|
هناك تعددية ثقافية في هذا العالم، لاشك في ذلك، وهناك صراع بين هذه الثقافات يحدث بين الفينة والفينة، مسألة لا خلاف عليها، ولكن كل ذلك لا يعنى أن الصراع هو خاتمة المطاف، أو جوهر العلاقات بين البشر، وهى تلك العلاقات التى وصفها القرآن الكريم بالقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات: 13)، والتعارف هنا هو الحوار ذاته، فلا حوار بدون علاقات، ولا علاقات بدون تعارف، ولا تعارف بدون حوار
ولو أمعنا النظر لوجدنا عناصر مشتركة بين الحضارتين الشرقية الإسلامية، والغربية المسيحية، وهي كثيرة، ومن أهمها:
* أن الحضارتين من الحضارات الإيمانية، ذلك أن المسيحية تُكوَّن، تاريخيًا وفعليًا، عنصرًا روحيًا أساسيًا فى الحضارة الغربية إلى جانب المكون »العقلي» المستمد تاريخيًا من الفلسفة اليونانية، والحضارة العربية الإسلامية بدورها، حضارة إيمانية بحكم الدور الهائل الذى يلعبه الإسلام فى تحديد «مكونات» الثقافة العربية الإسلامية حتى بالنسبة للمسيحيين العرب.
* كما أن الحضارتين تنظران «للإنسان» نظرةً خاصة جوهرها التكريم الشديد باعتبار «الإنسان» حامل رسالة العدل والحب والسلام، وباعتباره بالعقل والإرادة مخلوق الله المختار، (خلافًا لفكرة شعب الله المختار التى لا تخلو من نزعة عنصرية)، وهذا التكريم له آثاره الكبيرة على «منظومة القيم» فى الحضارتين، خصوصًا ما يتعلق منها بحقوق الإنسان الفرد وحرياته المدنية والسياسية.
* إن الحضارتين عالميتان وليستا قاصرتين على شعب أو قومية واحدة .. فكما اتسع الإسلام لشعوب مختلفة الجنس واللون واللغة والقومية اتسعت الحضارة الغربية، خصوصًا فى أوروبا، لشعوب مختلفة، وقوميات مختلفة.
المشكلة التي تبرز تكمن دائمًا فى «التسييس» المفرط للأمور، فالصراع الذى يقوم بين الثقافات المختلفة فى مختلف مراحل التاريخ، يكون غالبًا متعلقًا بدوافع ومنطلقات سياسية بحتة، لا تبقى أبد الدهر، ولكنها تسمم مسار الحوار بين الثقافات فى هذه المرحلة أو تلك، أما ذات الحوار بين الثقافات فهو الذى يبقى ويستمر، وإن كان طويل المدى تاريخيًا، ولا يتبين أثره إلا بعد أن تزول الحساسيات السياسية، وذاك التعصب الذى تخلقه السياسة قبل أن تكون الثقافات هى المسؤولة عنه.
فمثلاً الاستعمار بغيض وكريه، ولكنه لا يخلو من إيجابيات معينة حين تكون النظرة التاريخية البعيدة المدى هى الدليل فى العمل والتحليل، فعندما جاء الاستعمار وهو يحمل نظرة متعالية، وبشعار أيديولوجى تبريرى يحمل عنوان «عبء الرجل الأبيض» فى تحضير الشعوب «المتخلفة»، أو عندما كانت الحملات الكبرى فى التاريخ تحتل البلاد وتقهر الشعوب بذات المنطق، وذات الحجة والنظرة المتعالية، كانت هنا ردات فعل ثقافية من قبل المستعمرين تدور حول مفاهيم الهوية والوطن والاستقلال وحقوق الشعوب، ونحو ذلك من مفاهيم هى ذاتها نتاج ثقافى لحضارة المستعمر ذاته، فإذا كان الاستعمار قد جاء بالقهر فإنه أيضًا جاء بمفاهيم جديدة دخلت فى نسيج الثقافة المغزوة، وكان لها الدور الأكبر فى مقارعته ومن ثم طرده، كما أن الاستعمار ذاته، ورغم نظرته المتعالية وتعامله الفوقى، فإنه فى النهاية يكتسب شيئًا من ثقافة من قام باستعمارهم وإخضاعهم، وبشكل لا شعورى وغير محسوس فى غالب الأحيان.
