العالمية - محرم - 1426 هجرية - فبراير2005 م - العدد (178) - السنة السابعة عشر

   

عودة للصفحة الرئيسية

 

 

منهج الدعوة الاسلامية: يقوم على الرفق واللين، والرقة والرحمة،
ولا يقوم علي العنف والشدة، والغلظة والنقمة.

 

الموعظة الحسنة خطاب يشتمل العواطف ويؤثر في القلوب رغباً ورهباً
الرفق واللين واللطف مسيرة الرسول في الدعوة والمعاملة

 

ولقد رسم القرآن منهج الدعوة، بقوله تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي احسن) النحل 125 .

والدعوة بالحكمة تعني: الخطاب الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان:

والموعظة الحسنة تعني: الخطاب الذي يستميل العواطف، ويؤثر في القلوب رغبا ورهبا.

والجدال بالتي هي احسن، يعني: الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق، وارق الاساليب، التي تقربهم ولا تبعدهم.

د. يوسف القرضاوي يقرض منهج الاسلام الوسطي المعدل:

قد رأينا القرآن الكريم: وهو يعرض لنا قصص الرسل عليهم السلام، وكيف خاطبوا اقوامهم بالحسنى، كما في سورة الشعراء: (كذبت قوم نوح المرسلين. اذ قال لهم اخوهم نوح: الا تتقون، اني لكم رسول امين. فاتقوا الله واطيعون. وما أسألكم عليه من اجر، ان اجري الا على رب العالمين) الشعراء 105-109 .

وفي سورة نوح، يقول لهم: (قوم: اني لكم نذير مبين. ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون. يغفر لكم من ذونبكم ويؤخركم الى اجل مسمى. ان اجل الله اذا جاء لا يؤخر، لو كنتم تعلمون) نوح: 2-4:

فانظر: كيف بدأ خطابهم بقوله: (يا قوم) يذكرهم: انه واحد منهم، وليس غريبا عنهم.

وانظر خطاب ابراهيم لقومه، وكيف تدرج معهم، حين رأي في الليل كوكبا، قال: هذا ربي. فلما اقل قال: لا احب الآفلين، ثم القمر، ثم الشمس، حتى قال: (اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا، وما انا من المشركين) الانعام: 76:79 .

وانظر خطابه لابيه وترفقه به: (اذ قال لابيه: يا أبت! لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا. يا أبت! اني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني اهدك صراطا سويا. يا أبت! يا أبت! ..) مريم: 45-42 . الى ان رد ابوه بقوله: (اراغب انت عن آلهتي يا ابراهيم لذن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا. قال:س لام عليكم سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا) مريم: 46:47 .

وانظر الى موسى واخيه هارون، حين بعثهما الله الى فرعون، الى فرعون، واوصاهما بتليين القول له: (اذهبا الى فرعون انه طغي، فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر او يخشى) طه: 43:44 .

ولذا وجدنا موسى عليه اسلام، حين ذهب الى فرعون، قال له: (هل لك الي ان تزكى؟، واهديك الى ربك فتخشى) النازعات: 18،19، بهذه الصيغة المأنوسة الرقيقة.

ودخل رجل على المأمون يعظه، فقال له: اتق الله ايها الظالم الفاجر، فقال له المأمون. وكان على علم وفقه.: يا هذا! ان الله بعث من هو خير منك، الي من هو شر مني، وامره بالرفق. بعث موسى وهارون وهما خير منك، الى فرعون، وهو شر مني، وقال: (فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر او يخشى) طه: 44 .

الرسول يدعو الى الرفق وينكر العنف:

ومن قرأ سنة الرسول الكريم القولية: ممثلة في احاديثه عليه الصلاة والسلام، او قرأ سنته العملية: ممثلة في سيرته صلى الله عليه وسلم: يجد اسلوب الرفق واللين واللطف، في الدعوة والمعاملة: شديد الوضوح والعمق، في اخلاقه عليه الصلاة والسلام.

وحسبنا ان ننقل من كتاب مثل: (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري فيما اورده من احاديث صحاح وحسان، في الترغيب في الرفق والحلم.

وأولها: حديث عائشة: (ان الله رفيق، يحب الرفق في الامر كله).

وينبغي لنا: ان نذكر هنا سبب ورود هذا الحديث، كما رأته وروته ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فهي شاهد عيان، وكما رواه البخاري في صحيحه: قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي [ فقالوا (اي للنبي): السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: يا عائشة: ان الله يحب الرفق في الامر كله. قلت: او لم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: وعليكم.

