العالمية - ربيع أول - 1426 هجرية - ابريل2005 م - العدد (180) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

من كلام الأئمة الإعلام
متى يفتقر التجار؟

 

كان حماد بن زيد رحمه الله تعالى - يقول: ما افتقر تاجر قط إلا بوقوعه في شيء من هذه الخصال، وهي: اللغو، والكذب، والحلف، والغل، والخيانة، والحسد، وتفويت صلاة الجماعة، ومجالس العلم، وإتباع الشهوات الدنيوية.

عندما وقفت على قول حماد هذا - رحمة الله عليه - قلت في نفسي إنها بحق أشهر الخلال الذميمة، التي يتعرض لها من يخالط التجارة، ويلازم الأسواق!

وكل خلة مما ذكر يبرز فيها كثير من تجار هذا الزمان، ويضربون فيها أعجب القصص وأغربها!

فاللغو متفش وظاهر في المجالس لما اشترى فلان وفلان، وكم ربح، ومن توكل لهذا ومن استأجر وكم استأجر وإلى غير ذلك مما تضيع به جل ساعات مجالسهم دون مغنم نافع في أجلهم.

وأما الكذب فحدث ولا حرج - كما يقولون - من قوله صنع البلد الفلاني ليرفع السعر، أو وقفت علي بكذا، أو هو جديد، أو هذا الرائج الآن، أو لا يقصر إن غسل إلى غير ذلك وهو في كل ما مضى غير صادق!!

وأما الحلف فإنه من أبشع خلال التجار وقد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الذين ينفقون سلعهم بالحلف الكاذب بأن هذا سيمحق بركة بيعهم، فما نفع تنفيق السلع، ومحق بركتها؟! تعالوا يا من يحلف على أتفه سلعة لهذا الحقير من المال يهون عليك اسم ربك العظيم الكبير الجليل الجبار القهار الذي بيده كل شيء وهو قادر على كل شي؟!!

ومما ذكر عن سيدنا الإمام أبي حنيفة النعمان - رضي الله عنه - أنه كان يتصدق بدينار عن كل يمين يحلف به، ومعلوم أنه لا يحلف إلا صادقاً، وما ذاك منه إلا لتعظيم اسمه - جل جلاله -!

وأما عن الغل والحقد والحسد فشيء شائع عند أرباب الدنيا، عند المتعشقين للدينار، بل لعبّاد الدنانير!

أليس قال - صلى الله عليه وسلم -: تعس عبد الدينار!!

تعال يا أيها التاجر الذي يغلي قلبك على فلان أو فلان كيف أنه بدأ ببناء مجمعه الثاني أو الثالث مع أنه لم يشتغل بالتجارة إلا العام الماضي أو الذي قبله، لو لم تكن من عشاق الدنيا أكان سيشغلك هذا أو ذاك؟!

وأنت خلقك الله تعالى حتى تتابع فلانا ماذا بنى؟! وفلاناً ماذا يبيع؟! وفلاناً ماذا يستأجر!!

هب أنك أقدم منه شهرة في السوق. أكان سيأتيه شيء من الأرزاق لم يكتبه الله له؟!

ويحك أتدري عندما تذكر عن حال هذا الذي وسع عليه عن قرب في حضرة ثلاثة أنك تتهم ربك بعدم الحكمة في حضرة ثلاثة، وان كان في حضرة أربعة فأنت تشهد أربعة على أنك متهم لربك بعدم الحكمة، والعياذ بالله تعالى .. هكذا!!

وان من أهم ما ينبغي أن ينتبه له تجار اليوم هو تفويتهم لمجالس العلم، فما فاتهم ما فاتهم من الخير ومعرفة الأحكام، وما جعل الكثيرين يتهوكون بالحرام والمشبوه إلا بشؤم الإعراض عن العلم وعن مجالس العلماء!

وان من يدخل السوق ويتعامل بالصفقات التجارية المتنوعة، دون تبصر ومعرفة بالحلال والحرام الذي ينبغي معرفته في حقه، لابد وأن يخوض بالمحظور الذي لا يحل له شاء أم أبى!!

سلوا الذين لهم المبايعات والمتاجرات وهم بعيدون عن العلم وأهله كيف حال كسبهم؟!!

لقد كان التجار وإلى عهد قريب لهم حظوظ من مجالس العلم، فيؤمون - وبخاصة المساجد بين المغرب والعشاء - ويصفون ركبهم على العلماء!

لماذا هذه القطيعة؟ لماذا هذا الجفاء بين الأسواق والمساجد، وسيدنا عمر رضي الله عنه - ينهى التجار أن يدخلوا الأسواق دون نفقة؟! وهو القائل سوق المسلمين كمكان مصلاهم.

وأخيرا أهمس في أذن كل تاجر أو بائع أو غيره: صلاة واحدة تفوتك من اجل الدنيا أو شيء من حظوظها لا يعوضه شيء، لان الدنيا هذه متمحقة فانية. وصلاتك باقية خالدة!!