|
تربية النشء في ظل الإسلام من أعظم مناهج التربية على الإطلاق ، فالإسلام يعنى ببناء النشء روحيا وذهنيا وجسديا وثقافيا ، ليصوغ في النهاية إنسانا منتجا ومبدعا وفاعلا في مجتمعه ، ومن أبرز سمات المنهج الإسلامي في التربية انه ينتج شخصية مسلمة متوازنة روحيا وماديا ، وهو ما فشلت فيه النظريات التربوية الحديثة حيث تركز على الجوانب المادية ، وتهمل الروحية تماما ، وهذا ما يكشف فشل وقصور الفلسفات والمذاهب الوضعية .
وفى هذا السياق تأتى أهمية دراسة " تربية النشء في ظل الإسلام " للدكتور محمود محمد عمارة ، لترسم معالم المنهج التربوي الإسلامي الذي يشكل نظرية متكاملة لإعداد النشء إعدادا يمكن به استعادة صفاء الحياة الإسلامية النقية التي كان عليها المسلمون الأوائل يوم أن كانت لهم دولة غالبة وكلمة مسموعة في عصورهم الأولى المزدهرة .
فضل التربية
الإنفاق على الذرية ليس المقصود به ملء البطن بالطعام
لكنه الإنفاق الذي يسلحه بالأخلاق الفاضلة و لا يحوجه إلى الآخرين
تشير الدراسة إلى أهمية الإنفاق على الذرية فتذكر جملة من الأحاديث النبوية التي تؤكد ذلك منها " أفضل الدينار دينار ينفقه الرجل على عياله ..." والإنفاق على الذرية ليس المقصود به ملء البطن بالطعام ، لكنه الإنفاق الذي يحقق أمرين :
1- إنقاذ من الضياع في حال إهماله لاسيما حال الصغر التي تنقش فيها الطباع .
2- تسليحه بالأخلاق الفاضلة ، عفة تنأى به عن مواطن الابتذال وقناعة لا تحوجه إلى الآخرين .
وبذلك تتقدم تربية الروح على تربية الجسد ، فإذا رصدت الأسرة مالها وأعصابها ليتفوق الولد فى مراحل التعليم ، فان هذا التفوق يظل ضئيل الأثر إذا لم يستهدف تقويم خلقه ، وصقل روحه وربطه بالرافد الأعظم لصياغة الشخصية المسلمة السوية وهو القرآن الكريم .
تربية البنت
تربية البنات فى الإسلام لها اعتبار خاص لضعفها ورقة مشاعرها و أثرها المبارك
ولتربية البنت فى المنهج الإسلامي اعتبارها الخاص ، فقد وقف الإسلام الى جانبها وشدد النكير على إهمالها وضاعف الجزاء لمن أعطاها حقها ، ولهذه العناية ما يبررها :
- إنها ضعيفة رقيقة المشاعر .
- ليس فى طباع الكثير من الآباء ما يدعو الى الترحيب بها .
- ما تحققه تربيتها من أثر مبارك ، ينسحب على الذرية التي تجئ امتدادا لها ، فقد جاء في الحديث : " من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن ( شدتهن ) وضرائهن أدخله الله الجنة برحمته إياهن، فقال رجل : وإن بنتان يا رسول الله ؟ ، قال : وإن بنتان ، قال رجل : وإن واحدة يا رسول الله ؟ قال : وواحدة " ولماذا هذا الاهتمام بالبنت ؟ لأنها أم المستقبل .
أحب الأسماء
وفيما أكدت الدراسة ضرورة اختيار الزوجة ذات الدين " فاظفر بذات الدين تربت يداك " وزواج الفتاة من الرجل صاحب الخلق والدين " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه " تطرقت إلى عناية الإسلام بالجنين في بطن أمه ، ليخرج إلى الحياة سليما معافى .والاهتمام به وليدا حيث أرشد الإسلام إلى حسن استقباله والاحتفاء به على نحو يضمن صحته الجسمية والنفسية معا ، فقد دعا إلى أن يؤذن في أذنه تيمنا بذكر الله ، والمبادرة على تحنيكه ، والدعاء له بالخير وتكريمه باتخاذ اسم صالح ومحبب يكون عنوانا صادقا له ، ثم تذبح له عقيقة شكرا لله على نعمة الولد" للغلام شاتان وللجارية شاة "، فقد جاء فى الحديث " كل غلام رهين بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى "
الرضاعة
وأثبتت البحوث الصحية والنفسية - كما تشير الدراسة - إلى أن إرضاع الطفل على مدى عامين كاملين ضروري لينمو نموا سليما من الناحيتين الصحية والنفسية، ويقرر الإسلام أن الأم أحق بإرضاع ولدها كما يقول القرآن الكريم " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ...." ، فإذا كان الجنين قد تعود على استماع دقات قلب أمه ، وكانت مصاحبتها له بعد الولادة إبقاء له في جو ألفه من قبل ، فان قيامها بإرضاعه أيضا يأخذ نفس الأهمية ، من حيث كان غذاؤه وهو في بطنها من كيانها ، ومن المفيد أن يظل غذاؤه بعد الميلاد من لبنها لتمضى حياته على نسق واحد بلا اضطراب ، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن لبن الأم يفوق الألبان الحيوانية والصناعية من زوايا عديدة :
- لبن الأم يحتوى على نسب متوازنة من غذاء الرضيع تتلاءم مع احتياجاته ، وتلتقي مع احتياجات الرضيع في فترات الرضاعة المختلفة متمشية مع نموه .
