|
الإرهاب جريمة دولية خطيرة تدينها كافة الشرائح السماوية، وخاصة الشريعة
الإسلامية، كما تدينها القوانين الدولية والداخلية.
والشريعة الإسلامية تضع هذه الجريمة تحت مسمى «الحرابة» وتعاقب عليها بأشد العقوبات، كما تعطي
أقصى حماية للنفس البشرية، وتجعل قتل نفس واحدة بدون حق كقتل الناس جميعا.
والإرهاب هو فعل غير مشروع، يتمثل في العدوان على أشخاص، أو أموال،
أو أشياء، يقصد إشاعة جو من الخوف، والرعب في عقول الناس أو بين طائفة كبيرة منهم سواء على صعيد المجتمع الدولي
أو طوائف معينة من المجتمعات الداخلية.
ويؤكد العلماء والخبراء أن العمليات الإرهابية تدمر الانجازات الاقتصادية وآثارها لا تقل ضراوة عن الحروب.
ويحذرون من أن الإرهاب يستهدف إشاعة حالة من الفوضى الاقتصادية في البلاد ويهدد عمليات التنمية.
وشددوا على أن مخاطر اقتصادية فادحة تترتب على العمليات الإرهابية، حيث تضعف القوى البشرية ومن ثم يضعف
الإنتاج وتتراجع مكانة المجتمع بين مختلف الأمم.
وفي هذا التحقيق يتناول عدد من علماء الاقتصاد الإسلامي مخاطر
الإرهاب على الاقتصاد الوطني، وآثاره في إعاقة خطط التنمية.
بداية يقول الدكتور شوقي الفنجري أستاذ الاقتصاد الإسلامي وعضو مجمع البحوث
الإسلامية: أن الإرهاب يشيع حالة من الفوضى في البلاد، ولان التنمية لا يمكن أن تحدث دون استقرار،
إذن فحيث يوجد الإرهاب لا توجد تنمية، فلا تنمية بدون استقرار، وكذلك يؤدي إلى هروب الاستثمارات
الأجنبية، وامتناع القطاع الخاص عن استثمار أمواله خشية الإضرار بمشروعاته.
فالإرهاب يؤثر على كل أوجه الاقتصاد، فلا يمكن تصور تحقيق التنمية، وزيادة رؤوس
الأموال المستثمرة، وكذلك المعاملات التجارية بين البلاد بعضها البعض بدون استقرار.
ومن هذا المنطلق يسعى من يقومون بهذه العمليات الإرهابية للتأثير بكافة
الإشكال السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، للوصول إلى مسعاهم.
ولابد من التعاون حتى نتمكن من السيطرة على هذه العمليات الإرهابية لتوفير
الأمن والاستقرار للجميع، وان تتعاون الأمة جاهدة لتحقيق هذا الاستقرار، ومحاربة
الإرهاب والفساد الذي يضر الاقتصاد وربما وضعه في ورطة كبيرة.
ومن ثم نجد الأمن والاستقرار السبيل الوحيد لحدوث التنمية التي تسعى
إليها معظم البلاد العربية، فلا يمكن تحقيق هذه التنمية إلا في وجود مناخ استثماري آمن، ومستقر، حتى لا تتزعزع ثقة المستثمرين في البلد المستثمر فيه
أموالهم.
تهديد بنية المجتمع
ويحذر الدكتور محمد موسمى عثمان أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر من
أن الإرهاب ظاهرة تهدد المجتمع في البنية الداخلية، والاقتصاد الوطني، والأمن الاجتماعي، والسياسي، وفي مكتسباته الثقافية والفكرية.
وهذا معناه أن العمليات الإرهابية تعد ضربا للانجازات الاقتصادية، والمادية، وهي لا تقل ضراوة عن
إي حرب، وللأسف الشديد أن الإرهاب اشد ضراوة، لان العدو فيها ليس معروفا، وهو في الحقيقة ابن الوطن، كما
أننا لم نتوقع منه ذلك.