الثقافة في الفكر الإسلامي
إذن فهناك «صراع» مّا في سيادة المفاهيم، سواءً كان للطرف الأقوى أو للطرف الآخر الضعيف، وحتى يمكننا الوقوف على أبعاد هذا الصراع وتحويله وتوجيهه لا بد أن نقف على حقيقة مصطلح الثقافة الذي يريد كل طرف أن تكون له السيادة على حساب الطرف الآخر، ثم الانطلاق إلى تقرير بعض الأصول التي تشكل منطلقات الحوار الناجح المفيد.
تعرف الثقافة فى الفكر الإسلامى بأنها كل ما يسهم فى عمران النفس وتهذيبها. فالتثقيف، من معانيه: التهذيب.. وإذا كانت «المدنية»» هى تهذيب الواقع بالأشياء، فإن الثقافة هى تهذيب النفس الإنسانية بالأفكار والعقائد والقيم والآداب والفنون، وكلاهما - الثقافة والمدنية - عمران.. عمران للنفس، وعمران للواقع.
وبسبب اختصاص الثقافة وتعلقها بعمران النفس الإنسانية وتهذيبها، تمايزت الثقافات بتمايز الحضارات، بينما مثَّلت «المدنية» - غالبًا - المشترك الإنسانى العام بين الحضارات، ولقد جاء مبعث التمايز فى الثقافات كثمرة لتميز النفس الإنسانية فى كل حضارة من الحضارات، وذلك لتميز المكونات والمواريث والعقائد والفلسفات والعادات والأعراف التى مايزت بين «البصمات» الثقافية فى أمم هذه الحضارة.
ولقد غدا الإسلام هو الهوية الممثلة لأصالة ثقافة هذه الأمة، فهو الذى طبع ويطبع، وصبغ ويصبغ ثقافتها بطابعه وصبغته، فعاداتها وتقاليدها وأعرافها، وآدابها وفنونها، وسائر علومها الإنسانية والاجتماعية، وفلسفة علومها الطبيعية والتجريبية، ونظرتها للكون وللذات وللآخر، وتصوراتها لمكانة الإنسان فى هذا الكون.. من أين أتى؟ وإلى أين ينتهى؟ وحكمة هذا الوجود وغايته؟ ومعايير المقبول والمرفوض، والحلال والحرام فى المسيرة الحياتية لإنسانيتها، كل ذلك وما ماثله قد انطبع بطابع الإسلام، واصطبغ بصبغته، ومن ثم يمكننا القول: إن ثقافتنا إسلامية الهوية، وإن معيار الدخول والخروج فى ميدان ثقافتنا والقبول والرفض فيها هو المعيار الإسلامى.
هذه الحقيقة أكدها ميشيل عفلق (1328 - 1409ه/ 1910 - 1989م)، وهو واحد من أبرز المفكرين القوميين.. يقول: »لا يوجد عربى غير مسلم، فالإسلام هو تاريخنا، وهو بطولاتنا، وهو لغتنا وفلسفتنا ونظرتنا إلى الكون.. إنه الثقافة القومية الموحِّدة للعرب على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وبهذا المعنى لا يوجد عربى غير مسلم، إذا كان هذا العربى صادق العروبة، وإذا كان متجردًا من الأهواء، ومتجردًا من المصالح الذاتية..
«وإن المسيحيين للعرب - والكلام لا يزال لميشيل عفلق - عندما تستيقظ فيهم قوميتهم سوف يعرفون بأن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها، ويحبوها ويحرصوا عليها حرصهم على أثمن شيء فى عروبتهم.. ولئن كان عجبى شديدًا للمسلم الذى لا يحب العرب، فإن عجبى أشد للعربى الذي لا يحب الإسلام..» أ.ه.