- يحتوى على مواد بروتينية تكسب الرضيع قوة ومناعة ضد بعض الأمراض .
- هذا اللبن لا يتعرض للتلوث حيث أنه يخرج من الأم إلى الطفل مباشرة .
- يقرب الاتصال النفسي بين الرضيع وأمه ، وهذا يرسخ عاطفة الأمومة والبنوة بالرباط المتين الصادق الصحيح .
- اللبن الذي تفرزه الأم في الأيام الأولى من الرضاعة يعمل على تنشيط الأمعاء لدى الطفل .
الحضانة
الطفل لا يمكن أن يستجمع كل دقائق العلاقات الاجتماعية السوية بعيدا عن الأسرة وإشراف الوالدين
تؤكد الدراسة أن الطفل لا يمكن أن يستجمع كل دقائق العلاقات الاجتماعية السوية بعيدا عن الأسرة وإشراف الوالدين ، فالطفل المحروم من العيش فى ظل أسرة سوية سوف يفشل في التعامل مع غيره ، وقد لفت الإسلام أنظارنا إلى ذلك بقوة وأيدته أيضا تجارب الباحثين حيث أكدت أن الأسرة هي العامل الوحيد للحضانة والتربية المقصودة في المراحل الأولى للطفولة ولا تستطيع أية مؤسسة أن تقوم بهذا الدور، فالطفل يولد فتثبت عليه ثلاث ولايات :
- ولاية التربية الأولى وهى الفترة التي لا يستطيع فيها أن يقوم بحاجاته بنفسه وهى الحضانة .
- ولاية الحفظ والصيانة والتعليم وهى الولاية على النفس .
- تدبير شؤون ماله إذا كان له مال وهذه تسمى الولاية على المال ، والحضانة أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم للنساء ، فقد ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم امرأة تقول له: يا رسول الله إن هذا ابني كان بطني وعاء ، وحجري له حواء ، وثديي له سقاء ، وأن أباه طلقني ، وأراد أن ينزعه منى ، فقال رسول الله أنت أحق به ما لم تتزوجي .
الفرق بين الذكر والأنثى
ولأن الأنثى - كما أوضحت الدراسة - ذات طبيعة خاصة ورسالة معينة فإن الموقف منها يختلف عنه إزاء الذكر ، ومن هنا اختلفت مدة الحضانة نظرا لهذه الطبيعة ، لأن الغلام إذا استغنى عن الأم يحتاج إلى التأديب ، والتخلق بأخلاق الرجال وتحصيل أنواع الفضائل واكتساب أسباب العلوم ، والأب على ذلك أقدر وأقوم ، لأنه لو ترك في يدها لتخلق بأخلاق النساء وتعود بشمائلهن ، وفيه ضرر ، وهذا المعنى لا يوجد في البنت فتترك في يد الأم ، بل تمس الحاجة إلى الترك في يدها إلى وقت البلوغ ، لحاجتها إلى تعلم آداب النساء ، والتخلق بأخلاقهن وخدمة البيت .
وتنصح الدراسة أن تشرف الأمهات على تربية أطفالهن ، ولا يعتمدن كثيرا على المربيات ، نظرا لأن وجود الأم يساعد على تكوين عادة انفعالية ثابتة صحيحة ، وهو أحوج ما يكون إليها في تكوينه الانفعالي إذ تساعده على إتمام عملية الثبوت الانفعالي ، فتبعده عن القلق والخوف ، وما إلى ذلك من أسباب الاضطراب النفسي ، والإسلام يريد للطفل أن يستصفي أعلى أنماط السلوك ، واشرف العواطف عن طريق أمه وأبيه ليخرج فعلا منسوبا اليهما ، لا إلى الدولة كما يفعل الشيوعيون ، فإذا مات الأب فهو في أحضان أمه، أو جدته لها او خالته حتى لا يحس بالفجوة الطارئة .
معالم تربوية
وتقدم الدراسة مجموعة من المعالم التربوية التي يجب على الوالدين أن يضعانها نصب أعينهم ، وهما يربيان أبناءهما ، وذلك أجدى لانتاج الشخصية السوية التى ينشدها الإسلام ويحث عليها :
- لا يجب أن يقتصر الوالدان على قولهم " يجب ألا نفعل هذا " إذا كان فى مقدورهما أن يضيفا " ولكن يمكن أن نفعل ذلك "
- لا يجب أن يتناقشا عن شخصية الطفل أمامه ، ولا يفترضا بوجه عان أنه لا يسمع ولا يفهم .
- لا يجب أن نقطع على الطفل عملا يواصله دون أن ننذره إنذارا عادلا .
- لا يجب إظهار الحب للطفل عن طريق التدليل الزائد .
- لا تأخذوا الطفل إلى النزهة بل اذهبوا معه .
- لا تعاكسوا الطفل أو تتهكموا به أو عليه ، ولا تجعلوا الطفل موضع مباهاتكم لدى الآخرين .
- لا تنكثوا عهودكم معه ولا تعدوه شيئا لا تستطيعون إيفاءه ، ولا تكذبوا عليه أو تواربوا أو تتهربوا .
|