|
من أخطر الظواهر السلبية التي شاعت في العالم المعاصر ظاهرة الإرهاب وقد امتد خطرها ليشمل العالم كله، فلم يعد مجتمع من المجتمعات بمنأى عن هذا الخطر، لأن الارهاب لا وطن ولا دين ولا جنس ولعل الأعراف المواثيق الانسانية الأديان السماوية جميعها وفي مقدمتها الإسلام ترفض الارهاب.
والارهاب يتنافى مع المعاني السامية والأخلاقيات الرفيعة التي حثت عليها شريعة الإسلام في التعامل بين المسلمين بعضهم البعض وتعامل المسلمين مع غير المسلمين... فالإسلام من واقع مصادره الثابتة دين الرحمة والتسامح يدعو الى العدل وينبذ التعصب والكراهية ضد الآخرين ويصون حرية الإنسان وكرامته.
لذلك فإن الاتهامات الجزافية للإسلام والربط بينها وبين سلوك بعض المسلمين لارتكابهم جرائم ارهابية ظلم كبير للإسلام والمسلمين، لأن الارهاب ظاهرة عالمية لا دين له فمن الممكن ان يكون مرتكبوه ممن ينتسبون الى الديانة الإسلامية او المسيحية او اليهودية او البوذية أو أي ديانة غير سماوية وهناك أمثلة كثيرة ثابتة لأعمال ارهابية حدثت في العالم ارتكبها افراد او جماعات ينتمون الى ديانات مختلفة او لا دين لهم، فهل الارهاب ظاهرة عالمية دولية ام ظاهرة خاصة بالعرب والمسلمين؟ وما هو تاريخ هذه الظاهرة؟ وما أسبابها؟ ومن وراءها؟ وما ابرز المنظمات الارهابية في العالم؟ وما الكوارث والمصائب التي ترتبت على هذه الظاهرة؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الدائرة المخيفة؟ وما موقف الإسلام من هذه الأعمال التخريبية في العالم كله؟ وما أساليب الوقاية والعلاج في الوقت الراهن؟؟؟!!. هذا التحقيق يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها.. والى التفاصيل:
هذه أسباب الارهاب
د. أحمد أبو الوفا
الارهاب الدولي يعود إلى عدم قدرة النظم الدولية على تحقيق المطالب المشروعة لأصحابها من ناحية، وعدم استطاعتها الحزم في الرد على الانتهاكات التي تتعرض لها المواثيق الدولية من ناحية أخرى
في البداية يقول الدكتور احمد أبو الوفا - أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة - انه منذ ان طرحت ظاهرة الارهاب نفسها على المجتمع الدولي لا سيما خلال السنوات الأخيرة، وهناك تساؤل ما انفك يطرح نفسه باستمرار حول الأساليب التي تساعد على انتشار الارهاب، حيث اتفق بعض الخبراء على ان الفقر والبطالة وسوء توزيع الثروة وانخفاض مستوى المعيشة وعدم الفهم الصحيح للدين، الى جانب الفراغ السياسي لدى الشباب من الأسباب المهمة التي تؤدي للارهاب، واختلف البعض الاخر حول اهمية هذه الاسباب ورأت نسبة اخرى من الخبراء ان شيوع الارهاب على المستوى الدولي في وقتنا الراهن يعكس في الواقع ازمة اخلاقية حادة يعيشها النظام السياسي الدولي تتلخص في التناقض الفاضح بين ما تنص عليه المواثيق الدولية من مبادئ وتدعو اليه من قيم ومثل ومبادئ وبين ما تنم عنه سلوكياته ومن هنا يظهر العنف كصرخة احتجاج مدوية على هذا التناقض بين القول والفعل ووسيلة لكسر الجمود والتبلد الدولي حيال قضايا ومشاكل معينة وعجزه عن تحقيق المطالب النبيلة والمشروع للعديد من القوى والحركات الوطنية التي تناضل ضد القهر الذي تفرضه عليها قوى إمبريالية عالمية، تنكر عليها حقها في تقرير مصيرها وتسد كل قنوات التعبير المشروعة ومنافذه أمامها، وتحاول ان تدفع بها الى الخضوع والاستسلام بقوة الحديد والنار وهي لذلك تجد نفسها مكرهة على استخدام العنف الذي تسعى عن طريقه الى كسر طوق الجمود بل والاتفاق الدولي الذي يحيط بقضاياها، وتحريك الضمير الإنساني في كل مكان بلفت انتباهه الى الفظائع اللاإنسانية التي تتعرض لها دون وازع او رادع دولي يضع حدا لتلك المعاناة.
