|
في مدينة الرياض بين حشد من كبار العلماء كان رحيل الداعية محمد الغزالي وهو في قمة عطائه الفكري والثقافي وتألقه العلمي، فشعر الحاضرون بعمق الخسارة الفكرية والثقافية لفقدان العقلية الإسلامية الكبرى التي تميَّزت بالعطاء الوافر في ميدان الدعوة والفكر الإسلامي.
كان يوم وفاته 9 مارس 1996م هو نفس يوم وفاة الشيخ جمال الدين الأفغاني 9 مارس 1897م، وعندما مُنح جائزة الملك فيصل العالمية 1409 هجرية في خدمة الإسلام وجاءه المهنِّئون قال: «أرجو أن تكون هذه الجائزة عاجل بشرى المؤمن»، وقال في نهاية شهادته على العصر للأستاذ عمر بطيشة في برنامجه الإذاعي الشهير: «لو بدأت حياتي ما بدأتها بمثل ما اختاره الله لي.. أشعر بأن ما اختاره الله لي أفضل مما يمكن أن أختاره لنفسي؛ ولذلك أنا مستريح لما وقع منذ البدء إلى النهاية، منذ الميلاد إلى يومنا هذا إلى أن يأذن الله بالرحيل عن الحياة».
فرحل عنا راضيًا عن نفسه وعن قدره.. نحسب المولى- عز وجل- راضيا عنه، بعد أن خلف وراءَه علمًا نافعًا يملأ الأرض، وما بين الميلاد والرحيل كانت رحلةُ حياة محمد الغزالي السقَّا بدأها في 22 سبتمبر 1917م في قرية نكلا العنب بمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وهي قرية لها تاريخ طيب، خرج منها المجاهد الشاعر محمود سامي البارودي، كما أن منطقة إيتاي البارود تخرَّج منها الشيخ تميم البشري، والشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ محمد عبده، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد البهي، والشيخ محمد المدني، والدكتور عبد العزيز عيسى، والشيخ عبد الله المشد.
وكان كتَّاب القرية هو المرحلة الأولى في تعليمه، والتحق بمعهد الإسكندرية الابتدائي، ثم الكفاءة، ثم الثانوية، ثم أصول الدين عام 1937م، وتخصص في الدعوة، ونال درجة التخصص في التدريس، وهي تعادل درجة الماجستير من كلية اللغة العربية عام 1943م، وبدأ حياته العملية باتصاله بالإمام الشهيد حسن البنا (صانع الرجال) ومبايعته على العمل في خدمة الإسلام ونشر دعوته، وجمْع الأمة على كلمته، ومحاربة كل من يتعرض له بالإساءة، وظل وفيًّا لهذا العهد وفيًّا لبيعته حتى لقيَ ربه.
عمل في وزارة الأوقاف مع الشيخ الباقوري والبهي الخولي والسيد سابق، ورأَس المجلس العالمي بالجامعة الإسلامية بالجزائر، وحصل على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1988م وعام 1995م وجائزة الملك فيصل عام 1989م وجائزة وسام الامتياز من باكستان، وكان داعيًا ومربيًا ومفكرًا وواعظًا وكاتبًا بمعنى الكلمة، وفتح الله عليه في كل الأمور التي تناولها في مجال الفكر الإسلامي، وكان يقول: «نحن أبناء دين يقوم على الثقافة الواسعة والعلم الدقيق والقدرة الهائلة على إقناع الخصوم».
كان أمةً وحدَه، يجمع بين صفات العالم العامل، وقلما تجد عالمًا مسلمًا على ظهر الأرض لم يتأثر بفضيلة الشيخ محمد الغزالي في فكره وشخصه وأساليبه التربوية والدعوية، كتب في السيرة وعلوم القرآن والعلوم الاقتصادية والعلوم الإجتماعية، فتجد موسوعيةً وشمولاً في فكره، وأنا طالب في الابتدائية قرأتُ كتبًا كثيرةً لهذا الإمام، منها- على سبيل المثال- (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) و(ظلام من الغرب)، وكنت أتابعه في خطبه وأحاديثه ومحاضراته في جمعية الشبان، ودرَّس لنا في أصول الدين كتاب (هذا ديننا).
