|
رسالة أندونسيا: عصام الفليج
تعرضت أندونيسيا وعلى الأخص اقليم بند اتشيه (شمال غربي اندونيسيا في 26 ديسمبر 2004) إلى كارثة عظيمة جراء زلزال تسونامي والطوفان الذي اقتلع البيوت من أساساتها وهدم البناء وجرف السياسات والأعياد وحطمه الأشجار وقتل أكثر من مائة وسبعين ألف نسمة، فضلا عما أصاب دولا أخرى مثل سيريلانكا وتايلند والمالديف وغيرها.
اقليم بند آتشيه له أهمية خاصة فهو بوابة الإسلام إلى جنوب شرق آسيا ويطلق عليه.. شرفة قلة
ولأقليم بند آتشيه أهمية خاصة، فالاسلام دخل أندونيسيا من هنا كونها في الطرف الشمال غربي أول مكان ترسو فيه السفن في جنوب شرق آسيا، لذا يطلق عليها «شرفة مكة»..
ومن جانب آخر فإن للاقليم موقع استراتيجي من الناحية العسكرية والاقتصادية لذا فإن اكبر ثاني مدينة في أندونسيا بعد العاصمة جاكرتا مدينة «ميدان» التي تقع في اقليم بند آتشيه، ويتمتع الاقليم بوفر نفطي كبير، لذا نشط فيها أهل الاقليم للمطالبة بالانفصال عن أندونيسيا لأنهم أصحاب النفط ولا يتمتعون بخيراته المتركزة في جاكرتا، وجارية التسوية من خلال الأمم المتحدة.
الكويت أسهمنا في احتواء تداعيات الزلزال الدمر برحلات اغاثية مكوكية
تشاركت فيها الجمعيات والهيئات الخيرية
بعد الكارثة العظيمة التي أصابت تلك الدول بادرت دولة الكويت حكومة وشعباً بالمساهمة في دعم المنكوبين برحلات إغاثة مكوكية من خلال جمعية الهلال الأحمر الكويتي واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة ولجنة مسلمي آسيا في الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية، وجمعية الاصلاح الاجتماعي وجمعية احياء التراث الاسلامي وصندوق اعانة المرضى في جمعية النجاة الخيرية، وقدت حكومة الكويتي تبرعاً قيمته 100 مليون دولار بقرار عاجل من مجلس الوزراء بالإضافة الى تبرعات سمو الأمير وسمو ولي العهد وسمو رئيس مجلس الوزراء التي بلغت ثمانية ملايين دولار، ومساهمات الشعب الكويتي تجاراً وأفراد من خلال اللجان الخيرية.
وضمن الفرق المتعددة التي توجهت الى أندونيسيا، غادر وفد الاغاثة الثاني من جمعية الاصلاح الاجتماعي الى بند آتشيه عبر جاكرتا، برئاسة فهد الشامري رئيس قطاع آسيا في الأمانة العامة للجان الخيرية بجمعية الاصلاح الاجتماعي ومشاركة الشيخ وليد طراد، والزميل عصام الفليج معد ومقدمة برنامج «سفراء الخير» التلفزيوني ومخرج البرنامج عادل عطاالله وكان من المفترض مشاركة اللاعب الدولي جاسم الهويدي هداف العالم والفنان عبدالعزيز المسلم في الرحلة الاغاثية الثانية، وتعذر سفرهما في اللحظات الأخيرة، إلا أنهما نالا ثواب النية.

خلال فترة السفر دارت الأفكار في مخيلات المسافرين كيف هي الأحوال هناك؟ وكيف سنستطيع المساعدة؟ وما هي أعدادهم، حتى حطت الطائرة الكويتية رجالا في مطار جاكرتا بقيادة الكابتن الرائع بدر أبا الخيل وزملائه الذين أحاطوا الوفد بالتقدير والاحترام.
وتوجه الوفد الى الفندق للراحة بانتظار فجر اليوم الثاني حيث تقلع الطائرة الداخلية من جاكرتا إلى مطار «ميدان» الساعة السادسة صباحاً، ثم تعود للاقلاع الى بند آتشيه، وسبب الهبوط في «ميدان» هو التزود بالوقود لعدم توفره في بند آتشيه بعد الكارثة.
عندما أخذت الطائرة في الهبوط في مطار بند آتشيه رأينا امتداد المياه الى الشاطئ وطمسها لمساحات برية، وبمعنى آخر أن زلزال تسونامي تسبب في تغيير الخريطة والتضاريس بامتداد المساحة المائية وظهور جزر جديدة!!