وهناك من يرى أن السبب وراء تصاعد ممارسة الارهاب الدولي يكمن في افتقار النظام السياسي الدولي الى الحزم في الرد على الانتهاكات التي تتعرض لها المواثيق الدولية بعقوبات دولية رادعة، مما يفتح المجال واسعا الى التمادي في احتقار القانون الدولي والاعتداء على سيادة الدول ومصالحها المشروعة وعمليات الاغتيال السياسي.. الخ.
وهناك اتجاه ثالث يرى ان الارهاب يجد جذوره في مشاعر الاحباط واليأس والبؤس والمعاناة التي تفوق طاقة البشر، ومن ثم يتعين معالجة الجذور والأسباب التي يتغذى عليها الارهاب وتتيح له النماء والانتشار وان أية مواجهة للارهاب لا تتضمن القضاء على أسباب العنف ومصادره ستكون جهدا مهدرا لا طائل من ورائه.
وهناك اتجاه رابع يرى ان الارهاب سببه الفهم الخاطئ لقواعد الدين وتأويل النصوص على غير موضعها بالإضافة الى الجمود الفكري.. كل هذه العوامل دفعت بنفر من أبناء الدين الإسلامي الى التشدد والتعصب الذي أدى بهم الى ارتكاب اعمال ارهابية.. والإسلام منها برئ.
التواطؤ الدولي مع المنظمات الإرهابية!!
د. صلاح عامر
التقدم التقني أتاح لأعضاء خلايا الارهاب التزود بمعدات فنية متطورة تسهل لها تنفيذ مخططاتها
ومن جانبه يشير الدكتور/ صلاح عامر - أستاذ القانون الدولي - الى ان هناك بعض الحكومات تبدى ترددا في التعاون الدولي لمواجهة الارهاب لأسباب سياسية او أمنية بالإضافة الى خضوع بعض الدول والحركات وتواطؤها مع منظمات الارهاب الدولي وهو ما يضع بحوزة هذه المنظمات امكانات واسعة تساعدها على تنفيذ مخططاتها الارهابية.
كما ان التقدم التقني اتاح لأعضاء خلايا الارهاب التزود بمعدات فنية متطورة تسهل لها تنفيذ عملياتها الارهابية.
وأخيراً اختلاف الدول حول مفهوم الارهاب فبعض الدول ترى تجريم كافة أعمال العنف أيا كانت أسبابها او بواعثها، وهناك دول أخرى تفرق بين أعمال المقاومة المشروعة تقوم به جماعات التحرر الوطني للحصول على حق تقرير المصير والعنف غير المشروع الذي يرتكب لبواعث ذاتية او شخصية.
الارهاب ظاهرة عالمية معاصرة!
د. عبدالغني محمود
شبكات الارهاب الدولية تصل إلى 380 منظمة حول العالم أخطرها الموساد الصهيوني الذي يذبح ويقتل في الشعب الفلسطيني الأعزل
ويرى الدكتور/ عبدالغني محمود - أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر - ان ما شهدته السنوات الأخيرة يدفعنا الى توقع الحريق الكبير الذي سيندلع خلال السنوات المقبلة، وبالتالي دق الأجراس، ولعل المجتمع الدولي يتضامن من اجل تطويق وحصار خطر الارهاب وانقاذ المجتمع الإنساني كله من مظاهر التطرف الذي تقود الى الارهاب.
