|
لقد حثت الأديان السماوية التي جاءت قبل الإسلام على رعاية الفقراء والضعفاء، ودعا الأنبياء إلى التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فالقرآن الكريم يتحدث عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام فيقول " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانوا لنا عابدين" (الأنبياء 73) والآيات التي تبين إيتاء الزكاة كثيرة.
يقول القرآن عن ميثاقه لبني إسرائيل " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله، وبالوالدين إحساناً، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (البقرة 83) وقال على لسان عيسى عليه السلام في المهد " وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً".
ومما سبق يتضح ما يلي:
1- إن هذه النماذج كما يتضح من الآيات السابقة لا تعدو أن تكون ترغيباً في الإحسان والعطف وترهيباً من الأنانية والبخل.
2- لأنها لا تتمتع بدرجة عالية من الإيجاب، بحيث يشعر من تركها أنه ترك شيئاً من أساسيات الدين.
3- أنها متروكة لأريحية الأفراد ولم تجعل للدولة سلطاناً عليهم في التحصيل والتوزيع .
4- أنها لم تحدد المال الذي تجب عليه الصدقة والإحسان، ولا شروطه ، ولا مقدار الواجب عليه ، مما يجعل الأمر متعذراً على الدولة تحصيله إذ كيف تحصل شيئاً غير مقدر ولا محدود .
5- إن المقصود من الإحسان إلى الفقراء لا يتجاوز التقليل من بؤسهم، وليس السعي لتحويلهم إلى ملاك واستئصال جذور الحاجة.
الزكاة في الإسلام
ثم جاء الإسلام وتوعد مانعي الزكاة بعقوبة دنيوية قد تصل إلى حد مصادرة نصف أموالهم كما من حق الحاكم أن يقاتلهم عليها (فإن قصرت الدولة في القيام بهذا الواجب قام به الأفراد تعييناً) هذا بالإضافة إلى العذاب الأخروي الشديد حيث أن تاركها آثم وجاحدها كافر كما يقول العلماء ولم يجعل الإسلام توزيع الزكاة تبعاً لرغبة طامع، أو هوى حاكم بل تولى الله قسمتها على مصارفها الشرعية كما جاء في القرآن الكريم.
وآية الزكاة تحدد الجباية والصرف بواسطة " العاملين عليها" مما يبين لنا أن الزكاة تتولاها الحكومة لا الأفراد وأنها تؤخذ من أغنياء كل إقليم لتصرف على فقرائه.
ولما كان الهدف من هذا الإيجاز هو بيان نصوص وأحكام الزكاة فإن كتب الفقه فصلت في بيان ذلك .
وجوب الزكاة
تجب الزكاة على المسلم البالغ العاقل الحر المالك للنصاب المخصوص بشرائطه، فلا يطالب بها الكافر ولا تكون ديناً في ذمته يؤديها إذا أسلم.
ولكن إذا كانت الزكاة تسد حاجة الفقير المعيشية، فتوفر السكن لمن لا مأوى له، كما تعطيه نفقة عام بحيث ينتقل من حد الفقر إلى الطبقة الوسطى ـ كما تعطى أدوات الحرفة لمن له حرفة له ولا يملك أدواتها ـ أو وإذا كان من طلاب العلم توفر له كتب العلم وإذا كان يحتاج إلى دابة توفرها له وإذا كان ممن يحتاج إلى الخدمة لمرض أو شيخوخة تمنحه أجر من يخدمه.
فروق أساسية بين الزكاة في الإسلام والزكاة في الأديان الأخرى:
أولاً : يوصم بالفسق من منعها ويحكم بالكفر على من أنكر وجوبها كما يذهب جمهور العلماء.
ثانياً: أنها في نظر الإسلام حق للفقراء في أموال الأغنياء فليس فيها معنى من معاني التفضل والامتنان من الغني على الفقير.
ثالثاً: قدر الشرع الإسلامي أنصبتها ومقاديرها وحدودها وشروطها ووقت أدائها وطريقة أدائها.