لا يوجد اعلام عرب أو خليجي في المناطق المنكوبة باستثناء الجزيرة
رغم ما قدمته الدول العربية من مساعدات وخاصة الكويت

وبعد أن نزلنا في المطار الذي يعج بمئات الصحافيين، سواء لتصوير أفواج الاغاثة والمساعدات الغذائية والآلية والبشرية والطبيعة، لتغطية آثار الزلزال والطوفان، وافتقدنا في كل الأحوال لوجود إعلام وخليجي أو عربي باستثناء «الجزيرة» إرغم ما قدمته الدول العربية من مساعدات ومعونات وعلى الأخص دولة الكويت.
وبعد أن وضع أعضاء الوفد رحلة، وأعد عدته لبرنامج حافل، انطلقوا بعد صلاة العصر في جولة مؤلمة بين الركام.. بين الأنقاض، حيث لاحياة ولا بشر ولا حيوانات، فالكارثة اقتلعت البيوت اقتلاعاً كأنها ألعاب أطفال، رغم أنها من الاسمنت المسلح، ودمرت المزارع والأشجار، وقتلت أكثر من ربع مليون نسمة.
المساجد بقيت بين الحطام والخراب رمزاً للصعود والبقاء
وأملا في عودة الحياة من جديد إلى هذه المناطق
مررنا على مسجد ضخم عمره أكثر من ثلاثمائة سنة بوسط المدينة، رأينا صورة بالتلفاز عندما اجتاح الطوفان المدينة والتجأ إليه الناس وصعدوا فوقه هروباً من الغرق، فكان صموده صموداً لدين الله عز وجل وكانوا يفترشون الجثث بعد الطوفان داخله لحين انتهاء الكارثة.
وبين الأنقاض والركام وبقايا بناء رست سفينة مولد كهرباء تزن 2600 طن رفعها موج بل طوفان زلزال تسونامي من البحر لمسافة تزيد عن 2000م (2كم) فوق البيوت، ورأينا تحتها سيارة وأشياء أخرى، وذلك يدل على عظم الطوفان.
اقتربنا اكثر من الشاطئ، وازدادت البيوت والمباني اختفاء، ولم نجد صرحات في سوق مسجد متوسط البناء تجاوز عمرة المائة عام، تهاوت واوجه وكهربائياته، وبقي رمزاً للصمود والبقاء، وأملاً في حياة جديدة.

اختفى الاطفال عن الشواطئ للعب أو السباحة، واختفى الصيادون عن البحر، واختفت القوارب، فكانت نظرة ألم امتدت على طول الشاطئ تتحدر منها دموع الأسى، حتى تعالى صوت أذان المغرب من ذات المسجد، فتوجهنا جميعاً للصلاة فيه لتسجل لنا ركعات لوجه الله بقعة غطاها الطوفان في وثائق، فهلك من هلك ونجا من نجا.
وبعد أن أسدل الظلام ستاره، توجهنا الى مركز إيواء الأيتام، فاذا هي مراكز عديدة لكثرة الأيتام، بادرت اليهم لجان الخير بكفالتهم وإيوائهم، سواء من داخل أندونيسيا أو خارجها، سمعنا أصواتهم وهم يتلون القرآن، وأخرون يترحلون بين الأذكار، ليختموا يومهم بالقرب من الله.
نزلنا الى أحد هذه المراكز الذين كانوا بانتظارنا، رفع طفل أذان العشاء، ثم أقيمت الصلاة، وبعد شرح المسؤول لدور المركز الايوائي والتربوي، أخذ المعلم يجول بين الأطفال الأيتام من نشيد إلى دعاء الى شكر لكل من ساعدهم، واستمعنا الى قصصهم، وكيف انقطعت بهم السبل، وكيف مات أباؤهم أو افتقدوهم، فكانت مآسي تقشعر لا الأبدان وتجمد لها القلوب.
ومؤساة لهؤلاء الأيتام قدم أعضاء الوفد الكويتي لهم حقيبة مدرسية وقرطاسية كاملة تعينهم على دراستهم، وقدموا لهم الألعاب التي ساهم فيها لامحسن الكويتي السيد نصر العمر.
ولك أن تتخيل كيف قام أعضاء الوفد بعد أن رأوا تلك المناظر وسمعوا تلك القصص، إنها آلام وغصات، وكان الله في عونهم.
