العالمية - ربيع أول - 1426 هجرية - ابريل2005 م - العدد (180) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

التوحيد .... نور وهدى

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

آثار التوحيد تبدو في التصورات والمشاعر كما تبدو في السلوك والتصرفات وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً ومتميزا

توحيد الله ليس كلمة تقل باللسان ، فالقلب الذي يوحد الله ، يدين لله وحده ، ولا يحني هامته لأحد سواه ، ولا يطلب شيئا من غيره ، ولا يعتمد على أحد من خلقه ،  فالله وحده و القوي عنده ، و هو القاهر فوق عباده ، والعباد كلهم ضعاف مهازيل ، لا يملكون له نفعاً ولا ضر ، فلا حاجة به إلى أن يحني هامته لواحد منهم ،  وهم مثله لا يملكون لأنفسهم مفعماً ولا ضر ، والله وحده هو المانح المانع ،  فلا حاجة به إلى أن يتوجه لأحد غيره ، وهو الغني ، والخلق كلهم فقراء!

والقلب الذي يوحد الله ، ويؤمن بوحدة الناموس الإلهي الذي يصرف الوجود كله ،  ويؤمن إذن بأن النظام الذي اختاره الله للبشر هو طرف من ذلك الناموس الواحد ، لا تصلح حياة البشر ولا تستقيم مع الكون الذي يعيشون فيه إلا بإتباعه ، ومن ثم لا يختار غير ما اختاره الله من النظم ، ولا يتبع إلا شريعة الله المتسقة مع نظام الوجود كله ،  ونظام الحياة!

والقلب الذي يوحد الله ، يدرك القرابة بينه وبين كل ما أبدعت القدرة في هذا الكون من أشياء وأحياء ،  ويحيا في كون صديق يعاطفه ويتجاوب معه ، ويحس بهذه القدرة المبدعة في كل ما حوله ، فيعيش في أنس بالله وبدائعه التي تلمسها يداه  ،  وتقع عليها عيناه ، ويشعر- كذلك- بالتحرج من إيذاء أحد ، أو إتلاف شئ ، أو التصرف في أحد أو في شئ إلا بما أمره الله ، خالق كل شئ ومحيي كل حي ،  ربه ورب كل شيء وكل حيّ!

وكذلك تبدو آثار التوحيد في التصورات والمشاعر ، كما تبدو في السلوك والتصرفات ،  وترسم للحياة كلها منهاجاً كاملاً واضحاً متميز ، ولا يعود التوحيد كلمة تقال باللسان ، ومن ثم تلك العناية بتقرير عقيدة التوحيد وتوضيحها وتكرار الحديث عنها في الكتاب والسنة ، وهو حديث يحتاج إلى تدبره كل أحد ، في كل عصر ومصر ، وفي كل جيل وقبيل ، فالتوحيد بمعناه ذلك معني ضخم شامل يحتاج إلى فهم وإدارك.

لقد أعد الله عز وجل لتبليغ رسالة التوحيد إلى العالمين خير خلق الله وخاتم رسل الله لقد كان خير خلق الله وخاتم رسل الله يهجر الضلال ، ليقضي أيام رمضان في غار حراء -كما سيأتي - وهو غار على مسافة بضعة أميال من القرية الصاخبة ، في رأس جبل من هذه الجبال المشرفة على مكة ، والتي ينقطع عندها لغو الناس وحديثهم الباطل! ويبدأ السكون الشامل المستغرق!

في هذه القمة السابقة ، كان خير خلق الله وخاتم رسل الله ، يأخذ زاد الليالي الطوال!

ثم ينقطع عن الناس منجهاً بفؤاده المشرق إلى رب الناس!

في هذه الغار النائي  ،  المهيب المحجب  ، كانت نفس كبيرة تطل من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم ، واعتداء وإنكسا!

ثم تتلوى حسرة وحيرة  ، لأنها تدري من ذلك مخرجاً  ، ولا تعرف له علاجاً

في هذا الغار النائي  ،  المهيب المحجب  ، كانت عين نفاذة محصية ، تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله ،  فتجده كالمنجم المعتم لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد جهد جيهد ، وقد يختلط التراب بالتبر ،  فما يستطيع بشر فصله عنه!

في هذا الغار النائي  ،  المهيب المحجب  ، كان خير خلق الله وخاتم رسل الله يتعبد  ، ويقترب من الحق جهده ،  ويبتعد عن الباطل وسعه ، حتى وصل إلى مرتبة عالية انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوة ، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح!

في هذا الغار النائي ، المهيب المحجب  ، كان خير خلق الله وخاتم رسل الله يتصل بالملأ الأعلى!