فهؤلاء اليهود من سوء ادبهم وسوء طويتهم: لؤلوا السنتهم، وحرفوا الكلم، فبدل ان يقولوا: السلام عليك، قالوا: السام، اي الموت والهلاك. ولكن الرسول الكريم من حسن ادبه، وعظمة خلقه، لم يرد ان يجعل من ذلك معركة، بل رد بهذه الكلمة النبيلة قائلا: (وعليكم). اي ان الموت مكتوب على كل البشر، علينا وعليكم. ثم علم عائشة هذا الادب الرفيع، ادب الرفق في التعامل، حين قال لها: (يا عائشة! ان الله رفيق، يحب الرفق في الامر كله).

ونسوق بقية الاحاديث - التي انتقيناها هنا - في كتابنا: (المنتقي من الترغيب والترهيب).

منها: ما رواه مسلم عن عائشة: (ان الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه.

وعنها ايضا، عن النبي [ (ان الرفق لا يكون في شيء الا زانه، ولا ينزع من شيء الا شانه).

وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه، ان النبي [ قال: (ان الله عز وجل: ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، واذا احب الله عبدا اعطاه الرفق، ما من اهل بيت يحرمون الرفق الا حرموا الخير).

وعن ابي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي [ قال: (ممن أعطى حظه من الرفق: فقد اعطى حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق: فقد حرم حظه من الخير).

وعن ابي هريرة رضي الله عنه، قال: بال اعرابي في المسجد، فقام الناس اليه ليقعوا فيه، فقال النبي [: (دعوه، واريقوا على بوله سجلا من ماء - او ذنوبا من ماء - فانما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين).

وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي [: قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).

وعن عائشة رضي الله عنها: قالت: (ما خير رسول الله [ بين امرين قط الا اخذ ايسرهما ما لم يكن اثما، فان كان اثما كان ابعد الناس منه: وما انتقم رسول الله [ لنفسه، في شيء قط، الا ان تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى).

وعن انس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي [: قال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما احد اكثر معاذير من الله، وما من يء احب الى الله من الحمد).

وعن ابن عباس، رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله [ للاشج: (ان فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والاناة).

وعن انس رضي الله عنه، قال: كنت امشي مع رسول الله [، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فادركه اعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرت الى صفحة عنق رسول الله. [، وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت اليه فضحك، ثم امر له بعطاء).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال: كأني انظر الى رسول الله [، يحكي نبيا من الانبياء ضربه قومه، فادموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: (اللهم! اغفر لقومي فانهم لا يعلمون).

الاسلام دين الرحمة:

وكما دعا الاسلام الى الرفق، وحذر من العنف، في الدعوة والتعامل: نجده كذلك دعا الى الرحمة، واعتبرها جوهر اخلاقه، ونهى عن القسوة وذمها، وذم من اتصف بها: اشد الذم.

فقد قص القرآن علينا قصة البقرة، التي حدثت في بني اسرائيل، ثم عقب عليها بتوجيه الخطاب لهم بقوله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، فهي كالحجارة او اشد قسوة، وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار، وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وان منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعلمون) البقرة: 74 .

بل ذكر القرآن: ان قسوة القلوب عند بني اسرائيل، كانت عقوبة الهية لهم على عصيانهم، ونقهم مواثيقهم وعهودهم مع الله تعالى، كما قال سبحانه. بعد ان ذكر ما اخذ عليهم من ميثاق: (فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) المائدة: 13 . والتوراة نفسها: تصفهم بأنهم الشعب الفليظ الرقبة.

اما امة الاسلام. فانها مأمورة بالرحمة، موصوفة بها، بل ان رسالتها نفسها قائمة على الرحمة، بل هي الرحمة ذاتها، كما جاء في القرآن الكريم، فقد خاطب الله رسوله بقوله، (وما ارسلناك الا رحمة للعاملين) الانبياء: 107 .

فهو عليه السلام: ليس رحمة لجنس العرب او الشرقيين، او حتى المسلمين وحدهم، بل هو رحمة للعاملين. لان رسالته رسالة عالمية، كما قال تعالى: (قل يا ايها الناي اني رسول الله اليكم جميعا) الاعراف: 158 .

وما دامت دعوته وسالته للناس جميعا: فان الرحمة المقترنة بها للناس جميعا، وان كان اكثر الناس انتفاعا بهذه الرحمة: هم الذين آمنوا به واتبعوه واهتدوا بهديه، فهم يعيشون في جو ههذ الرحمة: ايمانا، وتبعدا، وفكرا، وخلقا، وسلوكا، وتعاملا.