ومن العجيب أنه على كثرة كتبه كان له خطَّان واضحان: خط من القرآن، وخط من السنة المطهرة.. حتى وهو يتكلم في الاقتصاد يتبعه مستشهدًا بالكتاب والسنة، حتى في كتابه عن (القومية العربية) كان يركِّز على أنها لم تقم إلا على أساس الدين، ويقول: «إن العرب ما جمعهم إلا الدين، وينبغي أن يقال الوحدة الدينية القومية للعرب»، وتابع التأليف إلى آخر رمق في حياته، وكتب بداية موسوعته التي مات عنها ولم يتمها (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)، ولقد قرأت هذا الكتاب الذي يعد موسوعةً تفسيريةً، فوجدت عجبًا.. فالرجل يوضح لنا المعاني والخطوط التي ينبغي أن يسلكها المفسر، وفي نفس الوقت يوصل لنا رسالةً خلاصتها أنه هكذا ينبغي أن يُقرأ القرآن، فهو يربط الآية بسابقتها ولاحقتها ويفسرها في بيئتها، وينظر للسورة من أولها إلى آخرها، ويُخرج المعاني مؤتلفةً في السورة كلها.
ولقد سلك هذا المسلك من قبله أئمة، ولكنه يتميز بعذوبة الأسلوب ويُسْره، أو ما يطلق عليه السهل الممتنع، وتجد التفسير يظهر واضحًا كذلك في كتبه (المحاور الخمسة في القرآن الكريم) و(هذا ديننا) و(العقيدة) و(نظرات في القرآن)، ورجل أوتي هذا الفهم في القرآن لا بد أنه كان لله عابداً، وكان لله جندياً، كثيرَ البكاء إذا استمع للقرآن من غيره؛ ولذا أنصح كل المسلمين بإعادة النظر في كتبه وقراءتها والاستفادة منها، لا سيما كل من يتصدى للدعوة الإسلامية.
لقد كان أحد القلائل الذين تمكنوا من ناصية الدين عقيدة وشريعة وأخلاقاً، استوعب قضايا عصره، فكتب عن الاستبداد السياسي وحقوق الإنسان، وأظهر أحقاد وأطماع الاستعمار، وتحمَّل البأساء والشدة؛ شأن المصلحين.. كان صاحب دعابة لاذعة، ذات يوم وهو يلقي درسًا سمع رجلاً ينادي ويقول: طفل تائه يا أولاد الحلال.. فقال: أحرى بهذا الرجل أن يقول: أمة تائهة يا أولاد الحلال..!!
جاهد طويلاً في مقاومة الاتجاه العلماني والمادي ووقف ضد الزحف التنصيري، مناصرا للحق ملتزما به، لا تأخذه في الله لومة لائم، كان شهما بمعنى الكلمة، صادقا مع نفسه، صادقًا مع الناس، صادقًا مع مولاه.. هيأه الله- عز وجل- لأن يكون داعية مؤثرا في هذا العصر الذي يموج بالفتن، وكان أبعد ما يكون عن النفاق.. كان يتعامل مع الله فيما يقول وفيما يفعل، فكانت كلماته تخرج من قلبه إلى قلوب المستمعين، وتحلَّى بفضيلتين قرآنيتين، هما الموعظة الحسنة والحكمة، وهذا يظهر لنا في كل كلمة قالها فسمعناها أو كتبها فقرأناها، يوصل الفكرة إلى الجمهور في أسلوب طيب خالٍ من الغموض مغلف بهالة من خلق الإخلاص الذي يتمتع به.
اجتهاداته كثيرة ومنتشرة في أحاديثه وكتبه، وله إضافات إلى ما كتبه علماء التفسير قديمًا وحديثًا، ففي سورة الأعراف اختلف العلماء من هم أصحاب الأعراف؟! والرأي الغالب عندهم أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فليسوا من أصحاب النار وليسوا من أصحاب الجنة، ويؤجل البتُّ في أمرهم حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.. لكن الغزالي اقترح علينا فكرةً تتلقفها القلوب في شوق كبير وقال: إن الذين تستوي حسناتهم وسيئاتهم لا يمكن أن يكونوا أصحاب هذا الفضل العظيم يوم القيامة؛ إذ ينادون أهل الجنة فهذه منزلة عليا؛ ولذلك رفض أن تكون هذه المنزلة لمن استوت حسناته وسيئاته، وإن كان الغالب أن يكونوا من أهل الجنة لأن الله غفور رحيم.. ورأى أن هؤلاء هم الأنبياء والرسل والشهداء والمخلصون الذين يدخلون الجنة بغير حساب.. رحمه الله رحمة واسعة وعوضنا به خيرا.
