|
ان اعظم ما ابتليت به امتنا في عصرنا هذا فزلت، هو فصل الدين عن الحياة فنحن امة اعزها الله بالاسلام ومها ابتغينا العزة في غيره اذلتنا الله. ويتجسد هذا الفصل في صورة الملتزم بشعائر الدين التعبدية دون ان يكون لهذه الشعائر رصيد من مصداقية على الواقع وفي الحياة العملية فلا تهذب هذه الشعائر فيه خلقاً ولا تروض له طبعاً ولا تجد لها في قوله وعمله روحاً، وكأن لسان حاله يقول «هذا لله وهذا لنفسي» وهو يتلو كتاب الله وفيه قوله تعالى قال ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
ومن صور هذا الفصل تهميش المسجد واختزال دوره في الصلاة وتحفيظ القرآن الكريم. وقد كتبت مقالين في شهر رمضان لعام 1422هـ تحدثت فيهما عن دور المسجد في بناء الحضارة وقد نشرت المقالتين في كتابي «آفاق من الحياة وعدت فيهما الى المدرسة الاولى، مدرسة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ودور المسجد الاول وما تلاه من مساجد في ارساء الحضارة الاسلامية وتحقيق الابداع في شتى ميادين الحياة. وبالطبع فانني عندما اتحدث عن المسجد فان ذهن القارئ الكريم سيذهب الى المفهوم التقليدي الدارج للمسجد والذي تمارس فيه شعيرة الصلاة وتحفيظ القرآن فحسب ولكن الذي اقصد هنا هو المسجد بمفهومه الشامل المتعمق الذي يمثل نقطة التقاء الامة وتوحدها والمظهر العملي لوحدتها واعلان العبودية الخالصة لخالقها «وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احداً» وبما ان العبادة في المفهوم الاسلامي شاملة جامعة لحياة الانسان العابد لله تعالى قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وانا اول المسلمين، فان دور المسجد الحقيقي هو تحقيق العبودية الخالصة في حياتنا كلها، في بيوتنا ومدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا ومصانعنا وشركاتنا ومؤسساتنا ومتاجرنا ومستشفياتنا وفي كل ميدان من ميادين الحياة.
ان ما نراه من التنافس على بناء المساجد حتى انك لترى عشرات المساجد في شارع واحد دون ان ترى تنافساً مماثلاً في صيغ ميادين الحياة بروح المسجد في اعلانها للعبودية الخالصة للخالق لهو صورة جليلة من صور فصل الدين عن الحياة.
ان صبغ الحياة بروح المسجد، وتعاليم المسجد، واخلاق المسجد، واعلانها العبودية الخالصة لله هو اكبر تحديات الامة في سبيل احياء الشرع. فهذا الشرع لا يحيا الا بأن يختلط بلحم ودم ويمشي على الارض، وان دور الامة التي وكلت لها امانة حمل آخر الرسالات السماوية ونشرها يوجب ويحتم عليها ان تري العالم كيف تكون الحياة بشتى ميادينها عندما تصبغ بالصبغة الربانية ورح المسجد.
نريد ان نري الحياة تعلن العبودية وتحققها .. وتريد ان نري العالم قاطبة جمال وكمال كل جزئية من جزيئات الحياة وكل نشاط من انشطة الحياة عندما تحوي رواح السماء وتعاليم السماء وتعلن عبوديتها لخالقها.
اننا في حاجة الى صناع حياة وقيادات من رجال ونساء في كل ميادين الحياة من رؤساء لشركات ومؤسسات ومدارس وجامعات ومصانع ومتاجر ومستشفيات ليعيدوا الحياة للحياة وأعني بذلك ليحيوا الحياة الميتة في الارض باضفاء روح السماء وتعاليم السماء والتي بعث رسول البشرية لارسائها واتمامها وقد جمعها في جملة واحدة في قوله «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق». نريد احياء الاخلاق في كل ميادين الحياة .. ونريد ان نرسخ معني ثبات الاخلاق.