ولئن كانت هذه »شهادة قومية« على إسلامية هويتنا الثقافية، فإن كلمات القاضى العادل والقانونى البارز والمشرِّع الفذ الدكتور عبد الرزاق السنهورى باشا (1313 - 1391ه/ 1895 - 1971م) فى هذه القضية، هى «شهادة الإسلاميين» فى هذا الموضوع.
يقول د. السنهورى (رحمه الله): «أريد أن يعرف العالم أن الإسلام دين ومدنية (حضارة) وأن تلك المدنية أكثر تهذيبًا من مدنية الجيل الحاضر.
والرابطة الإسلامية يجب أن تفهم بمعنى المدنية الإسلامية، وأساس هذه الرابطة الشريعة الإسلامية.
وفى الإسلام - إلى جانب الدين - توجد المدنية، فأما الذين يؤمنون بتعاليم الدين فأولئك هم المسلمون، وأما الذين ينتمون إلى الثقافة الإسلامية فأولئك هم أولاد ذلك الوطن الإسلامى الكبير، وقد وَسِعَ المسلمون والنصارى واليهود، عاشوا جميعًا تحت علم الإسلام طوال هذه القرون».
ويواصل الدكتور السنهورى قائلاً: «وما عسى أن تكون تلك الثقافة الإسلامية؟ أليست هى روح الشرق، تمثلت علومًا وفنونًا وفلسفة؟ ألم يَبْن صرح هذه الثقافة عقول شرقية، تنتمى كلها إلى الإسلام، وإن كان ليس كلها مسلمًا؟
وبهذا المعنى الأخير يكون الإسلام والشرق شيئًا واحدًا؛ فالشرق بالإسلام، والإسلام بالشرق.. والمدنية الإسلامية هى ميراث حلال للمسلمين والمسيحيين واليهود من المقيمين فى الشرق، فتاريخ الجميع مشترك، والكل تضافروا على إيجاد هذه المدنية..» أ.ه.
وهكذا شهدت تيارات الأصالة - القومية والإسلامية - على السواء بإسلامية هويتنا الثقافية.
المفهوم الغربي للثقافة
أما فى الغرب - وبعد أن تم فصل الدين عن الدولة، وفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، وظهرت الحداثة والتنوير وعصر الاستنارة وعصر العقل - ظهرت أفكار مادية لا دينية، تُعرف بالمادية الجديدة، والتى انعكست على الإنتاج الثقافى المتحرر من أى شيء، بما فى ذلك المعتقدات الدينية المسيحية، أو التعاليم الأخلاقية المسيحية.
وكانت أهم سمات الثقافة العلمانية التى قامت على الأفكار المادية هى:
1 - ترك الأفراد أحرارًا فى اعتقادهم والإيمان بما يشاؤون.
2 - عدم عوده سيطرة الكنيسة بسلطاتها مرة أخرى، وبذلك تم فصل السلطة الدينية المتمثلة فى الكنيسة عن السلطة السياسية المتمثلة فى الملوك والأمراء ورجال الإقطاع.
3 - عدم فرض القوانين اللاهوتية المسيحية على الشعب والمجتمع ككل، وعدم فرض هذه القوانين على الدولة بقوانينها وأجهزتها ومؤسساتها وسلطاتها، وبذلك تم فصل الدين المسيحى عن الدولة.
ومن ثم فقد أضحى الإنتاج الثقافى - سواء كان أدبًا أو فنونًا - يحمل مفاهيم مادية، ولا يخضع لمفاهيم دينية مسيحية، ويحوى معالجات تختلف عن الثقافات الأخرى.
وفى الحقيقة فإن الإنتاج الثقافى العلمانى الأوروبى والأمريكى - نتيجة لعدم تقيده بمفاهيم ثقافية دينية، وانطلاقه من مفاهيم مادية - أضفى عليه طابعًا انحلاليًا يهاجم المعتقدات الدينية والأخلاق الدينية والمفاهيم الدينية، وكأن بينه وبينها عداءً.