في ذكرى الإمام الغزالي يرحمه الله
بقلم: أدهم باشيشش
في إحدى مراحل الحرب العدوانية المتعددة الجوانب على بلادي البوسنة كنت موجوداً في القاهرة قوة التضامن الشعبي مع البوسنة قوة هائلة. كنت اعمل في سبيل
إبراز الحقيقة لما يحدث في يوغسلافيا السابقة التي كانت صديق مخلصة لمصر (تيتو - عبدالناصر)، كنت اشرح في وسائل
الإعلام بان يوغسلافيا تيتو كانت دولة السلام - اشتراكية وان يوغسلافيا ميلوسينفتش دولة الفاشية النازية
والإرهابية والعنصرية هدفها إبادة المسلمين إبادة كاملة. كان الشعب المصري والمسؤولون المصريون يثقون في شخصي المتواضع
لأنني كنت مسؤولاً رفيع المستوى في مكتب رؤساء يوغسلافيا السابقين كانوا يعرفونني لأني كنت
أيضا مترجماً خاصاً لهؤلاء الرؤساء - إي كنت شاهداً على العصر. كنت اظهر وأنا
أواجه دعابة ميلوسينفتش الكاذبة بأننا نحن في البوسنة وكروناتيا منسقون كنت اشعر بان الاستقلال مفروض عليها، وانه من الاستحالة مواصلة العيش في دولة ميلوسينفتش الفاشية ولهذه الدعاية الكاذبة كان لها اثر حتى في وسائل
الإعلام المصرية - لان الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي كان منحازاً كامل الانحياز ميلوسينفتش. دوره في البوسنة كان
إجراميا وعارا لقد أكد على ذلك الرئيس كلينتون في كتابه حياتي. في مثل هذا الجو كنت في القاهرة في مرحلة
إيجاد التضامن مع أبطال معركة بخاتش تلك المدينة البطلة الواقعة في أقصى شمال غرب البلاد، كان الشتاء القارس والمدينة محاصرة من دبابات وصواريخ الجيش اليوغسلافي والمتعصبين الصرب وقوات توجمان رئيس كرواتيا وقوات المرتد المنشق البوسني فكرت عبديتس الحصار مثلث في داخل المدينة كان الناس وهم يدافعون عن
أنفسهم يموتون قتلاً وجوعاً وبرداً ... أن معركة بخاتش معركة تاريخية وهي أنبل المعارك في تاريخ البشرية ...
أنها دليل راسخ على الآية كم من فئة قليلة غلبت على فئة كثيرة ...
بسبب هذا الظلم، بسبب تعاون بطرس غالي على قتل المدينة بدلاً أن يحميها وهو على قمة هرم
الأمم المتحدة وهو قادم من مصر من المجتمع التسامحي مثل البوسنة (لو لم يكن متسامحاً لما صار بطرس
الأمين العام ... وبسبب حظر تسليح المقاتلين البوسنيين وبسبب عدم ردع العالم الاعتداء على البوسنة التي دام 4 سنوات .. ومن اجل هذه
الأسباب الجملة لكن غضب الشارع المصري كان متراكما وخطيراً.
في مثل هذه الأجواء عملنا في إحدى القاعات الواسعة بمناسبة التضامن المصري مع
أبطال معركة بخاتش، حضر كبار الشخصيات الحزبية والسياسية والنخبة الإعلامية بينهم العلامة
الإمام الغزالي الموقر كان لي شرف علاقة الأمجاد والصداقة مع هذا العالم العظيم كان وهن الشيخوخة يظهر عليه، كانت خطواته بطيئة ولكنها كانت في غاية الوقار. لقد كان رحمة الله في تلك القاعة المليئة (سردين) الساخنة - لقد كان بدراً يشرق علينا جميعاً، لقد رجوت من سماحته تقديراً له وتوجيهاً لسائر المتكلمين بان يكون
أول المتكلمين، ولكنه رفض وهو يداعب ابني الصغير الذي كان يحبه حب الجد وطلب أن يكون خاتماً في المناسبة.