وفي فجر التالي، وبعد أداء الصلاة وشروق بصيف النور، انطلق أعضاء الوفد الكويتي الى منطقة تبعد اكثر من ثلاث ساعات للبدء بعملية توزيع المواد الاغاثية على المنكوبين في المخيمات، فانطلقت شاحنات ضخمة حوت عبوات كاملة بها مواد غذائية متكاملة (رز - دهن - سكر - معلبات...)، وكانت البداية في المخيم الأول... حيث بدت السعادة على وجوه المنكوبين الذين اصطفوا حول الشاحنة، وأخذ مسؤول المخيم بالمناداة عليهم من خلال كشف منظم، وكانت المفاجأة أن 80% من سكان المخيمات نساء وأطفال بسبب الطوفان الذي فرق الشمل والأهل.
كانت عيدنهم تترقرق وهم يستلمون المساعدات الكويتية، حيث تزاهمت الأفكار في عقدلهم ما بين استذكار الطوفان راهم عليه من تشرد وفقدان للمخاوف والعائل، ومستقبلهم المغامض، وما بين الشعور بالسعادة لوجود من يشعر بهم من اخوانهم المسلمين الذين أتوا بأنفسهم لتوزيع المساعدات، فكانت الأيادي ترتفع بالدعاء لأهل الكويت الذين آزروهم وهم ومحنة.

وكم هو منظر جميل لشباب الكويت الذين جاؤا الى بند آتشيه تاركين أهليهم وأبناءهم وأعمالهم لتقديم المساعدة للمنكوبين والمحتاجين، فكانوا يحملون المؤن بأنفسهم ويسلموها للمنكوبين والمتضررين من زلازل تسونامي وطوفان العظيم، من أرامل وأيتام وأطفال وشيوخ وعجائز وشيوخ، وبنفس طيبة وهمة عالية، متناوبين في العمل، حتى إذا أرهق أحدهم جاء الآخر مكان، ويتبادلوا السقيا وتسابقوا على الأجر.
إنهم حقا مفخرة لبلدنا الحبيب الكويت، كيف لا وهم من جعلوا العمل الخري صناعة كويتية مبدعة ومتميزة على مستوى العالم.
استمر هذا الحال طوال النهار دون راحة، فالشباب الكويتي ممثلا بقطاع آسيا بجمعية الاصلاح الاجتماعي وضيفهم جالوا بين المخيمات ووزعوا المساعدات والاغاثات على المنكوبين والطريف أنهم لم ينسوا الألعاب التي وزععها على أطفال المخيمات لازالة شيء من الهم عنهم وهذه الألعاب تبرع المحسن الكويت نصر العمر. ولم يتوقف الركب عن العمل إلا قبيل المغرب حيث خفت الضوء وأسدل الظلام ستره.
وهكذا هو دينهم كل يوم من الفجر حتى المساء في مساعدة المنكوبين وشملت المساعدات أيضاً الملابس والمصاحف والقرطاسية لمدارس وملاجئ ومراكز الايتام.
وفي صباح أحد الأيام انطلق الوفد الكويتي الخيري إلى أحد مراكز الأيتام وتم توزيع الأغذية ومداد القرطاسية عليهم، كما تم وضع حجر الأساس لمسجد العصفوري ولهذا المسجد قصة غيريبة، ففي يوم 25 ديسمبر 2004م أبلغت جمعية الاصلاح بانتهاء البناء، واتفق على ان يكون الافتتاح بعد شعرة أيام، فكان الزلزال والطوفان صباح يوم 25 ديسمبر 2004م، فيالها من أقدار إلا أن صاحب المسجد وقطاع آسيا تضامنوا لإعادة بناء المسجد من جديد في موقع جديد يخدم المسلمين هناك، فيالها من روح عالية.
ومن غرائب الأقدار أن حجاج بند آتشيه اجتمعوا في مكان قريب من الشاطئ يتبع الجهة المنظمة للحج (الحملة) وتزاحف حولهم المئات من الأقارب والأصدقاء لتوديعهم وذلك لعظم الحج عند هم فمن لا يستطيع الحج عليه ينال دعوة وبركة من ذلك الحاج، وكان الموعد صباح يوم 26 ديسمبر 2004م ليكون قدرهم جميعاً الحجاج أصحاب الموقع ومن زارهم حتى لو كان قرية بعيدة مع طوفان زلزال تسونامي، وكأنهم أتوا بأقدامهم إلى أقدارهم.
إلا أن التفكير الايجابي لقطاع آسيا لاحياء النفوس لم يتوقف عند المساعدات الغذائية والكسائية فقط، فقد عمروا الى شراء قوارب صيد ومنحها للصيادين المنكوبين ليعاودوا حياتهم العملية من جديد، ويشتركون في ما يصيدونه مع المنكوبين في المخيمات والأسر الفقيرة، ويسترزقون منه في دور تكافلي رائع وجميل، يعمل على إعادة الثقة في نفوسهم وتنشيط الاقتصاد المحلي ولوصفر.