وعندما نستمع الى أجهزة الاعلام فإننا نوقن ان الارهاب أصبح سرطان العالم المعاصر لكثرة شبكات الارهاب الدولي التي وصل عددها الى ما يقرب من ثلاثمائة وثمانين منظمة ارهابية منتشرة في اكثر من ستين دولة ومن اكثر هذه المنظمات على المستوى الدولي منظمة بادر - ما ينهوف الألمانية ومنظمة الألوية الحمراء الايطالية ومنظمة الجيش الأحمر الياباني ومنظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة آيتا التي تمارس اعمالها في فرنسا وأسبانيا وجماعة الكفاح ضد الإمبرايالية العالمية وذلك بخلاف شبكة الارهاب الدولية التي يديرها الموساد الاسرائيلي والتي تركز نشاطها على المنطقة العربية.
يوم أمريكا الأسود!!
د. محمد عبدالسلام
الارهاب صناعة سياسية بالدرجة الأولى وكانت ورقة رابحة في الحرب الباردة خلال صراع التطبيق العالميين
ويعتبر الدكتور/ محمد عبدالسلام - الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام - يوم 11 سبتمبر من عام 2001 انه يوم امريكا الأسود، كما انه كان يوما حاسما في تاريخ البشرية وكما قال المستشار الألماني «شرودر» فان العالم قد تحول في هذا اليوم ولن يعود أبدا الى ما كان عليه قبل هذا التاريخ.
ففي هذا اليوم تمكن الارهاب من تحقيق ما لم تستطع تحقيقه القوى العالمية العظمى فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية حتى يوم 11 سبتمبر 2001 هي اكثر دول العالم أمانا بسبب موقعها الجغرافي الفريد كقارة نائية وآمنة لا يمكن الوصول اليها بكافة أنواع السلاح فيما عدا الصواريخ الاستراتيجية أرض - أرض بعيدة المدى او الصواريخ عابرة القارات التي يملكها الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا حاليا.
وحتى خلال الحرب العالمية الثانية حاول اليابانيون الوصول الى شواطئ الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة الغواصات ولم يفلحوا في ذلك بيما اكتفى الأسطول الألماني النازي بقيادة الأدميرال دونتيز بمهاجمة السفن المارة عبر المحيط الأطلنطي وظلت القارة الأمريكية بمنأى عن كل الهجمات والحروب حتى جاء يوم 11 سبتمبر وتمكنت قوى الارهاب من تنفيذ اعمالها.
وقد أفرزت هذه الأحداث نتيجة سلبية على العالم العربي والإسلامي نظرا لما أصر الغرب عليه من ربط بين الارهاب والإسلام بالرغم من ان جميع المؤسسات الإسلامية اعلنت موقف الإسلام من الارهاب ورفضه للتخريب والعدوان وسفك الدماء والتدمير منذ اللحظة الأولى للأحداث.
فصناعة الارهاب كانت صناعة سياسية بالدرجة الأولى وكانت ورقة رابحة في الحرب الباردة، وفي الصراع بين القطبين العالميين.
وقد ترتبت على تهمة الارهاب التي ألصقها الغرب بالإسلام خطأ اكثر تهديداً ويتمثل في خروج ما يسمى بنظرية صراع الحضارات التي تبشر بخروج الإسلام كقوة معادية للغرب وبديل للخطر الشيوعي الذي انهار واندثر بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989، كما ان إسرائيل انتهزت الفرصة واتهمت الفلسطينيين من خلال استخدام حقهم في المقاومة المشروعة ضد الظلم والاحتلال بوصفهم بالإرهابيين وقامت باجتياح الأراضي الفلسطينية التي تقع تحت سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وارتكبت الجرائم البشعة ضد الفلسطينيين - وما زالت - تحت سمع وبصر العالم كله.
استرايتجية مواجهة الارهاب

المستشار طارق البشرى
لابد من دعم أجهزة الشرطة في مواجهة العمليات الارهابية وتصحيح الأفكار المغلوطة التي تدعو إلى التشدد في الدين
ويؤكد المستشار/ طارق البشري - المفكر الإسلامي المعروف الارهاب مشكلة مركبة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية وثقافية مختلطة مع بعضها البعض بالإضافة الى المشكلات الكثيرة التي تسبب الارهاب كالاحتلال والتفرقة العنصرية ومشكلات الأقليات وبالتالي فان التعامل معها ومواجهتها يستلزم اتباع استراتيجية عامة شاملة تتضمن التعامل مع كل هذه الأبعاد مجتمعة دون إسقاط أي منها.