ومن قبله شهد بطن الصحراء أخا له يخرج من مصر فاراً يجتاز القفار ،  متلمسا الأمن والسكينة والهدى  ، لنفسه وقومه ، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة فلما تيممها إذا بالنداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره:

{يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليل إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري}

(آية 11-14سورة طه)

وإن القلب ليرتجف  ، وإن الكيان ليرتعش ،  وهو يتصور مجرد تصور ذلك المشهد.

موسى عليه السلام فريد في تلك الفلاة ، والليل دامس  ، والظلام شامل ،  والصمت مخيم!

وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور!

وإذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء الربني!

إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار!

إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها ممثلة في هذا الفيض!

وبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة!

وبحسب البشرية أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال!

إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون لتتقد مرة أخرى ، في جوانب الغار النائي  ، المهيب المحجب ، الذي حوى خير خلق الله وخاتم رسل الله يتحنف ، نائيا-بجسمه وروحه -عن أرجاس الجاهلية ومساوئها!

لكن الشعلة لم تكن ناراً تستدرج الناظر ، بل كانت نوراً ينبسط بين يدي وحي مبارك ، يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية ، والتثبيت والعناية فإذا خير خلق الله وخاتم رسل الله يصغي في دهشة وانبهار إلى صوت الملك يقول له

«اقرأ»
فيجيب مستفسراً:
«ما أنا بقارئ » ويتكرر الطلب والرد ، لتنساب بعده آيات الذكر الحكيم:
{اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم }(آية 1-5 سورة العلق)

وتتوالى الآيات القرآنية نوراً يضئ معالم الحياة!

{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} (آية سورة إبراهيم)

لتخرج هذه البشرية من الظلمات.. ظلمات الوهم والخرافة .. وظلمات الأوضاع والتقاليد .. وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة ،  وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين!

لتخرج هذه البشرية من الظلمات كلها إلى النور.. النور الذي يكشف هذه الظلمات ..يكشفها في عالم الضمير ، وفي دنيا التفكير ، ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد!

والإيمان بالله نور يشرق في القلب ، فيشرق به الكيان البشري ، المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة من روح الله ، فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة ، وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة ، استحال طينة معتمة ، طينة من لحم ودم كالبهيمة ، فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها!

لو لا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله ، يرقرقها الايمان ويجلوه ، ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم ، ويشف بها هذا الكيان المعتم!

والإيمان بالله نور تشرق به النفس ، فترى الطريق... ترى الطريق واضحة إلى الله  ، لا يشوبها غبش ، ولا يحجبها ضباب.. غبش الأوهام وضباب الخرافات ..غبش الشهوات  ،  وضباب الأطماع ، ومتى رأت الطريق سارت على هدى  ، لا تتعثر ولا تضطرب ، ولا تتردد ولا تحتار!

والإيمان بالله نور تشرق به الحياة ... فإذا الناس كلهم عباد متساوون..تربط بينهم آصرتهم في الله ، وتتمخض دينونتهم له دون سواه ، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة ..وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة .. معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه ، فإذا هم سلام مع الكون وما فيه ومن فيه!

والإيمان بالله نور.. نور العدل .. ونور الحرية ...ونور المعرفة ونور الأنس والإطمئنان إلى الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة ، في السراء والضراء..ذلك الإطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء!

والإيمان بالله وحده إلها وربا.. منهج الحياة ..وليس مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور.. منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده والدينونة لربوبيته وحده ، والتخلص من ربوبيات العبيد ، والاستعلاء على حاكمية العبيد!

وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشرية ، ومع الحاجات الحقيقية لهذا الفطرة ، ما يملأ الحياة سعادة ونوراً وطمأنينة وراحة ،  كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصماً من التقلبات والتخبطات التي تتعرض لها المجتمعات التي تخضع لربوبية العبيد ، وحاكمية العبيد ومناهج العبيدفي شؤون الحياة..وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشرية أن تبذل في تألية العبيد ، والطبل والزمر للطواغيت!

وإن وراء هذا التعبير لآفاقاً بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب ،  وفي عالم الحياة والواقع  ، لا يبلغها التعبير البشري  ، ولكنه يشير!

{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد}

فالصراط بدل من النور ، وصراط الله: طريقة وسنته ،  وناموسه الذي يحكم الوجود  ، وشريعته التي تحكم الحياة.. والنور يهدي إلى هذا الصراط ، أو النور الذي هو الصراط  ، وهو أقوى في المعنى فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون ، هوالسنة ، هو الناموس ، هو الشريعةوالنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطئ الإدراك ، ولا تخطئ التصور ، ولا تخطئ السلوك ، فهي على صراط مستقيم.

