العالمية - محرم - 1426 هجرية - فبراير2005 م - العدد (178) - السنة السابعة عشر

   

عودة للصفحة الرئيسية

 

من كلام الأئمة الاعلام

 

  إفلاسنا من طاعته

  بقلم د. ياسر القضمانى

 

قف معي على هذه العبارة من مناجاة بعض الأخيار:

«إلهي قد صح إفلاسنا من طاعتك فمن أحق منا بصدقات عفوك».

استوقفني حقاً هذا الكلم المبارك!

حروف امتزج فيها الإعراب عن دواخل الطويات مع شؤون الطاعات عند جل البريات.

رويدكم حنانيكم من منكم يدعي كمال طاعته، وسلامتها وعدم الرد من الواحد الأحد؟!

تعالوا من يدعي سلامة قرّ به من القرب، ونجاتها من العطب، وأنها تؤهله لأن يكون فيمن سجدو اقترب، ووُهب فمن وهب؟!

تعالوا من يدعي الإقبال على ذي الجلال، واعطاء البوبية حقها، والألوهية قدرها؟!

قولوا وأنتم واعون أأنتم راضون من صيلاتكم في صلاتكم؟!

يقولون: لماذا الصلاة؟!

أقول هي المعيار عند سيد الأبرار!

جاء في الحديث: «الصلاة خير موضوع فلتستقل أو فلتستكثر».

كيف ترون أحوانا مع خير موضوع في أشرف البقاع عند الله وهي المساجد؟!

أهي مرضية عن رب البرية؟

احكموا أنتم، قولوا، وإذا قلتم فاعدلوا!؟

إن ما يقع في هذه الصلاة من انصرافات والتفاتات وسماع للآلات والرنات بل والنغمات الخليعات ما يجعلنا - ولا حول ولاقوة إلا بالله - ما يجعلنا مفلسين، بحق كما قال هذا الصالح الذي صدرنا طرفاً من مناجاته!

إنني وإن جهلت اسم هذا الصالح ولم يبين في الكتاب الذي وقفت فيه على هذه المناجاة: فإن الرب يعلمه والملائكة تعرفه وقد يكون له شأن وطرب في أهل السماوات!

يقول: صح إفلاسنا من طاعتك!

أتقول لهذا المقر: هذه طاعتك أنت أما نحن فإن لنا طاعات كثيرات او عبادات كاملات!

1- مما قاله الشيخ العارف بالله أو العباس أحمد بن محمد الشهير بزروق على قول ابن عطاء الله السكندري في حكمه الشهيرة: انما الصدقات للفقراء.

ما الذي سلم لك خبرنا؟!

الصلاة، الحج، العمرة، الصدقة، الزيارة، العيادة، الاعتكاف، الأضحية، التأليف، الوعظ، التدريس، النصح، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و. و؟

خبرنا ما الذي تعتد به وتجرؤ ان تقف به ومعه بين يدي الله تعالى الجبار يوم القيامة، وتقول مباهياً به: هذا من عدتي وذخيرتي التي أعتز بها يا إلهي ومليكي! ها هو بين يديك! ما هو خبرنا؟!!

يذوب الإنسان العدل حياء من ربه اذا استشعر تفريطه في جنب الله!!

ذكر بعضهم عن بعض اهل المراقبة والاحسان في العبادة انه كان يلبث فترة بعد انقضاء صلاته، وهو في غاية الانكسار والخجل كأنه قد خلص من معصية، أو فرغ من كبيرة تلطخ بها!

فإذا كنت فقيراً بحق لطاعة مقبولة، معترفاً بذلك، غير منكر له، أهلك لزيادة في الاحسان لها وفيها وما قبلها وما بعدها استحضاراً للدعاء النبوي بعد الصلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

يطلب سيد العابدين واشرف الأنبياء والمرسلين، وأخشع الخاشعين، وأقرب المقربين، ونقاوة المصطفين والمتحبين - حسن العبادة!

نبيك وقدوتك وأسوتك يطلب الإيمانه على حسن العبادة وأنت خلي من هذا الطلب، مستغن عن هذا الأقرب، بل ربما تمن على الرب بأنك من المصلين، ومن زمرة الصالحين؟!!

فإذا تحققت من إفلاسك من طاعته فاسأل الله أن يتصدق عليك بعفوه، لأن الصدقات للفقراء.

هذا المعنى بديع حقاً فإذا كان لايستحق الصدقة (أي الزكاة) الا زمر ثمانية ذكرت في قوله تعالى {انما الصدقات للفقراء والمساكين..} فاذا تحققت بفقرك له، وانك لا تملك ما يصلح للعرض عليه استحققت العطاء، واولى ما يكون هنا العفو عن هذا التفريط، وعدم القيام بحق الربوبية.

ولذلك قال ابن عطاء الله: الفاقات بسط المواهب

فكلما اظهرت له فاقتك وفقرك في وصف اعطاك ما يليق بوصفه، فإذا تحققت بفقرك له اغناك، واذا تحققت بعجزك امدت بقوته، واذا تحققت بذلك له اعزك.

فيارب امرتنا ونهيتنا فكم تجرأنا وفرطنا وما أحسنا القيام بين يديك، ولا خفنا العرض عليك، فتصدق علينا فنحن الفقراء، وانت الغني عنا.