وكان المتوقع للنظرة المادية - التى تتقيد بها الثقافة العلمانية الغربية - أن تقف موقفًا محايدًا بالنسبة للأديان، وذلك الموقف المعادى للأديان لا تجده فى الثقافات الأخرى، مع أن كثيرًا منها ينطلق من اعتقادات دينية غير سماوية مثل الثقافة الهندية والثقافة الصينية اليابانية.
ومن الغريب أن عداء الثقافة العلمانية الغربية المادية الحديثة ينصبُّ أساسًا على الثقافة الإسلامية، بل إن القادة الغربيين السياسيين وقادة الثقافة والفلسفة والفكر يُصوِّبون سهامهم نحو الثقافة الإسلامية، ويتخذون منها العدو الرئيس لثقافتهم العلمانية المادية، وكثير من آراء بعض هؤلاء القادة مثل الرئيس نيكسون وفوكوياما وهنتنجتون وغيرهم، تتجلى فيها هذه الأفكار المعادية للفكر الإسلامى.
خلط الثقافات
ومن أخطر الأمور التى يمكن أن تصيب ثقافتنا الإسلامية هو إحلال مفاهيم الثقافة ومفاهيم الحضارة العلمانية الغربية الحديثة مكان مفاهيم الثقافة والحضارة الإسلامية فى المجالات المختلفة، أو محاولة إيجاد ثقافة واحدة سائدة ومسيطرة على العالم ببحث وإبراز ما هو مشترك بين الثقافات المختلفة.
وينبغى التأكيد على أن الثقافة يشترك فيها المتعلم والأمى، ويشترك فيها الشخص الحاذق فى الرسم والنحت والموسيقى مع الشخص الفلاح أو العامل؛ فالثقافة تشمل الأشياء العفوية البسيطة مثل عادات الطعام وأزياء الملابس.
والاختلافات الموجودة بين الثقافات الرئيسة فى العالم ترجع غالبيتها إلى اختلاف المفاهيم الدينية التى تشمل شتى المناحى، فالاعتقاد الدينى هو المكون الرئيس لأى ثقافة موجودة؛ لأْن الدين يصبغ عناصر الثقافة بمفاهيمه ومعطياته
والحقيقة أن عملية خلط الثقافات ليست وليدة العولمة، ولكنها نتيجة من نتائج العصر الاستبدادى وغزوه الفكرى، أى أن السبب الحقيقى لوجودها هم العلمانيون من أبناء الثقافات الأخرى، ومنهم العلمانيون فى البلاد العربية والإسلامية.
فهؤلاء هم الممثلون لأممهم وشعوبهم فى مؤتمرات الأمم المتحدة، كمؤتمر السكان ومؤتمر الحوار بين الحضارات ومؤتمرات الحوار بين الأديان، ومن ثم تتسلل مثل هذه الأفكار؛ لأنها تجد الأرض الخصبة التى تؤمن بها وتعتقدها، بل وتدافع عنها فى كثير من الأحيان.
وللأسف الشديد فإن عدم الوعى لدى هذه النخب المثقفة أو تجاهلها بأن الأدب الإسلامى والفنون الإسلامية هى الممثل الحقيقى للثقافة العربية الإسلامية، وأنها يجب أن تنتشر وتسود فى وسائل العولمة كممثلة لهويتنا الثقافية - جعلهم يفرطون فى قيم وثوابت الثقافة الإسلامية فى مقابل شيوع النموذج الغربى والثقافة الغربية.
ولئن كان المسلمون يخافون من شيوع النموذج الثقافى الغربى فبالمثل تخاف الحضارة الغربية من غزو الثقافة الإسلامية للثقافة الغربية العلمانية فى ظل العولمة، خاصة بعد أن أصبح عدد كبير من الأمريكيين والأوروبيين يدخلون فى الإسلام فى ظل اتجاه ما بعد الحداثة فى الفكر الغربى الذى يتلمس الطرق للعودة للروحانيات.