رابعاً: هذا الحق لم يوكل لضمائر الأفراد وإنما تتحمل الدولة المسلمة مسؤولية جبايتها بالعدل وتوزيعها بالحق.
خامساً: من حق الدولة أن تؤدب كل من يمتنع عن أداء الفريضة بالعقوبات المناسبة التي تصل إلى حد مصادرة نصف ماله.
سادساً: من واجب إمام المسلمين أن يقاتل أي فئة ذات شوكة تتمرد على أداء هذه الفريضة.
سابعاً: إذا فرطت الدولة في مهمتها وتقاعس المجتمع عن رعايتها فإن الأفراد مطالبون بأدائها.
ثامناً: أن الزكاة ليست معونة وقتيه لتخفيف بؤس الفقير ثم تركه لأنياب العوز، بل هدفها إغناء الفقير غناء دائماً عن طريق توفير مورد للاستثمار، حيث الزكاة فريضة دورية منظمة ودائمة الموارد.
تاسعاً: إلى جانب الإنفاق للفقراء والمساكين (الذين لهم مورد غير كافٍ) فإن للمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله حق في هذا الانفاق لذلك فالزكاة في الإسلام تحقق أهدافاً روحية وأخلاقية واجتماعية وسياسية.
هل يجوز فرض الزكاة على أ هل الكتاب ليستفيدوا من مزايا الزكاة عند المسلمين؟
أجمع علماء الإسلام على أن الزكاة تجب على المسلم البالغ العاقل الحر المالك لنصابها المخصوص بشرائطه ـ واتفقوا على أن فريضة الزكاة لا تجب على غير المسلم لأنها فرع من فروع الإسلام فلا يطالب بها وهو على غير دين الإسلام ـ كما لا تكون ديناً في ذمته يؤديها إذا أسلم.
وقد أبت سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين أن يفرض عليهم الزكاة كركن من أركان الإسلام الخمسة احتراماً لحرية الدين والعقيدة.
وبطريقة أخرى ـ هل يؤخذ مقدار الزكاة من غير المسلمين كضريبة حتى نتفادى التفرقة بين المواطنين في الدولة الواحدة ليحصلوا على مزايا الزكاة ؟ ـ لقد حدثت سابقة في التاريخ الإسلامي في تعامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع نصارى بني تغلب ـ حيث هم بن الخطاب أن يأخذ الجزية من نصاري بن تغلب فقال النعمان بن زرعة.. لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب، يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال (يعني الذهب والفضة) إنما هم أصحاب حروث ومواش، ولهم نكاية في العدو، فلا تعن عدوك عليك بهم قال: فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة (أي جعلها مضاعفة عليهم ) وفي رواية أخرى قالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض (يعنون الصدقة) فقال عمر: لا، هذه فرض المسلمين، قالوا : زد ما شئت بهذا الاسم، لا باسم الجزية، ففعل، فتراضى هو وهم على تضعيف الصدقة عليهم وفقاً لطلبهم ـ ولهذا قال الزهري ـ ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة، إلا نصارى بني تغلب وقد أقر الصحابة عمر رضي الله عنهم جميعاً.
