|
تشير المصادر التاريخية ان ارض فلسطين وبالتحديد القدس شهدت على مر التاريخ حركة علمية عظيمة ازدحم فيها طلاب العلم والعلماء، وشد الرحال اليهما كل من اراد الاستزادة في اي فن من فنون العلم.
ولعل هذه الارض المباركة مهبط النبوات ومسرى الحبيب محمد صلى اللّه عليه وسلم اعطت دافعا قويا لطلاب العلم لشد الرحال لها والاستيطان بها وانشاء الاوقاف والمدارس والزوايا في ربوعها.
وليس ادل على ذلك من مئات المدارس والاوقاف التي شيدت هناك، وجمهرة من العلماء الافذاذ الذين تخرجوا من مدارسها واربطتها.
ومما له صلة بهذا شيوع الرحلة الى بيت المقدس طلبا للعلم، وكان من يرحل طلبا للعمل، يلقى رعاية كبيرة وتوفر له المتطلبات الضرورية المتثملة في المأكل والمأوى وتوفر له المخصصات، ويتفرغ للاشتغال بالعلم.
ويقول ابن جبير متحدثا عما كان يلقاه طالبوا العلم من الرعاية والعناية في الشام عامة: فمن شاء الفلاح فليرحل الى هذه البلاد، ويتغرب في طلب العلم، فيجد الامور المعينات كثيرة.
وكان طالبوا العلم يتخيرون المعهد العلمي الذي يرغبون في طلب العلم فيه، كما يتخيرون الشيوخ الذين يأخذون عنهم وكان بيت المقدس مراكزا علميا من المراكز التي قصدها طالبوا العلم.
لقد وقف منشئوا المعاهد العلمي اوقافا كثيرة على تلك المعاهد في بيت المقدس، وكانت تعطي المخصصات للطلبة وهي جزء من الاوقاف المشار اليها.
ومن ذلك ان صلاح الدين الايوبي وقف على المدرسة الاصلاحية اوقافا كثيرة، ومنها جزء «للمتفقهة، وللطلبة المتعففة المتنزهة».
ونهج الملك الملك الأفضل نور الدين على بن السلطان صلاح الدين نهج والده، فقد وقف: حارة المغاربة على طائفة المغربة، فقهائهم وطلابهم الذين أخذوا يتوافدون إليها من مختلف أقطار أفريقيا الشمالية وكان ذلك في سنة 589هـ.
ورتب الملك الأشرف قايتباي لمدرسته «الأشرفية» شيخا وصوفية وفقهاء وطلاب، وصرف لهم المعاليم، وقد عين لها أوقاف بمدينة غزة، وجعل للطلبة لكل نفر في كل شهر خمسة وأربعين درهما، وجعل لها أرباب وظائف من الفراش والبواب ونحو ذلك وجعل للشيخ في كل شهر خمسمائة درهم.
إلى جانب ذلك كان القدس محط رحال العلماء وجامعة تخرج منها الفطاحل من العلماء والمفكرين، ولعل التاريخ سطر كثير من تلك الأسماء المشهورة أمثال جلال الدين أحمد بن محمد الخجندي المدني الحنفي المتوفي سنة 802 هـ.
وكان قد قدم إلى بيت المقدس سنة 760 هـ ودرس فيها على يد صلاح الدين العلائي بالصلاحية، والكريمية، وكتب بعض تأليفه ومسلسلاته، وقرأ عليه وحضر دروسه بالصلاحية وقد ذكر السخاوي ووصفه بالشيخ الفقيه، الأمام، العالم الفاضل، الرحال، المتقن، وأدرك آخرين بالقدس وأخذ منهم.
إجازة خاصة - وإجازة عامة
ذكر الإمام السخاوي أن عدداً من طالبي العلم حصلوا على إجازات باستدعاء من شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف المقدسي.
وقد ذكر مجير الدين أنه حضر بعض مجالسه من الدروس والإملاء بالمدرسة الصلاحية، وأنه حضر كثير من مجالسه بالمسجد الأقصى الشريف.
بعض أشهر المدارس في القدس
أولاً: المدرسة الصلاحية:
تنسب هذه المدرسة الى مؤسسها:
صلاح الدين الأيوبي، فقيل المدرسة الصلاحية، وقيل المدرسة الناصرية الصلاحية نسبة الى الناصر صلاح الدين وتقع على بضعة أمتار من السور الشمالي عند باب الأسباط.
أنشأ صلاح الدين مدرسته هذه بعد تحرير بيت المقدس في سنة 583 هـ وجعلها وقفا للفقهاء الشافعية ورباط للعلماء الصوفية.
