|
قال تعالى (كان الناس امة واحدة فبعث الله التبين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ...).
ومعنى هذه ان الله تعالى ما بعث الانبياء الا بعد اختلاف الناس وذلك لازالة هذا الخلاف، اذن فمن مقاصد النبوة والرسالة ازالة الخلاف والفرقة وجمع الصفة والكلمة، وهذا الامر هو من المقاصد الشرعية الكبيرة التي دلت عليها النصوص القرآنية المتكاثرة والاحاديث النبوية المتواترة.
فمن ذلك ان الله امر بالاعتصام بحبله مجتمعين ونهى عن ضده وهو الترفق مع انه مفهوم من الامر بالاجتماع ولكن زيادة في التوضيح نص على المفهوم فقال تعال: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ...) وقال سبحانه (ولما تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم الهيئات واولئك لهم عذاب عظيم)، فامر الله تعالى جميع الناس بالاعتصام بحبله ونهاهم نهيا صريحا لا يحتمل التآويل عن الفرقة وحذرنا من التشبه بتلك الامم التي افترقت واختلفت من بعد ما جاءها العلم والبينات فهي لا تصلح لان تكون قدوة، ثم هذه تحديدا مخيفا ترتجف منه القلوب رهبة ووجلا لمن يدعو الى الفرقة او يعين عليها او يفعلها بأن (اولئك لهم عذاب عظيم) - نسأل الله السلامة والعافية -.
وبين سبحانه ان اكثر كلام الناس لا خير فيه الا ما كان اصلاحا بين الناس فقال عز من قائل (لا خير في كثير من نحواهم انا من امر بصدفة او معروف او اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف تؤتيه اجرا عظيماً)، ومع ان الاصلاح بين الناس داخل في هموم الامر بالمعروف الا ان الله تعالي افرده للتنبيه على اهميته وعظيم أثره، فكما ان للمفسد عذابا عظيما فان للمصلح (اجرا عظيما).
وقال تعالى: (اثم المؤمنون اخوة فأصلحوا بني اخويكم) عن انس رضي الله عنه قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (لو اتيت عبدالله بن ابي فانطلق اليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حماراً فانطلق المسلمون يمشون معه وهي ارض سبخة فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الانصار منهم: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم اطيب ريحاً منك فغضب لعبدالله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل واحد منهما اصحابه فكان بينهما ضرب بالبريد وانايدي والنعال، فبلغنا انها انزلت (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما) متفق عليه.
هذا الامر بالاصلاح من الله امر عجيب، اذ ان احدى الطائفتين فيها منافق بل رأس المنافقين - ابن أبي -، ومع هذا امر الله بالاصلاح، فاذا كان الله تعالى امر بالاصلاح بين من هذه صفقته فما بالك بغيره من الدعاة والمصلحين.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصلح بين اثنين صدقة بل واجاز الكذب في مثل هذه الحال. عن ام كلثوم بنت عقبة انها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا او يقول خيرا) متفق عليه، ومن فضل الاصلاح وخطورة الفرقة ما جاء عن ابي الدراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انا اخبركم بافضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة نالوا بلى قال صلاح ذات البين فان فساد ذات البين هي الخالقة) قال ابو عيسى الترمذي هذا حديث صحيح ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال هي الحالقة لا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين اهل اخرجه الترميذي بسند صحيح، واخرجه ايضا عن ابي هريرة بسند حسن ولفظه (اياكم وسوء ذات البين فانها الحالقة).
بل اجاز النبي صلى الله عليه وسلم سؤال الناس المال لاجل الاصلاح بين ذات البين، فعن بهز بن حكيم عن ابيه عن جده قال قلت: (يا رسول الله انا قوم نتساءل اموالنا، فقال: يتساءل الرجل في الجائحة او القنق ليصلح به بين قومه فاذا بلغ او كرب استعف) (احمد، حسن)، ومن آثار المشاحنة عدم مغفرة الذنوب سواء الغفرة الاسبوعية او السنوية، فعن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (تفتح ابواب الجنة - وفي رواية تعرض الاعمال - يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر كل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئا الا رجلا كانت بينه وبين اخيه شناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا (مسلم).
وعن ابي موسى ياشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلفه انا لمشرك او مشاحن) (ابي ماجه، حسنه الالباني).
واما الشيطان فمن مقاصده تمزيق الصف بالتبرغ والتحريش كما قال تعالى «وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن ان ياشيطان يبزغ بينهم ان الشيطان كان للانسان عدوا مبينا) عن جابر قال سميت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ان الشيطان قد ايس ان يعبده المصلون في جزيرة العربي ولكن في التحريض بينهم) (مسلم).
فاذا كانت العدوة الى توحيد اصف مقصدا ربانيا والدعوة الى تمزيقه مقصدا شيطانياً كان لزاما على كل مسلم ان يجمع الكلمة ويدعو الى توحيد الصف ونبذ الفرقة ويحذر منها.
ولكن لابد من جمع الصف على كلمة واحدة وهي التوحيد او بمعنى ادق على عميدة اهل السنة والجماعة التي هي الكلمة السواء التي يعدى لها كل مسلم بل حتى الكافر: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم انا تعبد انا الله ولا نشرك به شيئاً وانا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشتهدوا بأنا مسلمون).
ومن هنا سميت هذه العقيدة عقيدة اهل السنة والجماعة، فاهل هذه العقيدة يدعون للجماعة ولكن على السنة، او كما قال البشير الابرهيمي: لابد من توحيد الكلمة على كلمة التوحيد.
فاذا اجتمعت القلوب على هذه العقيدة الصافية فما عونها من الخلافات الامر فيها قريب، ويجب ان يغلب هذا المقصد الاسمي عليها، ويكون هذا الخلاف مما لا يفسد للود قضية، ولا يزيل مفهوم اولاء والبراء، والله الموفق والمادي الى سواء السبيل.
|