وبهذا يمكن أخذ الضريبة بعد مشوره أهل الرأي من المسلمين وأهل الكتاب على ألا تعطي هذه الضريبة اسم الصدقة والزكاة. ومعلوم أن الزكاة تجب على كل مال نام أكثر قطعاً من الجزية التي هي مقدار زهيد لا يؤخذ إلا من الرجال القادرين على حمل السلاح أما الزكاة فتؤخذ من الرجال والنساء جميعاً، بل من الصبيان والمجانين أيضاً عند الجمهور، أما تضعيفها فليس أمراً لازماً، وإنما فعل ذلك بناء على طلب بني تغلب، وهم مأمورون في دينهم بإيتاء الزكاة أي أنهم إذا طولبوا بشيء فإنما يطالبون بشيء منصوص على أصله في دينهم والجديد فيه إنما هو التقدير والتحديد والإلزام وقد روى عن عمر بن الخطاب وبعض التابعين جواز صرف الزكاة إلى أهل الذمة ـ فإذا جاز أن تؤخذ من المسلمين فلا مانع من أن تؤخذ من أغنيائهم زكاة عن أموالهم لترد على فقرائهم قياماً بواجب التكافل الذي يشمل المسلم وغير المسلم ما دام يعيش في كنف دولة الإسلام، ويقترح د. يوسف القرضاوي أن تسمى " ضريبة التكافل الاجتماعي " أو ضريبة البر حتى تميز عن الزكاة الإسلامية، فلا تحرج ضمائرهم ولا ضمائر المسلمين، على أن يبقى مصرف كل منهما متميزاً، وأن تؤخذ من مال يحتمل المواساة، ولا معنى لأن نأخذ من الفقير ضريبة، وهو في حاجة إلى أن يعان، لا أن يعين ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم " لا صدقة إلا عن ظهر غني " رواه البخاري معلقاً والإمام أحمد موصولاً لزاد الحنفية في كتبهم .
الحكمة.. من اشتراط النصاب
قرر الحنفية في كتبهم أن يكون النصاب فاضلاً عن الحاجة الأصلية لمالكه لأن به يتحقق الغنى ومعنى النعمة، وهو الذي به يحصل الأداء عن طيب نفس، إذ المحتاج إليه حاجة أصلية، لا يكون صاحبه غنياً عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية، لأنه من ضرورات البقاء، وقوائم البدن، وكان شكره شكر نعمة البدن، وليس كل ما يرغب الإنسان فيه يعد حاجة أصلية ولكن الحاجات الأصلية ما لا غنى للإنسان عنها في بقائه، كمأكله وملبسه ومشربه، ومسكنه، وما يعينه على ذلك من كتب علمية وفنية، وأدوات حرفته ونحو ذلك .
وقد فسر بعض علماء الحنفية الحاجة الأصلية تفسيراً علمياً دقيقاً فقال: هي ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقاً، كالنفقة ودور السكنى وآلات الحرب والثياب المحتاج إليها لدفع الحر والبرد، أو تقديراً: كالديّن، (فإن المدين يحتاج إلى قضاء دينه بما في يده من النصاب ليدفع عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك)، وكآلات الحرفة، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وكتب العلم، فإن الجهل عندهم كالهلاك، فإذا كان له دراهم مستحقة فله أن يصرفها إلى تلك الحوائج فصارت كالمعدومة، كما أن الماء المستحق لصرفه إلى العطش كان كالمعدوم وجاز عنده التيمم" والمعتبر هنا الحاجات الأصلية للمكلف بالزكاة، ومن يعوله من الزوجة والأولاد والوالدين والأقارب الذين تلزمه نفقتهم، فإن حاجتهم من حاجته.
لماذا الحول لبعض الأموال؟
لأن الحول مرصد للنماء فالماشية مرصدة للدر والنسل، وعروض التجارة مرصدة للربح، وكذا الأثمان (النقود) اعتبر لها الحول لأنه مظنة النماء ـ ليكون إخراج الزكاة من الربح، فإنه أيسر وأسهل، ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة فكان لابد من وضع ضابط كيلاً يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد مرات فينفد مال المالك.
أما الزروع والثمار فهي نماء في نفسها، تتكامل عند الأداء فتؤخذ منها الزكاة حينئذ، ثم تعود إلى النقص فلا تجب فيها زكاة ثابتة لعدم إرصادها للثمار، والخارج من المعدن كالخارج من الأرض بمنزلة الزرع والثمرة.
