|
كان البعض فى الجاهلية ينكر إنسانية المرأة ولا يقيم لها وزنا، وحينما جاء الإسلام أنكر ذلك وأكد إنسانيتها ورفع من شأنها وأعلى من مكانتها، واهتم بها بنتا وزوجة وأختا وأما، وفى هذه السطور نستعرض نظرة الإسلام للمرأة بنتا.
وحول موقف الإسلام من البنات يقول الدكتور: عبد العظيم إبراهيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر لقد كرَّم الإسلام البنات كما كرَّم الذكور قبل أن يولدن، حيث سوَّى بينهم في «الهبة» فقال:
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثا، وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ)
(الشورى 49)، مشيرا إلى أن الهبة هي العطية والمنحة، ولا تكون إلا بما هو خير ونعمة وفضل، فإذا كان واهب الهبة هو الله، فذلك غاية السرور، وسياق الآية وإن كان قد سوَّى في الوصف والهبة بين الإناث والذكور، فإنه عند التأمل نجده خص البنات بزيادة رعاية في هذا الجانب، حيث قدم «الإناث» على الذكور، ومعنى هذا أن الامتنان بهبة «الإناث» جاء قبل الامتنان بهبة الذكور، وهذا ملمح بياني لا يخفى على ذوى المشاعر المرهفة وخبراء الأساليب.
وأد البنات ويضيف د. المطعني قائلا حين نزل القرآن واجه أول ما واجه في بيئته الأولى في مكة المكرمة، أعرافا وتقاليد وسلوكيات الناس، التي حادت عن الحق، وتنكبت سواء الصراط، ومنها ظاهرة وأد البنات يوم ولادتهن، لأن كثيرا من العرب كانوا يرون في إنجاب البنات شؤما وعارا يجب الفرار منهما، كما كانوا يرون في كثرة الإنجاب نذيرا بالفقر والحاجة، هذان الباعثان كانا هما السبب في وأد البنات خاصة، وقتل الأطفال عامة.
وأوضح أن الإسلام واجه هذا السلوك الأحمق المتمثل فى وأد البنات وشنَّع على فاعليه، قال تعالى في شأن البنات:
(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ،يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ؟ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ؟ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ؟ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) (النحل 58، 59).
كما ذكر القرآن التشنيع على ظاهرة وأد البنات في أهوال يوم القيامة، وذلك للتحذير من اقتراف هذه الجريمة: (وَإِذَا الْمَْوؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) (التكوير 8، 9) ،و في شأن الأولاد عموما جاءت الآيات التالية:
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَها بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) (الأنعام 140).
(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (الأنعام 151).
(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءا كَبِيرا) (الإسراء31).
تهيئة المناخ للذرية
ويعلق د. المطعني قائلا هذه الإجراءات حاط بها القرآن الذرية (بنات وبنين) قبل أن يولدوا أو بعد ولادتهم بقليل، وفى ذلك تهيئة للمناخ الآمن الذي ينتظر الذرية، لم نجد في ذلك تمييزا بين ذكر وأنثى، فهم كلهم هبات من عند الله الوهاب، وبذلك قضى الإسلام على الأعراف الجاهلة، والثقافات العقيمة التي كانت وراء هذه الحماقات في العصر الجاهلي، مثل قولهم: «قَتلُ البنات من المكرمات، برُّهُنَّ سَرقَِة، ونَصرهْنَّ صراخ»، يعنى أن البنت تسرق من بيت زوجها إذا أرادت أن تبر أباها، وإذا وقع أبوها في خطر نصرته بالعويل والصراخ. لأنها لا تملك مالا تسخو به لأبيها ولا تملك سواعد قوية تدفع بها الشر عنه.
وكذلك قولهم:
لكل أبى بنت يراعى شئونها ثلاثة أصهار إذا حُمِد الصِّهرُ
فخدر يداريها، وزوج يصونها وقبر يواريها، وأفضلها القبرُ؟!