وعلى الرغم من استسلام نفر يسير من »مثقفينا« للعولمة وللاندماج فيها باعتبار ذلك قضاءً وقدرًا، وباعتبارها طوق النجاة، إلا أن ذلك ينبغى ألا يفت فى عضدنا أو يصيبنا باليأس والشعور بالانهزامية فى مواجهة أمثال هذه النماذج المتحكمة والمسيطرة؛ لأنهم فى الحقيقة أمضوا حياتهم فى الدعوة إلى »الحداثة« على النمط الغربى حتى بعد أن تجاوزها الغرب إلى عدمية وعبثية وتفكيك »ما بعد الحداثة«!
وهم - من ثم - يؤمنون بوحدة الرأى ووحدة الثقافة ووحدة التوجه طالما أن مصدرها الحداثة الغربية، وهدفها هو اجتياح ثقافتنا العربية الإسلامية.
ونحن نقول لأمثال هؤلاء: من أين ستأتى حوافز الإبداع الذى تتحدثون عنه كثيرًا إذا زالت الخصوصيات فى الهويات الثقافية، والتعددية فى النماذج الحضارية؟
إن زوال التعددية الحضارية، والتنوع فى الهويات الثقافية - فى ظل هذا الخلل القائم بين هيمنة الشمال وبين استضعاف الجنوب - سيجعل »المرسل« دائمًا هو الشمال، و»المتلقى« دائمًا هو الجنوب - وسيحكم علينا بالتقليد لهذه الحداثة الغربية المتعولمة دائمًا وأبدًا!
ذلك لأن التعددية التى يراها الإسلام سنة من سنن الله التى لا تبديل لها ولا تحويل - فى كل عوالم الخلق: المادية والنباتية، والحيوانية والإنسانية والفكرية والثقافية... إلخ - هى الحافز على التميز، ومن ثم على الإبداع، وهى من ثم السبيل إلى الغنى والثراء للرصيد العالمى فى العلوم والثقافات، بينما العولمة هى الأحادية الثقافية التى تشيع التقليد - الذى نشكو منه - وتحول دون الإبداع - الذى نحن فقراء فيه!
منطلقات الحوار
حقائق كبرى ومفارقات مهمة تحكم التعايش
وسعيًا لمواجهة هذا »العبء الجديد«، وتجاوز هذه الأزمة المصطنعة فى العلاقات، وحرصًا على استئناف مسيرة الحوار الودى بالتى هى أحسن بين الحضارتين (الغربية، والعربية الإسلامية) نرى من الضرورى الانطلاق من عدد من المبادئ الحاكمة، والتنبيه إلى عدد من الحقائق الكبرى المتعلقة بالحضارات ونموها وحركتها، وفى مقدمتها الأمور الآتية:
أولاً - إن الحضارات، كل الحضارات، ليست كيانات نهائية ساكنة أو جامدة .. وإنما هى كائنات حية متحركة، وجوهر هذه الحركة محاولة الاستجابة للتغيرات الحادة التى تمر بها الحياة الإنسانية، طورًا بعد طور .. والتى بلغت سرعتها النسبية مبلغًا غير مسبوق .. وذلك بسبب الثورات العلمية والتقنية المتواصلة.
ثانيًا - إن هناك فى داخل كل حضارة مفارقة كبيرة، أو صغيرة بين الأطر الفكرية والقيمية لكل حضارة .. وبين السلوك العملى لأتباع تلك الحضارة .. وهى مفارقة تصنعها الطبيعة الإنسانية ذاتها، وانفراد »الإنسان« بحرية القبول أو الرفض لكل عناصر الثقافة الذاتية، أو لبعضها .. ومن ثم لم يعد الفرد العربى المسلم معبرًا بالضرورة عن قيم الإسلام ومبادئه أو تقاليد العروبة التى حدثتنا عنها وقائع التاريخ القديم .. ولم يعد »الغربى« هو الآخر ممثلاً أمينًا للقيم الكبرى التى قامت عليها الحضارة الغربية فى صورتها المثالية، قيم الحرية والعقلانية وإعلاء قيمة الإنسان .. ومن ثم وجب دائمًا التمييز بين المستوى الفكرى والنظرى والمستوى المجتمعى الواقعى عند محاولة فهم الحضارة الأخرى أو تقييمها.
