|
ينبغي ان يرسخ في الاذهان، ويتحقق ويتأكد في المناهج، أن التربية هي مدخل التعليم واساسه، وبدون التربية لا يكون البناء التعليمي قائماً على اساس، ويكون حينئذ الى الانحدار والسقوط أسرع منه الى العلو والشموخ فالفصل بين التربية والتعليم قتل لهما على التو والفور.
فمهمة التربية بالنسبة للتعليم ان تصوغ الافراد صياغة نفسية وخلقية وسلوكية وعقيدية معينة.. ليصبح هذا الفرد وعاء صالحاً وحافظاً للمادة العلمية، يحول هذا العلم بعد ذلك الى عمل، لا أي عمل، بل العمل المنتج الفعال المثمر ثمار الخير والتقدم في ظل الاطار التربوي.
واذا سلمنا بأهمية الربط المحكم بين التربية والتعليم فينبغي ان يضاف الى ذلك امر لا يقل اهمية عن سابقيه، بل يجب ان يكون معهما في صف واحد، الا وهو الهدف من التربية والتعليم.
فالهدف هو الذي يحدد الوجهة والمسيرة التربوية التعليمية. وبدون هذا الهدف تظل العملية التربوية والتعليمية تراوح في مكانها، وتأكل نفسها بنفسها وتتحول بعد ذلك الى حلقة مفرغة مشوشة، ينعكس ذلك على نتاجها التربوي التعليمي فراغاً وتشوشاً.
ومن هنا لزم التأكيد على ان التربية والتعليم ليسا غايتين في حد ذاتهما، بل هما وسيلة للغاية المرجوة منهما.
وان الفصل بين التربية والتعليم هو الذي انتج وما زال ينتج هذه النماذج من العلماء العباقرة النوابغ الذين ساهموا ويساهمون بعلمهم وعبقريتهم ونبوغهم في دمار الارض وكيان الانسان. وتكريس تعاسته في المجتمع.
فما قيمة هذا العالم المشار اليه بالبنان اذا كان كاذباً خؤوناً يستمرئ الباطل ويحسن التمرغ في وحل الرذيلة، وربما كان استاذاً في نفس الوقت للاخلاق أو التربية وعلم النفس.
ولدينا من هذا الصنف حشد كبير وفي مختلف التخصصات العلمية التقنية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها، وما زلنا نعاني من هؤلاء ومن شقائهم الفكري الشيء الكثير.
والذي جعلنا نعيش هذا النتاج، ان نظرنا اصبح قاصراً على الشهادة مجردة عن الخلق وحسن السلوك، أي فصلنا ورضينا بالفصل بين التربية والعلم فما دام الاستاذ يحمل هذه الشهادة أو تلك فيكفيه ذلك رخصة وتأهيلاً في ان يتصدر المجالس ويسمع لقوله ويوجه النشء ويربيه، ومن حقه ان يدير اكبر المؤسسات والمراكز العلمية والتربوية وغيرها.
والذي ينبغي ان نكون على استعداد لهضمه اليوم، ان اعلى الشهادات في اي تخصص هي وريقة أو كرتونة لا قيمة لها البتة اذا لم تكن في حماية التربية الراشدة وفي اطارها ووعائها السليمين.
واذا كان من المسلم به ان التربية هي وعاء التعليم، وان التعليم بدون التربية بناء على غير اساس فما هو نصيب الواقع التربوي والتعليمي عندنا اليوم؟
ان واقعنا التربوي والتعليمي عموماً يشهد اليوم انفصاماً خطيراً بين التربية والتعليم، وقد تقل النسبة أو تزيد من قطر الى قطر، الا ان العامل المشترك بينها جميعاً وجود وتكريس هذا الانفصام النكد الذي يقف حجر عثرة امام مسيرة الامة في شتى المجالات.
فالتربية في حد ذاتها - في واقعنا اليوم - ليست متناسقة ولا متفاهمة أو متكاملة في مصادرها ومحاضنها التي من خلالها يصاغ الافراد، فلا نجد هذا التناسق والتفاهم والتكامل بين الاسرة والمدرسة واجهزة الاعلام والمجتمع وغير ذلك. فما تبنيه الاسرة يهدمه المجتمع أو اجهزة اعلامه، وما تبنيه المدرسة قد يعارضه ما بنته الاسرة.. وهكذا تتعارض التوجيهات التربوية لينعكس هذا التعارض والتناقض على واقع الافراد النفسي والسلوكي والاجتماعي. وهكذا يضيع في الواقع جانب من الاهداف التربوية هدراً.
وكذلك الواقع التعليمي نتناوله في غالب الاحايين منفصلاً غير منظور فيه كمنهج، امتزاجه أو انتسابه الى التربية، فهما علمان مستقلان كل له اناؤه الذي يصدر منه.
وهذا يصدر لنا نتاجاً من الافراد قسطهم العلمي اكبر من التربوي ناهيك اذا كان القسط التربوي منعدماً فهذا عين الخطر، لو خيرنا بين اخذ التربية أو التعليم منفصلين وكلاهما اختيار سيء لاخترنا التربية فهي اقل سوءاً من العلم المحض المهلك.
وهذا الواقع الانفصالي بين التربية والتعليم يفقد العملية التربوية والتعليمية اهدافهما اذا كان لهما اهداف.. وهذا الانفصام هو الذي يفسر لنا السر في عدم التوازن أو التقارب بين الجهود المبذولة والاموال المرصودة والكفاءات الادارية والعلمية وبين المردود الناتج من هذه العملية التربوية التعليمية. والشكوى التي نحسها ونسمعها من انعدام التناسب هذا مصدره هذه المسلمة التي بتفهمها تبدأ عملية التناسق والتناسب بين البذل.. والاخذ، بين العطاء.. والمردود. ويضاف الى هذا الانصفام النكد، انفصام آخر لا يقل نكداً عن سابقه. يمثله الاستاذ التربوي والمادة التعليمية.
فلم ننظر في اختيار الاستاذ الى مبدأ المزج بين التربية والتعليم، بل نظرنا تلك النظرة الانفصالية بل العدائية عند البعض فلم يكن حرصنا منصباً على الاستاذ التربوي المربي ليتولى بناء المادة العلمية مهما تكن تلك المادة علمية تقنية أو نظرية ادبية أو غير ذلك وانما انصب الاهتمام على الاستاذ العلمي مجرداً من الحساب والميزان والقسط التربوي، واوكلنا اليه بعد ذلك ان يزاول العملية التعليمية، بينما نوكل اليه في حقيقة الامر مزاولة العملية التربوية التعليمية في ذات الوقت. كل هذه المسارات في واقعنا التربوي قضية تستحق منا وقفة تمحيص وتحقيق فيما هو كائن وقائم.. لنبدأ بعد ذلك بالدراسة والتحليل لنصل الى الحلول المناسبة لهذه القضية.
ولن تكون الحلول مناسبة منتجة ما لم توضع الاسرة والمجتمع والاعلام والتعليم وغيرها في خدمة التربية الهادفة التي تنتج جيل اسلام يحمل الهوية التربوية العلمية كالتي حملها من قبل واسعد البشرية بها قروناً.. وما زالت البشرية تبحث عن ذاك المنهج وذلك الجيل الفريد.
وما دام واقعنا بين التربية والتعليم والهدف فلن يجد العلم من يمنعه من ان يضر بصاحبه، أو يحفظه من ان يكون شيطانا يرمي بشرره وينشر الدمار والبؤس على العالمين. |