وهؤلاء الجاهلون كانوا يرون أن كل بنت تمر بواحد من ثلاثة أطوار، الأول: الطفولة في بيت أبيها ، الثاني: الانتقال إلى بيت زوجها، الثالث: الموت، الذي هو مصير كل مخلوق حي.
البنت إنسان
وأشار الأستاذ بجامعة الأزهر إلي أن النظرة الجاهلية كانت تفضِّل الموت على ما عداه من الطفولة، وعلى الزواج ، وهذه نظرة فيها امتداد إلى ظاهرة «الوأد المبكر»، فجاء الإسلام وانتشل «البنت» منذ نعومة أظفارها من هذه الحماقات السخيفة، والتصرفات المرذولة، وبوأها مكانا عليا في الحياة، لأنها «إنسان» فتكريمها تكريم لمعنى «الإنسانية» وهو الأمر الذي شرعه الله، ولم يفرق فيه بين ذكر وأنثى، كما قال رسول الله: («كلكم لآدم، وآدم من تراب».
وقال لقد واكبت السنة الكتاب العزيز في النهى عن الإساءة إلى البنت ووجوب حسن الرعاية لها، والنهى عن التفرقة بين الذكور والإناث، فقد روت عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت امرأة علىَّ ومعها بنتان لها، تسألني الإحسان فلم أجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل هي منها، فلما انصرفت أخبرت رسول الله) فقال: «من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن لهن كن له سترا من النار». (رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة).
وقال: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يؤثر عليها ولده (يعنى الذكر) أدخله الله الجنة» رواه أبو داود والحاكم وصححه.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: «من كن له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة» (رواه الإمام أحمد بإسناد جيد).
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن ( يعنى على مشقة تربيتهن) وضرائهن وسرائهن أدخله الله الجنة برحمته إياهن». فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟ فقال:
«واثنتان». فقال رجل: وواحدة؟ فقال: «وواحدة». (رواه الترمذي).
هذا، وقد روى أن رسول الله (دخل عليه أوس بن ساعدة الأنصاري، وقد ظهرت على وجه أوس كراهية شديدة، فقال له: «ما هذه الكراهية التي أراها في وجهك يا أوس»؟ قال: يا رسول الله إن لي بنات وأنا أدعو عليهن بالموت؟ فقال: «لا تدعُ، فإن البركة في البنات» (أسد الغابة حديث رقم: 303).
و يعلق قائلا : هذا الترغيب المتواتر في الكتاب والسنة في تربية البنات، و الحث على الإحسان إليهن، جاء تخطئة لكراهية البنات عند الحمقى من الآباء وبيانا لتكريم الله للبنات، وأكثر من هذا أن وائلة بن الأسقع روى عن رسول الله حديثا قال فيه: «من بركة المرأة (يعنى الزوجة) ابتكارها بالأنثى» يعنى أن يكون أول إنجاب لها أنثى.
مسؤولية الأسرة
وذكر د. المطعنى أن البنت في بيت أبيها تكون نفقتها على أبيها مع حسن الرعاية الصحية والخلقية والروحية وشدة الحفاظ عليها، مع تعليمها ما يناسب مواهبها واستعداداتها وتظل على هذه الحال حتى تتزوج ، وقد شرع الإسلام إجراءات حكيمة لإتمام مراسم زواجها تمكينا لاستمرار الحياة الزوجية، من ذلك أن يكون التقدم لخطبتها عن طريق الأسرة أو ولى الأمر، ولابد من رضاها بمن تقدم للزواج منها، ورضاه هو بها عن اقتناع ضمانا لدوام العشرة، ولا يجوز إجبارها على التزوج بمن لا تستريح إليه.