وتنقسم الأساليب والاجراءات الخاصة بمواجهة الارهاب الى قسمين:
الأول: الاجراءات العاجلة للمواجهة التي يتعين ان تتبع في المدى القصير مثل المواجهة الأمنية وذلك من خلال دعم أجهزة الشرطة الداخلية في البلاد وتطويرها وتدريب افرادها على مواجهة العمليات الارهابية بالوسائل الحديثة بالاضافة لذلك هناك المواجهة الدينية لتصحيح الأفكار المغلوطة التي تدعو الى التشدد في الدين وذلك عن طريق التوعية الصحيحة من خلال وسائل الاعلام المختلفة وتحسين وسائل العدوة في المجتمع.
الثاني: المواجهة الخارجية حيث ينبغي ان تعمل جميع الدول متعاونة على درء خطر الارهاب وعقاب الدول التي تسانده بموجب عقوبات تنص عليها الأمم المتحدة وينبغي الاهتمام بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب تحت رعاية الأمم المتحدة وبهدف إبرام اتفاقية دولية تتضمن تعريفا متكاملا للإرهاب الدولي ومنع تمويل او مساعدة الارهابيين او إيوائهم وان تقترن هذه الجهود لمكافحة الارهاب بمعالجة حاسمة لأسبابه الكامنة التي تتضمن الشعور بالظلم والقهر وغياب العدالة وازدواجية المعايير وذلك بجانب الحاجة الملحة لتوجيه اهتمام دولي اكبر لمعالجة الوضع المتدهور في الأراضي الفلسطينية ووضع نهاية لإذلال الشعب الفلسطيني على يد عصابات الصهاينة.
موقف الإسلام من الارهاب

د. أحمد كمال أبو المجد
الارهابيون أما منحرفون بالإسلام أو منحرفون عنه والإسلام نهى عن ترويع المسلم أو تخويفه بأي صورة من الصور
وأوضح الدكتور/ أحمد كمال أبو المجد - المفكر الإسلامي ان الإسلام ليس دين الارهاب او التخويف او العدوان، والارهاب والتخويف لا يكونان الا من الله تعالى وله سبحانه وتعالى، وصدق الله العظيم القائل: «وإياى فارهبون».
والارهابيون الذين يسلكون سبيل العنف والارهاب لتحقيق اهدافهم السياسية هم بذلك ليسوا من الإسلام في شيء والذين يسلكون سبيل العنف والارهاب لترويع الآمنين او لتحقيق اهداف يزعمون انها دينية ليسوا كذلك من الإسلام في شيء، بل هم اما منحرفون بالإسلام او منحرفون عن الإسلام.. ذلك ان الخوف في الإسلام لا يكون الا من الله تعالى كما ان اعداد العدة للارهاب لا تكون الا أعداء الله تعالى، او لأعدائنا في الله تعالى، وصدق الله العظيم القائل: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...}.
ويضيف د. أبو المجد ان الإسلام نهى عن تخويف المسلم او ترويعه في اي صورة من الصور، ومن ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح فانه لا يدرى لعل الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من حفر النار» اي ان الشيطان قد يحمل بعضهم على بعض بالفساد حتى يصيب احدهم الاخر بسلاحه فيحقق الشيطان ضربته بوقوعه في المعصية التي تفضي به الى النار، وفي الحديث النهى عما يفضي الى المحذور ولو لم يكن هو المحذور المحقق، سواء كان ذلك في جد أو هزل والإسلام كذلك ليس دين العدوان او البغي او الظلم، فالعدوان هو تجاوز الحد والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك كان الارهاب الذي يقع في دنيا الناس من قبل الارهابيين المفسدين والمخربين يخالف صحيح الأحكام الشرعية وأصول الدين وفروعه من الوجوه التالية:
أولاً: انه يأخذ البريء بإثم الجاني وهذا ظلم وحمق لا يقره الإسلام بل لا يقره اي دين سماوى او تشريع وضعي فمن المقرر شرعا وقانوناً انه لا يجوز معاقبة شخص دون ذنب او جريمة يتحقق ويتأكد وقوعها منه ونثبتها له والذين يمارسون الارهاب يقتلون أنفسا لا ذنب لها ولم يقع منها ما يمكن ان تتحقق نسبته اليها والإسلام لا يجيز ان يؤخذ برىء بإثم غيره قال الله تعالى: «لا يكلف الله نفس الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت...».