وكانت المدرسة الصلاحية ذات مكانة علمية كبيرة، وكانت من المدارس التي يشار إليها بالبنان، وتتضح أهمية هذه المدرسة في الدور العلمي الذي قام به شيوخها ومدرسوها ومعيدوها، ومن هؤلاء العلماء على سبيل المثال:
بهاء الدين بن شداد، وفخر الدين بن عساكر، وابن واصل الحموي، وأبي عمرو بن الصلاح، وعز الدين عبدالسلام المقدسي، وكمال الدين ابن أبي شريف وغيرهم، ولم يقتصر دور هؤلاء العلماء على التدريس في الصلاحية، فكان لهم إسهام في حركة التأليف، وفي الحركة الأدبية وغير ذلك.
ثانياً: المدرسة الأفضلية:
تنسب المدرسة الأفضلية الى منشئها الملك الأفضل نور الدين أبي الحسن على بن السلطان صلاح الدين الأيوبي، وكان قد أنشأها، ووقفها على فقهاء المالكية الذين قدموا الى بيت المقدس، وأقاموا فيه وقد وقفها سنة 589هـ، ووقف الملك الأفضل، حارة المغاربة على طائفة المغاربة على اختلاف أجناسهم، ذكورهم وإناثهم، فقهائهم وطلابهم الذين أخذوا يتوافدون إليها من مختلف أقطار أفريقية الشمالية.
وقد تخرج من هذه المدرسة القضاة والعلماء وطالبي العلم ومن هؤلاء الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن علي ابن مغيث الأندلسي المالكي مقرى بيت المقدس، والشيخ عبدالواحد بن جبارة المغربي المالكي الأديب والمقري، وكان إمام المالكية بالمسجد الأقصى وكان ذا معرفة بالفرائض والحساب والنحو تصدر للتدريس بالأقصى.
ومنهم قاضي القضاة أمين الدين سالم بن إبراهيم المغربي الصنهاجي المالكي الذي ولي القضاء في بيت المقدس.
ومنهم من ولي مشيخة دار القراءات الإسلامية بالقدس من أمثال الشيخ عبدالله بن إبراهيم البسكري المغربي المالكي.
إنشاء البيمار ستان
وهي ما يعرف الآن بالمستشفيات، وأول من أنشأها في القدس الفاطميون ثم جاء صلاح الدين الأيوبي فوسعه ووقف عليه الأوقاف لتيسير شئونه العلمية والعملية وعمل فيه أشهر الأطباء من أمثال أبي الفضل رشيد الدين بن علي الصوري، ويعقوب بن صقلاب المقدسي وغيرهما.
وذكر ابن أبي أصبعية أن موفق الدين بن صقلاب لازم القدس وكان رجلا فاضلا فيلسوفا راهبا في دير السيق، وكان خبيراً بالعلم الطبيعي متقنا للهندسة وعلم الحساب، قوياً في علم أحكام النجوم والاطلاع عليها.
واجتمع موفق الدين بالشيخ أبي منصور النصراني الطبيب واشتغل عليه وانتفع به وباشر معه أعمال صناعة الطب بالبيمارستان في بيت المقدس، موفق الدين وبقي موقف الدين يباشر العمل بالبيمارستان المذكور الى أن ملك المعظم عيسى بن الملك العادل في سنة 615 هـ فقد صار معه في الصحبة بعد ذلك.
الخوانق والزوايا في بيت المقدس
وهي بيوت معدة للعبادة وأصل كلمة خوانق مفرد خانقاه وهي كلمة فارسية معناها بيت.
وهي مراكز تقام للصوفية للعبادة والعلم، أما الزوايا فهي ركن البناء وهي المكان الذي يقيم فيه الشيخ وهي أشبه ما يكون بالمدرسة يرتادها طالبوا العلم وغيرهم.
هذه الخوانق والزوايا تقوم بأدوار مختلفة دينية وثقافية، واجتماعية الى جانب انها مدارس فقهية وعلمية.
ومن تلك الخوانق الخانقاه الصلاحية وتقع بالقرب من كنيسة القيامة وتحيط بها من الشمال والغرب.
وقد أنشأها صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير بيت المقدس ووقف عليها أوقافا كثيرة وجعلها وقفا للمتصوفة وللوافدين من أهل الطريقة والمعرفة وتم تأسيسها سنة 583هـ ومن الذين تولوا مشيخة الخانقاه الصلاحية الخطيب محب الدين بن جماعة وكان تعيينه بأمر من السلطان.