ومن الأفكار الجميلة التي تميز بها قطاع آسيا شراء عشر دراجات نارية تبرعت بها سيدتان كويتيتان فاضلتان، تساعد هذه الدراجات على تنقل الدعاة بين المخيمات لرفع المعنويات بين المنكوبين والأرامل والأيتام، لإعادة أمل الحياة لهم وعدم اليأس أو القنوط ولعل أكبر المشاريع التي تسعى لها قطاع آسيا بجمعية الاصلاح الاجتماعي الآن هو بناء قرية جديدة بمنازلها ومرافقها وخدماتها لتقدم خدمة لمنكوبي زلزال تسونامي تعينهم على الاستقرار وإعادة الاعمار والحياة من جديد.
ومن ضمن المشاريع اللطيفة عمل مطبخ لأحد المخيمات تكفل به أحد المسنين في الكويت، ويوفر هذا المطبخ وجبات للمقيمين بالمخيم متكفلا بشراء المواد الاساسية والطباخين والمطبخ ووسائل الطبخ.
وقبل العودة كانت لنا زيارة لمسجد وسط الصحراء، فلما سألنا لم بني هذا المسجد وسط الصحراء، فقيل لنا أنها ليست صحراء وإنما هي قرية كاملة بها قرابة الثلاثة آلاف منزل كلها طواها الطوفان ولم يبقى سوى هذا المسجد شامخاً والذي يزيد عمره عن مائتي عام، فلما صعدنا فوقه بارتفاعه الذي تجاوز العشرين متراص وغطته أمواج تسونامي رأينا آثار البيوت التي كأنها اقتطعت بالمنشار ولم يبعد سوى أرضية المنزل الذي غطته رمال البحر صلينا في هذا المسجد المواجه للبحر مودعين ذلك البلد المنكوب الذي فقد اكثر من مائة وسبعين ألف نسمة فضلاً عن المشردين والأيتام، ودعناه ونحن ننظر نظرات أخرى على ذلك البحر الذي لم يرحم صغيراً ولا كبيراً، ودعناه والألم يعصرنا رغم المساعدات الكويتية الضخمة من الحكومة ومن جمعيات النفع العام ومن الأهالي والأفراد والشركات والمؤسسات، فكانت غصة بين الحزن والفرح، الحزن على أوضاع المسلمين واستغلال الساسة لها، وعلى تردي أحوالهم، والفرح على التكافل الاجتماعي الإسلامي الرائع الذي لمسناه من شباب الكويت الرابط في بند آتشيه في طقس حار رطب وطبيعة عمل مرهقة وطعام غير متيسر و.. و.. سواء من شباب جمعية الاصلاح الاجتماعي او جمعية الهلال الاحمر الكويتية أو الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية أو جمعية إحياء التراث الاسلامي او جمعية النجاة الخيرية وغيرها من الجمعيات النشطة في مجال الاغاثة.
وكان لقاء الختام مع السفير ..... محمد فاضل خلف سفير دولة الكويت في أندونيسيا الذي كان شعلة نشاط وزخم من المعلومات وفيض من الاخلاص والعطاء قمة في التواضع والتبسط وعملي غير تقليدي يحترم الآخر مهما كان مستواه أو جنسه الهم أنه انسان شكر للوفد دورهم ومساعدتهم للمنكوبين وتمثيلهم الحسن لبلدهم الكويت واكد مشاعر الاندونيسيين في الشكر والدعاء لأهل الكويت على كافة المستويات الشعبية والرسمية وشرح لنا مشاركاته المتعددة في الأغاثة والتي كان أخرها منها مشاركة في اجراء عملية جراحية لرجل انكسرت ساقة بفعل الامواج ونزفته بعيداً وظل يسير ويزحف لمدة شهر حتى وصل لأقرب مدينة، وعولوج في مقر الهلال الأحمر الاندونيسي المؤقت في خيمة وتضاعف الكسر وتفتت العظم، فكان لابد من إجراء عملية جراحية دقيقة استمرت لمدة ثلاث ساعات ببنج موضعي لنقص المعدات والخدمات!
ومن أبرز مساعدات الكويت الرسمية لأندونيسيا من خلال جمعية الهلال الاحمر الكويتي بالاضافة الى توزيع المساعدات الغذائية والايدائية والاغاثية والطبية، ساهمت حكومة الكويتية بمحطات تحلية المياه وشراء آليات كبيرة لزالة الانقاض والمساهمة بالتعمير وشراء قوارب صيد جديدة للصيادين، وتوفير أجهزة طبية وأدوية والعديد من المستلزمات والخدمات العامة. |