وما دامت دعوته وسالته للناس جميعا: فان الرحمة المقترنة بها للناس جميعا، وان كان اكثر الناس انتفاعا بهذه الرحمة: هم الذين آمنوا به واتبعوه واهتدوا بهديه، فهم يعيشون في جو هذه الرحمة: ايمانا، وتعبدا، وفكرا، وخلقا، وسلوكا، وتعاملا.

ذلك ان اكثر الناس استفادة من علم الطبيب النطاسي وتجربته: هو من يؤمن بطبه، ويلجأ اليه، ويأخذ منه، ويعالج على يديه. وهذا هو سر قوله تعالى: (يا ايها الناس! قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) يونس: 87 . (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) الاسراء: 82 .

وقال لرسوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي، وهدى ورحمة وبشري للمسلمين) النحل: 89 .

ولقد عبر محمد [ عن نفسه ودعوته، بعبارة موجزة، فقال: (انما انا رحمة مهداة).

فهو رحمة مهداة من الله: للعالمين عامة، وللمؤمنين خاصة، كما قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من انفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة: 128 .

وقال تعالى: (قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم) التوبة: 61 .

ولا جد في تعاليم نبي من الانبياء. من الدعوة الى الرحمة، والحث عليها، والترغيب في التخلق بها، ومعاملة الناس جميعا، بل الحيوانات على اساسها. ما اجد في تعاليم محمد، عليه الصلاة والسلام.

واكتفى بأن انقل جملة احاديث، من بعض ما انتقيته من كتاب الامام المنذري في (الترغيب الترهيب)، في فضل (الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى، من الرعية والاولاد، والعبيد، وغيرهم، ورحمتهم، والرفق بهم والترهيب من ضد ذلك، ومن تعذيب العيد، والداية، وغيرهما بغير سبب شرعي، وما جاء في النهي عن وسم الدواب في وجوهها)، وقد سرد هنا: جملة وافرة من الاحاديث، تنتقي منها ما يلي:

عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه، قال: [: (من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله).

وفي رواية الاحمد: (ومن لا يغفر، لا يغفر له).

وعن ابي موسى رضي الله عنه: انه سمع النبي [ يقول: (لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا: يا رسول الله! كنا رحيم! قال: (انه ليس برحمة احدكم صاحبه، ولكنه رحمة العامة).

ومن عبدالله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما: ان رسول الله [ قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء).

وعنه رضي الله عنه: ان النبي [ قال: (ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لاقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة، أبا القاسم، [ يقول: (لا تُنزع الرحمة إلا من شقي).

وعنه رضي الله عنه: قال: قبَّل رسول الله [ الحسن أو الحسين بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلت منهم واحدا قَطَّ، فنظر إليه رسول الله [، ثم قال: (من لا يرحم لا يُرحم).

وعن عائشة رضي الله عنها: قالت جاء أعرابي إلى رسول الله [، فقال: إنكم تُقَبُلون الصبيان وما نقبلهم؟ فقال رسول الله [: (أو أملك لك: أن نزع الله الرحمة من قلبك).

وعن معاوية بن قرّة، عن أبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها، فقال: (إن رحمتها رحمك الله).

وقد تقدم حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلا أضجع شاة، وهو يحد شفرته، فقال النبي[ (أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا أحددت شفرتك، قبل أن تضجعها؟!)

وعن ابن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي [ قال: (ما من إنسيان، يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها، إلا يسأله الله عنها يوم القيامة) قيل: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: (حقها: أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي به).

وعن ابن سيرين؛ أن عمر رضي الله عنه، رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: ويلك: قُدها إلى الموت قودًا جميلا.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه مرّ بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا أو دجاجة - يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله [ لعن من اتخذ شيئا - فيه الروح - غرضا.

وعن أبي مسعود رضي الله عنه: قال: كنا مع رسول الله [ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرة معها فَرْخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرْش، فجاء النبي [ فقال: (من فجع هذه بولديها؟ ردوا ولديها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: «من حرق هذه؟» قلنا: نحن، قال: (إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار).

وعن عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما: قال: أردفني رسول [ خلفه ذات يوم، فأسَرَّ إلي حديثاً، لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحبُ ما استتر به النبي [، لحاجته: هدفا، أو حانش نخل، فدخل حائط لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي [ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله [ فمسح ذفِرَاه فسكت فقال: (من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟) فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: ( أفلا تتقي الله في هذه البهيمة، التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكا إلي أنك تجيعه، وتُدئِبه).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله [ (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض).