وقال : يجب على الأسرة أو ولى الأمر أن يقدم للبنت النصح الخالص والتوجيه السديد، ثم يتركها وشأنها دون إكراهها على الزواج بسلطان الأبوة أو الولاية مطلقا، وزيادة في حياطة البنت والحفاظ عليها اشترط الإسلام إتمام مراسم الزواج في «مجلس عقد النكاح» وحضور ولى أمرها والشهود العدول، وأقلهم اثنان، وأباح شهر الزواج بالغناء البريء والضرب فيه بالدفوف ليذيع أمر الزواج ويشتهر بين الناس ليعلموا أن علاقة شرعية موثقة بين العاقد والمعقود عليها حدثت كما قرر الإسلام بذل الصداق لها (المهر) يدفعه الزوج لها عن طيب نفس، وهو هدية بمناسبة بنائه بها زوجا له وأُما لأبنائه منها، وهو دليل على صدق تقدمه للزواج منها، ولذلك سمى «المهر» صداقا مشتقا من صدق الرغبة في اختيارها والركون إليها.
الرفض والقبول
ومن حقوقها المرعية في الإسلام أشار د. المطعني إلى أنها هي صاحبة الأمر في القبول والرفض لمن يتقدم لخطبتها، وليس لأحد - ولو كان أباها - إجبار ابنته على الزواج ممن لا ترغب هي فيه ، وقد أجاز رسول الله)، رفض إحدى البنات الزواج من ابن عمها الذي لا تحبه، وكان أبوها قد أمرها بقبول الزواج منه، وبعد أن أجاز الرسول رفضها قالت: «لقد أجزت رغبة أبى ولكنى أردت أن أبين للنساء أن الآباء ليس لهم في هذا الأمر شيء»، وأصل القصة في البخاري، وقد وردت بضعة أحاديث في استئذان المخطوبة وإبداء رأيها في خاطبها.
منها حديث: «لا تنكح الأيم (يعنى الثيب) حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن»، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال (: «أن تسكت».
(رواه الإمام مسلم جـ 9، ص 202)، وفى رواية ابن عباس: «... وأذنها صماتها».
وحول الحكمة من حضور ولى الأمر ورضاه في مجلس عقد النكاح، الذي ورد فيه الحديث الشريف: «أيما امرأة نكحت (يعنى تزوجت) بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل». (رواه أهل السنن مرفوعا، من طريق عائشة رضي الله عنها وحسنه الترمذي) وله نظائر تتفق معه في المعنى، وتختلف في الألفاظ ، قال د. المطعني إن الحكمة الشرعية من اشتراط إذن ولى الأمر وحضوره مجلس العقد هو حماية البنت من الانخداع لأنها لو انفردت فتزوجت من تشاء فقد ترى فيه ما يعجبها من حيث الظاهر: من الغنى وكثرة المال، أو الجمال وفرط القوة، أو الجاه والسلطان.
أو تتزوج لمجرد استهواء عاطفي، ثم يظهر لها بعد الزواج ما لم يكن في الحسبان، وسرعان ما تنقلب سعادتها إلى شقاء وتعاسة، فتندم ولات ساعة مندم، لأنه قد فات الأوان ، من أجل هذا، وحفاظا على مصلحتها اشترط الإسلام أن يتم الزواج بمشورة الأسرة والتأكد من صلاحية الخاطب ، غير أن الإمام أبا حنيفة أباح للعاقلة الرشيدة العارفة بما يصلح وما لا يصلح من المتقدمين للزواج منها ؛ أباح لها أن تتزوج بلا ولى أمر حتى لو كانت بكرا لم يسبق لها زواج ، كما أباح ذلك للثيب التي سبق لها الزواج، لأنها اكتسبت خبرة في شئون الحياة الزوجية.
وأكد أن اشتراط إذن ولى الأمر في تزويج الفتاة ليس المراد منه الحجر عليها، أو تقييد حريتها، كما يفهم بعض الكارهين لما أنزل الله، والإسلام قد شرع المشورة في كل مهم ذي بال. ومن أكثر الأمور احتياجا للمشورة وتقليب الرأي هو إنشاء الأسرة واختيار شريكة الحياة، وأم البنين والبنات ، لذلك كان الإسلام حريصا كل الحرص على تأمين حياة المرأة أو بتعبير أصح «الفتاة» قبل أن تخرج من بيت أهلها، إلى بيت لم تألفه من قبل، وقرين لم تخالطه من قبل، وكما ورد: «لا خاب من استخار، ولا ندم من استشار». |