أثر الزكاة على أصحابها
1- يؤديها المسلم عن طيب نفس ويتعبد بها تحقيقاً لركن من أركان الإسلام تطهيراً لنفسه من الشح وتزكية لها ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) الحشر(9)
2- تدريب على الإنفاق والبذل فالذي يتعود على الإنفاق من زرعه ودخله، وماشيته كلما حال عليها الحول، وفطره كل عيد، فيصبح الاعطاء صفة أصيلة من صفاته كما يبعده عن أن يعتدي على مال غيره ناهباً أو سارقاً.
3- أن يتخلق العبد بأخلاق الله عز وجل كما في الحديث تخلقوا بأخلاق الله أي أن يكون كريماً معطاءً.
4- إن بذل الزكاة شكر للنعمة التي وهبها الله إياه فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال.
5- علاج للقلب من حب الدنيا.
6- الزكاة مجلبة للمحبة حيث جبلت القلوب على حب المحسن وبُغض المسيئ.
7- الزكاة تطهير للمال لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره" وقوله " حَصِّنوا أموالكم بالزكاة " يقول العلماء أن الزكاة تتعلق بعين المال لا بذمة الغني، وإن عين المال مهدده بالهلاك.
8- الزكاة لا تطهر المال الحرام بقول صلى الله عليه وسلم " من جمع مالاً من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه".
9- الزكاة نماء للمال فهي نقص ظاهري ولكن وراءه زيادة حقيقية يقول تعالى" وما أنفقتم من شيء فالله يخلفه وهو خير الرازقين".
أثر الزكاة على مستحقيها:
من الذي يستحق الزكاة ؟
* الفقير الذي أتعبه الفقر.
* والمسكين الذي أرهقته المسكنه.
* والرقيق الذي أذله الرق (وإن كان نظام الرق قد انتهى بفضل الله ثم الزكاة)
* والغارم الذي أضناه الديَّن.
* وابن السبيل الذي أيأسه الانقطاع عن الأهل والمال.
1- الزكاة تحرر مستحقيها من الحاجة:
يريد الإسلام أن يحيا الناس حياة طيبة، ينعمون فيها بالعيش الرغد، يقول صلى الله عليه وسلم " أربع من السعادة : المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنئ، وأربع من الشقاء: الجار السوء والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق".
وهي لفته نبوية إلى أثر الحياة الزوجية وأثر المواصلات والمسكن وجيرانه في سعادة الإنسان أو شقائه، فالنظام الإسلامي يجعل هدفه من وراء الغنى ورغد العيش أن يسمو الناس بأرواحهم إلى ربهم، وألا يشغلهم طلب الرزق، والانشغال بمعركة الخبز، عن معرفة الله وحسن الصلة به، والتطلع إلى حياة أخرى هي خير وأبقى.
2- الزكاة تطهر من الحسد والبغضاء.
إذا وجد الإنسان الذي عضته أنياب الفقر أن الناس حوله ينعمون بالخير ولا يمدون له يدا بالعون فإن ذلك يثير الحقد والحسد على الجتمع من حوله وهو مرض نفسي يصيب الفرد بأمراض جسمانية كقرحة المعدة وضغط الدم، كما يؤدي إلى تفكك المجتمع وانتشار الجريمة.
آثار الزكاة على المجتمع
1- تؤدي إلى تماسك المجتمع.
2- تحرير المجتمع من الفقر يحقق الحرية لكافة أفراده حتى لا يخضعوا لذل السؤال.
3- تقليل الفوارق بين طبقات المجتمع.
4- حل مشكلة التسول الموجودة في كافة دول العالم وذلك بتشغيل القادرين وضمان المعيشة للعاجزين.
5- تحقيق الإخوة الإسلامية .
6- إصلاح المنازعات بين الناس وخاصة إذا ترتب عليها منازعات مالية فتسدد من سهم الغارمين.
7- تحقيق الأمن والكفاية من الكوارث سواء كارثة فردية في تجارة أحد الأفراد أو كارثة حريق لبيت أو بيوت أو ما شابه.
8- حل مشكلة الزواج لغير القادرين على أعبائه.