وفي رواية: (عُذِّبت امرأة هرة سجنتها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).

ورواه أحمد: من حديث جابر، فزاد في آخره: (فوجبت لها النار بذلك).

وعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه؛ قال: مرّ الرسول [ ببعير قد لصق ظهره ببطنه، فقال: (اتقوا الله في هذه البهائم المُعجَمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالة).

رواه أبو داود، وابن خزيمة في (صحيحه) إلا أنه قال: (قد لحق ظهره).

وعن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما: أن النبي [ صلّى صلاة الكسوف، فقال: (دنت مني النار حتى قلت: أي رب! وأنا معهم، فإذا امرأة - حسبت أنها قال: تخدشها هرة - قال: ما شأن هذه؟ قالو: حبستها حتى ماتت جوعا).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ عن رسول الله [ قال: (بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من شدة العطش، قال لقد بلغ هذا الكلبَ مثلُ الذي بلغ بي فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقِيَ، فسقى الكلب! فشكر الله له، فغفر له) قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال في كل كبد رطبة أجر.

وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه؛ قال: كنت أضرب غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: اعلم أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني، إذا هو رسول الله [ فإذا هو يقول: (اعلم أبا مسعود! أن ا لله عز وجل أقدر عليك منك على هذا الغلام) فقلت: لا أضرب ملوكاً بعده أبداً.

وفي رواية: فقلت : يا رسول الله! هو حر لوجه الله تعالى، فقال (أما، لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار).

وعن زاذان - وهو الكندي مولاهم، الكوفي - قال:: أتيت ابن عمر، وقد أعتق مملوكا له، فأخذ من الأرض عودا أوشيئا، فقال: مالي فيه من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله [ يقول: (من لطم ملوكاً له أو ضربه، فكفارته: أن يُعتقه) رواه أبو داود واللفظ له، رواه مسلم؛ ولفظه قال: ( من ضرب غلاما له حد لم يأته أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه).

وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله [ (من ضرب مملوكه ظلما: أقيد (أي اقتص) منه، يوم القيامة).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم [ نبي التوبة (من قذف مملوكه بريئا مما قال: أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛أن النبي [ قال: (للمملوك طعامه وشرابه وكسوته، ولا يكلَّف إلا ما يطيق، فإن كلفتموهم فأعينوهم، ولا تعذبوا عباد الله، خلقا أمثالكم).

وعن عمرو بن حريث، رضي الله عنهما؛ أن النبي [، قال: (ما خفّفتَ على خادمك من عمله: كان لك أجرا في موازينك).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله [ (من ضرب سوطا: ظلما اقتصّ منه يوم القيامة).

وعن أم سلمة، رضي الله عنها؛ قالت : كان رسول الله [ في بيتي، وكان بيده سواك، فدعا وصيفة له - أولها- حتى استبان الغضب في وجهه، وخرجت أم سلمة إلى الحجرات، فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت: ألا أراك تلعبين بهذه البهمة، ورسول الله [ يدعوك؟ فقالت: لا، والذي بعثك بالحق! ما سمعتك، فقال رسول الله [: (لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن النبي [، مر على حمار قد وسِمَ في وجهه، فقال: (لعن الله الذي وسمه).

وفي رواية له: نهى رسول الله [: عن الضرب في الوجه، وعن الوَسْم في الوجه.

رواه الطبراني، بإسناد جيد مختصر: أن رسول الله، [: لعن من يسم في الوجه.

وعن جابر بن عبدالله، رضي الله عنه؛ قال: مرّ حمار برسول الله [: (لعن الله من فعل هذا) ثم نهى عن الكي في الوجه، والضرب في الوجه.

والأحاديث في النهي عن الكي في الوجه كثيرة.

وهذا الحشد الجم من الأحاديث النبوية الصحاح، في فضل الرحمة والترغيب فيها، وشمولها للإنسان، ولا سيما الضعفاء من الخلق، وكذلك للحيوانات العجماوات التي تؤكل أو تركب، والتي لا تؤكل ولا تركب: مثل الهرّ والكلبٍ، لا أحسب دينا من الأديان: يشتمل على هذه الوصايا المكررة والمؤكدة، ترغيبا في الرحمة والشفقة على خلق الله، وترهيبا من الشدة والقسوة على عباد الله.