يقول الرافعي في كتابه وحي القلم في مقال بعنوان ثبات الاخلاق لو انني سئلت ان اجمل فلسفة الدين الاسلامي كلها في لفظين: لقلت انها ثبات الاخلاق ولو سئل اكبر فلاسفة الدنيا ان يوجز علاج الانسانية كله في حرفين، لما زاد على القول: انه ثبات الاخلاق، ان كل العبادات الاسلامية هي وسائل عملية تمنع الاخلاق الانسانية ان تتبدل في الحي فيخلع منها ويلبس، اذا تبدلت احوال الحياة فصعدت بانسانها او نزلت، والاسلام يأبى على كل مسلم ان يكون انسان حالته التي هو فيها من الثروة او العلوم، ومن الارتفاع او الضعة، ومن خمول المنزلة او نباهتها، ويوجب على كل مسلم ان يكون انسان الدرجة التي انتهى اليها الكون في سموه وكماله، وفي تقلبه على منازله بعد ان صفى في شريعة بعد شريعة، وتجربة عبد تجربة، وعلم بعد علم انتهى كلام الرافعي.
نريد ان نمارس ثبات الاخلاق هذا ونحمي الاخلاق ان تتجزأ فنصبح بهذا التجزأ مجتمعات منفصمة الشخصية تتبدل اخلاقها من مكان لآخر، ووقت وآخر، فذاك الذي نراه في المسجد غير الذي نراه على مكتبه او في مصنعه او مؤسسته او مستشفاه وكأنك ترى شخصاً آخر غير ذلك.
نريد الصدق والامانة والاخلاص في القول والعمل ونعيش حقيقة ان المسلم لا يكذب، وانه من غشنا فليس منا. نريد ان نحيي معاني الايمان الغائبة عن ممارسات المسلمين مثل قوله صلى الله عليه وسلم «والله لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه»، نريد ان نفقه بأن احد معايير محبة الله لعبده هي اتقانه لعمله لقوله صلى الله عليه وسلم «ان الله يحب ان عمل احدكم عملاً ان يتقنه»، نريد ان ندرك بركة العمل الجماعي ونمارس اخضاع الانا وتطويعها للحق ولخير الجماعة ونؤمن ان يد الله مع الجماعة.
نريد ان نعظم الله بامتثال اوامره في تعظيم حقوق العباد وعدم التهاون او التساهل بها. نريد من مؤسساتنا وشركاتنا ومصانعنا ومستشفياتنا ان تسودها الشفقة والرحمة والحب في الله.
معايير ربانية عالمية
نريد اعادة كتابة العلوم الادارية والاجتماعية بمنظور اسلامي وان يكون لنا معايير اسلامية يقتدى بها عالمياً. او لا نخجل من انفسنا ان يكون هناك معايير جودة واتقان وضعية عالمية «باجتهاد البشر» تلهث المؤسسات والشركات باختلاف تخصصاتها للحصول على شهاداتها ولا يكون للامة التي تحمل آخر الرسالات السماوية للبشرية جمعاء معايير ربانية عالمية؟
اين هي المعايير الاسلامية في الرعاية الصحية؟ .
واين هي المعايير الاسلامية في التجارة والصناعة والتعليم والاعلام؟
اين الاسلام من حياتنا؟
لقد بنينا له المساجد واغلقنا عليه الابواب بعد كل صلاة فلا يكاد يعرف الاسلام خارج المسجد الا تاريخاً يسرد او قالباً مفرغاً من روحه او صورة مسخ من اصل.
ندخل المساجد ونخرج منها وكأن لسان حالنا يقول: هذا مكان العبادة يرفعه فيه اسم الله اما الارض والحياة فلها قوانينها التي تخضع لها وننسى قول الرسول الكريم «جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً».
ان الامتثال بالمعايير الربانية من شأنه ان يجعل مؤسساتنا وشركاتنا ومتاجرنا ومستشفياتنا قرآناً يدب على الارض، وترتفع بذلك كلمة لا إله إلا الله فعلاً لا قولاً وبذلك نسبح باعمالنا تصديقاً لتسبيح ألسنتنا وتسجد قلوبنا تصديقاً لسجودنا في صلواتنا.
هذا هو دور كل رئيس شركة او مؤسسة لاحياء هذا الفكر بالوسائل الحديثة والبرامج التدريبية وتحديد رسالة المؤسسة وارساء الاخلاق الاسلامية والعمل على ثباتها، وبغير هذا فاننا عابثون فهذا الشرع لا يحيى إلا بأن يختلط بلحم ويمشي على الارض ولم يتنزل لكي تبني له المساجد وتوصد عليه الابواب وان كثرت المساجد وتفنن الناس في بنائها وزخرفتها وتجميلها فهذا صنيع النصاري وحاش لدين الله وشرعه ان يختزل بهذه الصورة ويسجن بين اربعة جدر. |