ويقول سبحانه وتعالى «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
اي لا تؤاخذ نفسا بجريمة نفس اخرى واذا كان ذلك منهاج القرآن الكريم في العقاب على الجريمة فان ذلك التوجيه الرشيد هو الذي يتفق مع العقل.
وهو الذي يحقق المصلحة المتمثلة في حفظ أمن المجتمع وضبط الإسناد في مجال الاتهام مما ان يرتكب الجريمة شخص ثم يعاقب عنها غيره لأن ذلك فضلا عن منافاته للعدل ينافي مقصود العقوبة في اصلاح الجاني وتقويمه والعقاب على غير جرم إنزال لأمر في غير منزله واستعمال للدواء في غير موطن علته.
ثانياً: انه ينافي منهج الإسلام في العدل وفقا لما امر به الله تعالى في كتابه حين قال: «ان الله يأمر بالعدل والإحسان»، والعدل هو الانصاف للخصوم من الظلم وعدم مؤاخذة البريء بإثم الجاني والارهاب ينافي هذا المعنى ويناقضه لأنه يأخذ جملة من الناس بالإهلاك او التدمير سواء كانوا ابرياء ام آثمين.
ثالثاً: انهم يخالفون منهج الإسلام وأصوله في حفظ مقومات الحياة ومنها حفظ النفس والمال وما تقوم به تلك المصالح من المباني والعمران وحفظ النفوس لا تفرقة بينه فيه بين نفس وغيرها فقد تكون تلك النفس لمسلم او مسيحي او يهودي او غيره فكانت نفوس البشر في ميزان حماية التشريع الإسلامي بدرجة سواء وكفتين متوازيتين لا ترجح احداهما عن الاخرى وقد مرت جنازة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قاعدا فوقف احتراما لنفس صاحبها فقيل له: يا رسول الله انها ليهودي فقال عليه الصلاة والسلام أليست نفسا».. ان هذا الحديث الشريف يدل على ان كافة النفوس في ميزان الشرع بدرجة سواء لا تفرقة بينها بسبب اختلاف الديانة او اللغة والجنس او الفكر لأنها مستودع الروح وفيها نفخة الخالق.. ومن ثم فلا يجوز الا بحق وبعد قيام الأدلة المؤكدة عليها وانها قد فعلت ما يوجب قتلها قال سبحانه وتعالى: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق»، وقال تعالى: «من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا».
رابعاً: ان الذين يمارسون الارهاب يسيئون الى الإسلام إساءة بالغة في الوقت الذي يظنون فيه انهم يرفعون راياته ويعلمون تعليماته وان هذا الاعمال الارهابية التي يقومون بها جهاد مشروع، ومعروف ان الجهاد في الإسلام له شروطه وأسبابه وغاياته والجهل بشروط الجهاد وأسبابه وغاياته يجعل هؤلاء الذين يمارسون العنف في مجتمعنا الإسلامي يأتون بتصرفات حمقاء.
العدوان على غير المسلمين
ليس لمدع او متقول ان يدعى او يقول: ان هذه النصوص السالفة تنهي عن ترويع المسلم فقط او إخافته او أذيته، فان لغير المسلمين المستظلين بحمايتنا وفي مجتمعنا المسلم من الحفظ والرعاية ما لنا، وعليهم ما علينا، دون وكس ولا شطط، لا يزيدنا ايماننا عنهم في ذلك شيئا، ولا ينقصهم عدم ايمانهم عنا في ذلك شيئاً، فالايمان ثوابه عند الله، ولم تجعل الدنيا له مثوبة وأجراً، ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.. لهوانها على الله تعالى.