ومن الذين تولوا المشيخة في الخانقاه الصلاحية الشيخ غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر المقدسي النابلسي الخزورجي وكان أول من ولي مشيخة هذه الخانقاه.
وكان طلاب الخانقاه الصلاحية يشتغلون بالعلم والتصوف، واشتغل بعضهم بالقراءات، وبعضهم الآخر بنسخ الكتب، وبعضهم بالوعظ، وبعضهم القضاء وبعضهم بالميقات.
ومن أهم الزوايا في بيت المقدس
الزاوية الختنية ومكانها بجوار الأقصى خلف المنبر أنشأها صلاح الدين الأيوبي ووقفها على الشيخ جلال الدين محمد بن الشاشي وكان ذلك في الثامن عشر من ربيع الأول سنة 587 هـ كما هو مثبت في كتاب وقفها، وقد وقفها على الشاشي ثم على من يحذو حذوه من الصالحين من بعده وسميت هذه الزاوية بهذا الاسم نسبة الى الشيخ المعروف بالختني، ذكر ابن فضل الله العمري أنه دخل الى بعض الأماكن داخل سور الحرم القدس الشريف، وأضاف أن دخولها إليها كان من الزاوية المعروفة بسكن الختني وقد تولي مشيختها عدد من كبار العلماء من أمثال شهاب الدين أبن رسلان، وبرهان الدين الأنصاري وغيرها، وقد كان هذان العالمان من كبار العلماء في بيت المقدس.
وكانت بعض الزوايا تقوم بما كانت المدارس تقوم به مثل الزاوية الوفائية، مدارس، ومن ذلك الزاوية الأمينية أو المدرسة الأمينية وكان بعضها متخصص في تدريس الأطفال.
هذه لمحة تاريخية سريعة للنهوضة الحضارية لبيت المقدس الذي كان بحق مناره علم وإشعاع حضاري للبشرية جمعاء، والذي أسأل الله تعالى أن يرجعه الى أهله وأن يعود للأمة الإسلامية، وأن نحي فيه الأوقاف والمدارس حتى يكون ملتقى لطلاب العلم والعلماء.
المجلس الإسلامي يعقد مؤتمراً حول القدس في لاهاي

د. الماص: المفكرون الغربيون أدوا تعاطفهم واستعدادهم للتعاون
عقدت لجنة القدس المنبثقة عن المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والاغاثة مؤتمراً في لاهاي بهدلندا حول قضية القدس، واستغرقت فعالياته يومين متتاليين، شارك فيها مفكرون غربيون، وعرب وفي مقدمتهم أمين عام المجلس كامل الشريف.
وأكد د. بدر الماضي مساعد الأمين العام للمجلس في تصريحات لـ«العالمية» أن المؤتمر استهدف ادارة حوار اسلامي نزل حول القدس بعيداً عن الجدل السياسي، مشيراً الى أن أعمال المؤتمر تناولت حالة التعايش التي شهدتها مدينة القدس عبر التاريخ بين الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية.
وقال د. الماضي الذي ألقى محاضرة ضمن أعمال المؤتمر ان اختيار المجلس الإسلامي لمدينة لاهاي لعقد هذا المؤتمر جار بسبب أجواء الحرية التي تسمع بذلك، فضلاً عن أنها تضم جالية يهودية كبيرة وكان لابد من تصحيح وعيها عن تاريخ القدس.
وأشار مساعد الأمين العام إلى أن المؤتمر تناول المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني على مستوى الأوضاع اليومية الحياتية والمدارس والأوقاف موضحاً ان هذا الطرح البعيد عن الأورقة السياسية لقى حماساً وتعاطفاً كبيراً من جانب المفكرين الغربيين وقد استطعنا تغيير التفكير من مفاهيم، وأبدوا الرغبة في التعاون، بل ان بعضهم أبدى استعدادهم لدعم قضية القدس.
ولفت إلى أن المؤتمر عقد في بيت المقدس وهي مؤسسة تابعة لأحد المراكز الإسلامية في هولندا، وقد نجح المؤتمر في ازالة بعض الشبهات الموجودة في الذهنية الغربية حول القدس، والعمل على كسب مفكري الغرب إلى الصف الإسلامي خاصة مؤسساتهم الحضارية والعلمية وتابع
د. الماص لقد عرضنا أفلام ووثائق مصورة تبين كثيراً من الحقائق التي فقدت مزاعم الاعلام الصهيونية واتهاماته للمسلمين بأنهم ارهابيون ومغتصبون، منوها الى أن المؤتمر زود رجال الاعلام والصحافة بأقلام ووثائق ومحاضرات المؤتمر حول القدس. |