تكلم المتكلمون الكثيرون والانفعال والغصب والعواطف مسيطرة عليهم لكنهم كانوا يصبوا نار الغضب على التعّصب الصربي والكرواتي،
أنهم مجرمون كفار، ظالمين والمجتمع الدولي لا يساند البوسنة لان فيها إبادة المسلمين ... في الختام يمكن القول بان
أصحاب الخطب هؤلاء قضوا بنارهم هذه على كل المعتدين ... حتى قام في الأجواء المستقلة هذه الامام الغزالي، قام وهو يصعد صعوداً بطيئاً متكئا علينا نحن قام وهو صاعد والجمهور كان يصفق تصفيقاً عظيماً فيه قوة التقدير والاحترام فيه
أمل، فيه إيمان ينادي إلى الإيمان والصراط المستقيم، فيه أمل لإخوانهم أبطال البوسنة .. جلس شيخنا الوقور محاولاً تهدئة نار التصفيق، كلما حاول بيده تهدئة الجمهور ويشتد التصفيق ... بعد عملية التهدئة الطويلة في عيون الناس ودموع الاحترام
والأمل ... تكلم الامام كلاماً قصيراً ولكنه عميق العتاب لنا جميعاً كي ننس كلماته هذه المعبرة مادامت حياً كتبت عنها في مجلات وصحف بلادي، قال بلهجته المصرية السلسلة، قال:
إخواني، إخواني لقد تراكم سنوات عمري وكبرها ويعني عز وجل علماً قليلاً وخبرة غنية، ولكن اليوم في هذا المكان في هذه القاعة يحدث شيء غريب،
لأول مرة إنا لا افهم حاجة للامكم كله بهدر الوقت الغالي، إخوانكم في البوسنة يموتون موت الأبطال وانتم تنظرون
أصحاب النظريات كل الذي قلتم اليوم هو وصف المرض ولا احد قدم لنا علاجاً ودواءً كل الذي قلتم هو بدهي معروف
إني حزين عليكم وعلينا جميعاً، أن في مثل هذا التصرف لا أرى تفاؤلاً أرى نفق الظلام ...
أن هؤلاء الصرب المتعصبين ومن يساندهم يقتلون بأبشع القتل أبرياء البوسنة ليس المسلمين فيها فقط بل يقتلون الصرب المعتدلين .. يقتلون كل من لا ينضم
إليهم .. لم اسمع اليوم احداً تساءل لماذا وهم عبر كل هذه السنوات يعمقون إجرامهم يتلذوون في ذبح
الأطفال واغتصاب حتى طفلات المسلمات (وهن الآن)، انتم اليوم كلكم وصفتم الإجرام كيف يجري ولا احد لم يتساءل لماذا.
ما هي أسباب هذا المرض الجاهلي إلى الأسباب أيها الإخوان لا تكمن فيهم بل هذه
الأسباب مكمنه فينا نحن المسلمين هم كذا لأننا نحن سبب.
هم نتيجة نحن في غفلة أننا لم نتعلم من سيرة النبي محمد عليه السلام كيف كان يحول المشتركين
إلى أسمى الناس كيف كان يحول خلافات بعصر الجاهلية إلى نور الحضارة ورقي الإنسان
أيا كان دينه لو كان المسلمون حقيقيين لعلموا الصرب وساعدوهم بأقوالهم وأفعالهم أن يتحرروا من جاهليتهم وحياتهم
الإجرامية .. أنا اليوم زعلان جداً وحزين حزناً عميقا أدعو الله تعالى أن يمكننا بأن نكون قادرين على
الإلهام من ينابيع الامام الغزالي بان نعمل عملاً دؤباً في سبيل تعزيز القيم السامية لديننا الحنيف
لأنه لا سلام وامن واستقرار في عالمنا المعاصر بدون هذه القيم التي تعمق التسامح والمودة بين الناس كلهم
أيما كان لدينهم أن الإسلام خير السبيل في إزالة كافة أشكال الإرهاب العنف والكراهة الكافية. |