وتطالعنا سورة النور ، ونقرأ فيها:
{الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم} (آية 35 سورة النور)

وهنا يفيض النور الهادئ الوضيء  ، فيغمر الكون كله  ، ويفيض على المشاعر والجورح ، وينسكب في الخنايا والجوانح ، وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر ، وحتى تعانقه وترشفه العيون والبصائر ، وحتي تنزاح الحجب ، وتشف القلوب ، وترف الأرواح ، ويسبح كل شئ في الفيض الغامر ، ويتطهر كل شئ في بحر النور وبتجرد كل شئ من كثافته وثقله ، فإذا هو إنطلاق ورفرفة ولقاء ومعرفة ، وامتزاج وألفة ، وفرح وحبور.. وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود ، تتصل فيه السموات بالأرض ، والأحياء بالجماد ، والبعيد بالقريب  ، وتلتقي فيه الشعاب والدروب ،  والطوايا والظواهر والحواس والقلوب!

ولقد استطاع البشر أخيراً أن يدركوا بعلمهم طرفاً من هذه الحقيقة الكبرى ، عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة -بعد تحطيم الذرة - إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور ، ولا مادة لها إلا النور!

فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون... كان يدركها كلما شف ورف ، وانطلق إلى آفاق النور!

بيد أن الكيان البشري لا يقوى طويلاً على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما ولا يستشرف طويلاً ذلك الأفق البعيد.. ومن ثم يطالعنا ما يقارب مداه ،  ويقربه إلى الإدارك البشري المحدود!

{يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}

{يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (آية 15-16 سورة المائدة)

نبصر سبل السلام في الحياة كله ، ونحن نرى:

سلام الفرد!

وسلام الجماعة!

وسلام الضمير!

وسلام العقل!

وسلام الجوارح!

وسلام الأسرة!

وسلام المجتمع!

وسلام الإنسانية!

والسلام مع الحياة!

والسلام مع الكون!

والسلام الذي لا تجده البشرية.. ولم تجده يوماً إلافي هذا الدين وإلا في منهجه ونظامه وشريعته ، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته !

حق ، إن الله يهدي بهذ الدين الذي رضيه ، من يتبع رضوان الله .. سبل السلام كله ، في هذه الجوانب جميعها!

ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشئ من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير ... وحرب القلق الناشئ من شرائع الجاهلية وأنظمتها وتخبطها في أوضاع الحياة!

وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقية ، والجاهلية من حولنا تذيق البشرية الويلات... من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونا بعد قرون!

ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخن  ،  ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبن  ،  وتحطم أخلاقنا وسلوكنا وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا.. بينما نملك الدخول في السلم الذي منحه الله لنا حين نتبع رضوانه  ،  ونرضى لأنفسنا مارضيه الله لنا!

إننا نعاني من ويلات الجاهلية  ،  والإسلام منا قريب!

ونعاني من حرب الجاهلية  ،  والإسلام في متناول أيدينا لو نشاء!

فأية صفقة خاسرة  ،  هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير!

وأية صفقة خاسرة  ،  هذه التي نشتري فيها الضلالة بالهدى ونؤثر فيها الحرب على السلام ؟!

إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى العصور والألوان ... ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية   ،  قبل أن ننقذ نحن أنفسن  ،  وقبل أن نفيءإلى ظل السلام  ،  حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه!

والجاهلية كلها ظلمات!

وظلمة الشبهات والخرافات  ،  والأساطير والتصورات.. ظلمة الشهوات والنزوات والاندفاعات في التيه.. وظلمة الحيرة والقلق  ،  والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنموس... وظلمة اضطرات القيم وتخلخل الأحكام والموازين!

والنور هو النور..النور في الضمير .. وفي العقل .... وفي الكيان... وفي الحياة!

ونقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (آية 9 سورة الإسراء)

يهدي هكذا على وجه الإطلاق  ،  فيمن يهديهم   ،  وفيما يهديهم   ،  فيشمل الهدى أقواما وأجيالاً بلا حدود من زمان أو مكان  ،  ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق  ،  وكل خير يهتدي إليه البشرفي كل رمان ومكان  ،  وجيل وقبيل!

يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور  ،  بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض  ،  والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء  ،  وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق!

ويهدي للتي هذ أقوم في التنسيق بين ظواهر الإنسان وباطنه  ،  وبين مشاعره وسلوكه  ،  وبين عقيدته وعمله  ،  فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم  ،  متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض  ،   وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله  ، ولو كان هذا العمل متاعاً واستمتاعاً بالحياة!

ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء ، ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار ، ولا تتجاوز القصد والاعتدال ، وحدود الاحتمال!

ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وشعوبا وحكومات ،  ودولا وأجناس ،  ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى ،  ولا تميل مع المودة والشنآن ،  ولا تصرفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه .. وهو أعلم بمن خلق ،  وأعرف بما يصلح لهم في كل زمان ومكان ، وفي كل جيل وقبيل ،  فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ،  ونظام المال ،  ونظام الإجتماع ،  ونظام التعامل الدولي اللائق بالإنسان.