات:
{ومن أياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لأيات للعالمين}.
{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود > ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذالك إنما يخشى الله من عباده العلماؤا إن الله عزيز غفور}.
إنها لفتة موحية، تطوف في الأرض، وهي تذكر الألوان، وتجمع بين الأحياء وغير الأحياء، وتدع القلب مأخوذاً، وتسجل أن العلماء هم الذين يعرفون الله بآيات قدرته، ويخشونه جل شأنه.
والهجرة تذكرنا بوحدة الإنسانية، حيث اجتمع حول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم من خارج شبه الجزيرة كثيرون... منهم:
بلال: الذي يعود بأصله إلى الحبشة، إلى أفريقيا..
وصهيب: الذي يعود بأصله إلى الروم، واليمن..
وسلمان: الذي يعود بأصله إلى فارس..
أول مؤذن:
كان بلال رقيقاً، عذبه كفار قريش عندما أعلن إسلامه، وكانوا يرمونه على الصخور في وقت الحر الشديد، ويشتدون في تعذيبه، فلا يزيد على أن ينطلق بلسانه: «أحد أحد» لم يدنس لسانه بكلمة الكفر بعد أن طهره الله منها، ويعتقه الصديق أبو بكر، ويكون مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلمه، ويقول له الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه:
«يا بلال !حدثني بأرجي عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» قال: ما عملت عملاً أرجى عندي، أنيّ لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. ورواه مسلم.
ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن بريدة رضي الله عنه:
«يا بلال! بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، فقلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد، فقلت: أنا محمد: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب.
ويقول عنه الفاروق عمر رضي الله عنه فيما رواه البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالاً».
ويدخر الله عز وجل هذا الفضل، فيكون أو صوت يرتفع فوق الكعبة، وأول صوت يرتفع كذلك فوق المسجد الأقصى عندما فتحه المسلمون.. فضل عظيم لبلال رضي الله عنه.
باحث عن الحقيقة
وسلمان هو الآخر، لم يكن عربياً، يتعاظم بالقبلية، ولكنه خرج من فارس، يبحث عن الحقيقة، في رحلة طويلة، حيث كان مجوسياً، ثم نصرانياً، واعتنق الإسلام بعد ذلك، وكان رقيقاً، وشغله الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما:
«أعينوا أخاكم» يعني سلمان في مكاتبته
عرفنا كيف أن الهجرة تذكرنا بوحدة الإنسانية، حيث نبصر الألوان والأجناس، في هذا المجتمع المثالي، الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.. وذكرنا قصة بلال، الذي يعود بأصله إلى الحبشة، إلى افريقيا.. وسلمان، الذي يعود بأصله إلى فارس..
وهنا نبصر قصة صهيب، الذي يعود بأصله إلى الروم، واليمن، فقد عاش شطراً من حياته في الروم. حتى عرف بالرومي، وطرفاً في اليمن، يدخل في دين الله مع الداخلين، ويريد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، لا يعنيه إلا أمر إيمانه، ولا يهمه إلا رفع راية عقيدته، التي أحبها من كل قلبه، ها هو يتتبعه رجال من قريش غلبت عليهم الجاهلية، يريدون أن يحولوا بينه وبين ماله..
روى ابن مردويه عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة الى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب: قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك، وفي رواية: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يمكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«ربح صهيب، ربح صهيب».
وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بنالمسيب قال: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فأتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، ونثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش: قد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة، وخليتم سبيل، قالوا: نعم، فلما قدم علي النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ربح البيع»
قال: ونزلت: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد}
وفي رواية أوردها ابن كثير عن ابن عباس وأنس وغيرهما: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم، وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة الى أطراف الحرة فقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم. فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية.
وهذه الآية ترسم لنا صورة حية، تنطبق على كل مؤمن خالص الإيمان، متجرد لله، لا يبغي عرض الحياة، في مقابل صورة أخرى، لمن يصور لك نفسه خلاصة من الإخلاص، والرغبة في إفاضة الخير والسعادة، ويدهشك شأنه، ويعجبك حديثه عن الحب والتجرد، والود والصفاء، والبذل والعطاء، والبر والصلاح، والتقوى والفلاح، وتأخذك ذلاقة لسانه، وتبهرك نبرة صوته، ويأخذك قوله، وهو كما قال الحق جل شأنه:
{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياوة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام > وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد> وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ففحسبه جهنم ولبئس المهاد}.
صورتان متقابلتان لحقيقة الإنسان، تصورهما آيات القرآن، وتقيمهما بهذا التفاوت بين النفاق والإيمان، عبر آباد الزمان، وأبعاد المكان..
وهكذا يأتي الأفريقيون ومن وراءهم، أجيالاً بعد أجيال، فيجدون لهم أباً قد سبقهم إلى الجنة، هو بلال..
ويأتي الآسيويون ومن وراءهم أجيالاً بعد أجيال، فيجدون لهم أباً قد سبقهم إلى الجنة، هو سلمان...
ويأتي الروم وأهل اليمن، ومن وراء أهل الروم وأهل اليمن، أجيالاً بعد أجيال، فيجدون لهم أبا قد سبقهم إلى الجنة، وهو صهيب..
نسوق هذا إلى الذين يحتفلون باسم الأمم المتحدة بمناسبة ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كل عام، مع أن مجرد المقارنة بين تاريخ إعلان ذلك الميثاق والواقع المشهود في فلسطين منذ ذلك التاريخ.. وفي أرجاء مختلفة من العالم.. كفيل بإسقاط الأقنعة عن الصورة البشعة للحضارة المادية، وعداوتها للإنسانية.. سواء في قضة أرضنا السليبة.. والآلاف المشردين من أوطانهم وفي أوطانهم.. وفي التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا.. بل وفي كثير من الدول المتقدمة من الناحية المادية، فأين هذا من ذاك؟!
وهنا نعود إلى قصة بلال... وقصة سلمان... وقصة صهيب... ونبصر الألوان والأجناس، والأجيال، عبر آباد الزمان وأبعاد المكان... من أفريقيا وما وراءها... ومن فارس وما وراءها... ومن الروم واليمن وما وراءهما... أجيال بعد أجيال، وهم ينظرون إلى السلف الصالح، الذي التقت فيه الألوان والأجناس، في دائرة الأخوة في الله عز وجل...
ألا ما أعظم هذه المعالم التي تذكرنا بها الهجرة النبوية... وما أحوج الإنسانية كلها إلى أن تدرك هذه المعالم، عسى أن تكون الدوا لتلك الأدواء العنصرية والخلقية التي رانت على العقول، وجثمت على الصدور... |