ثالثًا - إنه يوجد فى إطار كل حضارة »تيار واسع عريض« هو المشخص لها، والمعبر عنها .. وعلى جانبيه تظهر تيارات هامشية، أو ثقافات تحتية جانبية Subcultures قد يصل ابتعادها عن التيار الواسع العريض Main Srteam إلى حد المفارقة التامة والتناقض، وإنه لا يجوز الخلط بين »التيار الأساس الواسع«، وبين واحد أو أكثر من التيارات الجانبية .. ذلك أن التناقضات الكبرى لا تظهر عادة بين »التيارات الأساسية« للحضارات المختلفة .. ولكنها تظهر بدرجة عالية من الحدة بين التيارات الهامشية والجانبية فى الحضارات المختلفة.
رابعًا - ضرورة التسليم بمبدأ »المساواة« بين الحضارات .. فلا توجد حضارة واحدة مهما بلغ اعتداد أصحابها واعتزازهم بها، يمكن الزعم باحتكارها لعناصر الرشد والعطاء فى بناء الثقافة الإنسانية .. أو الزعم بإمكان استغنائها عن »الآخرين« فى مسيرتها نحو المستقبل .. والحقيقة التاريخية هى وقوع التفاعل وتبادل الأخذ والعطاء بين الحضارات الإنسانية التى تعاصرت على امتداد الحقب التاريخية المختلفة ..
إن دعاوى الاستعلاء الحضارى قد كانت - عبر التاريخ - أحد الأسباب الرئيسة للتباعد والصراع .. وما لم يقع التسليم بالمساواة، والندية التى توجب الاحترام المتبادل، فلن يؤتى الحوار ثمرته المرجوة فى تحقيق التعايش والتعاون، ودرء المواجهة والصراع.
خامسًا - محاصرة الدعوة إلى »العزلة الثقافية« داخل المجتمعات العربية والإسلامية، والتوجه بغير إبطاء إلى ممارسة ثقافة »التواصل النشط مع الآخر الحضارى«، ذلك أن هذه العزلة هى المسئولة عن غياب الصوت العربى والصوت المسلم من الساحة الإعلامية والثقافية فى الغرب .. وهو غياب زاد من خطورته أن أطرافًا أخرى - نعرفها جميعًا - قد استثمرته فى خلق صورة بالغة السوء والسلبية لكل ما هو عربى أو إسلامى .. حتى أوشكت هذه الصورة السيئة أن تكون عنصرًا ثابتًا ومستقرًا فى العقل الغربى .. وعلى أساسها تحددت مواقف كثير من الناس فى الغرب من العرب والمسلمين.
سادسًا - وزن الأمور بميزان الإسلام، فلا انفتاح من دون ضوابط، ولا حوار من دون ثوابت، والانطلاق يكون دائمًا من هذه الثوابت والضوابط، فما يتفق مع الشرع والدين قبلناه، وما يتعارض معه رفضناه، وهذه من ثوابت المنهج الإسلامي الأصيل.
***********
المراجع:
(1) مخاطر العولمة على الهوية الثقافية للدكتور محمد عمارة، سلسلة فى التنوير الإسلامى رقم (32) ط. دار نهضة مصر - القاهرة.
(2) العولمة والثقافة الإسلامية، للدكتور محمد الجوهرى حمد الجوهرى - دار الأمين للنشر والتوزيع، القاهرة.
(3) الحوار بين الحضارات والظلال القاتمة لحوادث الحادي عشر من سبتمبر «بحث للدكتور أحمد كمال أبو المجد، ضمن مجموعة أبحاث مؤتمر »حوار الحضارات: تواصل لا صراع» جامعة الدول العربية.
(4) منهج الإسلام فى مواجهة التحديات الحضارية المعاصرة، للدكتور نصر الدين مصباح القاضى - دار الفكر العربى، القاهرة.
(5) إشكاليات الحوار بين الإسلام والغرب، للسفير الدكتور عبد الله الأشعل، ط. مؤسسة الطوبجى - القاهرة.
(6) دورية الرسالة المصرية، العدد الثانى، ذو الحجة 1422هـ - فبراير 2002م، والتى تصدر عن مركز الإعلام العربى - القاهرة. |