الزكاة وأثرها على التنمية
إذا ترك المزكى ماله دون استثمار تأكله الزكاة مما يدفعه لبذل الجهد لزيادة الإنتاج ـ كما أن إعطاء المال للفقراء حتى يكونوا متوسطي الحال تزيد من القوة الشرائية في السوق مما ترفع الأسعار قليلاً فتحفز المنتجين لزيادة الإنتاج لتحقيق مزيد من الربح.
العاملون على الزكاة
يشترط عند اختيار العامل للجهاز الإداري للزكاة أن يكون مسلماً ، مكلفاً، أميناً، عالماً بأحكام الزكاة ، كفؤاً للقيام بمهامه، فيأخذ من أغنياء أهل المدينة أو القرية ويردها على فقرائها ولا يجوز نقلها إلا بعد أن يستوفي فقراؤها حقهم وما فاض يجوز نقله إلى مدينة أخرى لم تغط الزكاة احتياجاتهم.
ماذا لو لم تكف الزكاة لسد حاجة الفقراء؟
أولاً: يجوز إخراج زكاة عام قادم لسد حاجة ملحة عاجلة كما قال بذلك الفقهاء
ثانياً: أن في المال حق سوى الزكاة حيث قال تعالى " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة... " ففي الآية نفسها ورد إيتاء المال لعدد كبير من الأقسام الثمانية المعروفة كمصارف شرعية ثم ذكر إيتاء الزكاة والعطف يقتضي المغايرة، ولا يقال المراد بالإيتاء المذكور هو التطوع والصلة لا الوجوب، فكل ما ورد في الآية من أركان البر وهي واجبة فلماذا يكون إيتاء المال هو وحده النافلة والمندوب في الآية كلها؟ وزعم البعض أن الآية منسوخة وهي دعوى لا يسندها دليل حيث الآية جاءت بصيغة الخبر والأخبار لا تنسخ، وينقل أبو عبيد عن ابن عباس أن الآية نزلت بالمدينة وهي آية محكمة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى قوماً وقد بدا عليهم الفقر والفاقة والهزال تمعر وجهه وطلب من بلال أن يؤذن في الناس ودعاهم للبذل بما يستطيعون حتى توفر المال لتغطية احتياجاتهم.
مقارنة بين النظم الحديثة في تمويل المشروعات ونظام الزكاة:
لاحظنا في المقالات السابقة أن الأموال التي تقدم في شكل قروض
1- إنما تقدم للقادر على السداد وغير القادر لا يؤبه له
2- كذلك يقدم القرض في حدود إقامة المشروع الصغير ولا يعط معه ما يسد حاجة الفرد صاحب العائلة من غذاء أو كساء أو مسكن أو دواء .
3- كما أن القرض الممنوح محمل بفوائد ومصاريف إدارية ومنها تكلفة الرواتب المرتفعة للموظفين الدوليين ومصاريفهم الإدارية وانتقالاتهم .
4- إذا تعثر المدين لا يمنح قرضاً آخر بينما الزكاة تمنح سواء نجح أم لم ينجح كما تهيئ له سبيل النجاح من تدريب ونصيحة أصحاب الخبرة لأن المجتمع متكافل ومتناصح (الدين النصيحة)
5- يلاحظ في زكاة الثروات الحيوانية أنه لا تؤخذ العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء وكذلك لا يؤخذ كرائم الحيوان رعاية للمزكى وأن يختار الأنثى حيث تعطى الحليب والذي تصنع منه أغذية عديدة، كما تعطي النسل وبذلك نكرر ما قلناه في المقالة السابقة أن آخذي الزكاة منهم من اكتفى بأخذها لعام واحد ومنهم من أخذها لعامين وأكثرهم لم يزيدوا على ثلاث حيث أصبحوا باذلين للزكاة بعد ذلك.
المصادر:
فقه (الزكاة) د. يوسف القرضاوي
(الأموال) لأبي عبيده
سعيد الراجي - مركز الدراسات |