وقد روى أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «ألا من قتل نفساً معاهدة له - اي لهذا الشخص المعاهد - ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وان ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفاً».
العلاج الإسلامي لظاهرة التطرف والعنف

د. عمر هاشم
الإسلام سبق جميع القوانين من مكافحة الارهاب بحفظ النفس والمال والعرض والدين
ومن جانبه يقول الدكتور/ أحمد عمر هاشم - رئيس جامعة الأزهر السابق - بأن الإسلام سبق جميع القوانين في مكافحة الارهاب، وحماية المجتمعات من شروره، وفي مقدمة ذلك حفظ الإنسان، وحماية حياته وعرضه وماله ودينه وعقله من خلال حدود واضحة منع الإسلام من تجاوزها قال الله تعالى: «ومن يتعدى حدود الله فقد فأولئك هم الظالمون». وهذا توجيه لعموم البشر.
وتحقيقا لهذا التكريم منع الإسلام بغى الإنسان على أخيه الإنسان، وحرك كل عمل يلحق الظلم به، فقد قال الله تعالى: «قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق»، وشنع على الذين يؤذون الناس في أرجاء الأرض ولم يحدد ذلك في ديانة المسلمين كما في قول الله تعالى: «وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد واذا قيل له اتقى الله أخذته العزة الإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد».
وأمر بالابتعاد عن كل ما يثير الفتن بين الناس، وحذر من مخاطر ذلك قال الله تعالى: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا ان الله شديد العقاب»، وفي دين الإسلام توجيه للفرد والجماعة للاعتدال والبعد عن التشدد واجتثاث نوازع الجموح والتطرف، وما يؤدي إليهما من غلوا في الدين لأن في ذلك مهلكة أكيدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» كما عالج الإسلام نوازع الشر المؤدية الى التخويف والارهاب والترويع والقتل بغير حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم ان يروع ان مسلما، ومما سبق من توجيه رباني وبيان نبوي في بيان سماحة وعدل الإسلام لابد ان يتخلى الشباب عن تكفير المجتمع المسلم وحكامه بحجة انهم لا يعملون بالإسلام ولا ينفذون احكامه وتعاليمه، ولان انعدام الاعمال هو انعدام لكمال الايمان - كما هو مذهب أئمة الحديث وأئمة المذاهب الفقهية مالك والشافعي وأحمد - وليس انعدام لنفس الايمان كما يرى المعتزلة والخوارج.
ولأن هذه القضية - في الحكم على ايمان المرء حاكما كان او محكوما وعدمه - على اهميتها: قضية خلافية بين السلف الصالح من علماء الأمة الإسلامية ولان التعصب لمذهب دون غيره في مثل هذه المسائل وعدم الالتفات الى غيره ممقوت، ولان هناك في يسر الإسلام وسماحته ومتسع الآراء في مثل هذه القضايا الخلافية مندوحة، وبالتالي فان شريعة الإسلام تهيب بالشباب المسلم ان يأخذ بالأيسر من الآراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير ما بين أمرين الا اختار أيسرهما ما لم يكن اثما فان كان اثما كان ابعد الناس عنه.
كما اوصت شريعة الإسلام بمعاملة اهل الذمة بالقسط والعدل والرحمة فجعلت لهم حقوقا ووضعت عليهم واجبات ومنحتهم الأمان في ديار المسلمين واوجبت الدية والكفارة على قتل احدهم خطأ قال الله تعالى: «وان كان من قوم بينكم وبينه ميثاق فدية مسلمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة».
كما حرم الإسلام قتل الذمى الذي يعيش في ديار المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم ير رائحة الجنة، ولم ينهى الإسلام المسلمين عن الاحسان الى غيرهم وبرهم اذا لم يقاتلوهم ويخرجوهم من ديارهم، وذلك كما قال الله تعالى: «لا ينهاكم الله تعالى عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين»، واوجب الله سبحانه وتعالى العدل في التعامل مع اهل الذمة والمستأمنين وغيرهم من غير المسلمين فقال تعالى: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى ان الله خبير بما تعملون». |