وهذا خطر يؤدي إلى زعزعة الثقة في الوطن، ويعتبر مأساة إنسانية، وثقافية، وحضارية، وكارثة اقتصادية، وسياسية، ويقتضي ذلك من كل العلماء، والمؤسسات الاجتماعية، والدينية
أن تتضافر، وتهتم بالقضاء على هذه المشكلة، فالإرهاب يمثل فكرا سقيما، يبتعد تماما عن صحيح الدين
الإسلامي، لان الإسلام لا يقر الإرهاب، والتطرف، والعنف، فأهم سمات هذا الدين المحبة، والرحمة، والتسامح، والعلو.
ويري الدكتور موسى عثمان أن الإرهاب يترتب عليه مخاطر اقتصادية فادحة، وهي تدمير القوى البشرية الموجودة في الوطن الذي حدث فيه
الإرهاب، ولان أهم شيء يؤدي إلى نمو إي بلد هو الثروة البشرية، فلابد من الحفاظ على هذه الثروة، لان المتوفي في
إي عملية إرهابية قد يكون عنصرا فعالا من هذه الثروة، والذي لم يتوف يمكن أن يصاب بعجز يفقده فاعليته، ولا يمكن
أن تقوم نهضة، ولن تقوم بدون الثروة البشرية.
والإرهاب يؤدي إلى تدمير منشآت حيوية، وتكون آثار تدمير هذه المنشآت الحيوية سلبية على الاقتصاد الوطني، لان الدولة ستعيد بناء هذه المنشآت مرة ثانية، وربما تكون تكاليف البناء للمرة الثانية
أضعاف ما كانت قد تكلفته هذه المباني في المرة الأولى، ولهذا فيعد ذلك ضمن رأس المال المعطل، والتي يمكن
أن تستفيد منه الدولة في مشروعات أخرى ترفع من شأن الأمة. كما أن الإرهاب يؤدي إلى نفس الآثار التي تؤديها الحروب، وهي كارثة اقتصادية.
إما بالنسبة للتنمية فالإرهاب يؤدي إلى عدم إنشاء مشروعات تنموية جديدة، وانخفاض معدلات التنمية،
وإعاقة النمو في البلد التي يحدث فيها الإرهاب، ويضعف الهيكل الاقتصادي في البلد، والمقصود بالهيكل الاقتصادي، القطاعات المكونة له، مثل قطاع الزراعة، والتجارة، والنقل، وغيرهم.
ولو أن هناك تنمية فسوف تنهار بفعل الإرهاب، فهو يفعل مثلما تفعله الحرب تماما،
لأنه عندما يحدث انهيار للاقتصاد سوف يؤدي ذلك إلى الاقتراض من الخارج، وأيضا زيادة المعونات
أن كانت الدولة التي حدث فيها الإرهاب من الدول التي تحصل على المعونات الخارجية، وان لم تكن تحصل عليها،
أو دولة غنية، فسوف تلجأ للاقتراض، أو الحصول عليها، ثم تستقطع هذه الدولة هذه
الأموال عن طريق الضرائب، ولهذا فهناك ضرورة للبحث عن علاج لهذه المشكلة، حتى لا يتم تعطيل التنمية في الوطن العربي، فلابد من العمل على
إعادة بناء الإنسان المسلم، وان تتضافر جهود أجهزة الأمة للتوعية بمخاطر الإرهاب السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
الاستقرار الأمني
ويجزم الدكتور اسماعيل شلبي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بأن
الإرهاب يؤثر تأثيرا سلبيا على الاستثمار، وكذلك خطط التنمية، لأنه من الشروط المهمة لتوفير مناخ استثماري جيد توفير
الأمن والأمان، فلا يمكن لأحد أن يستثمر أمواله في جو يسوده الإرهاب، وعدم الاستقرار
الأمني، وحتما سوف يهرب بأمواله، ويمكن أن يلجأ للاستثمار في مكان آخر، وربما يكون العائد الذي يحصل عليه فيها اقل بكثير، ولكنها آمنة.
ولهذا فان جذب رؤوس الأموال الخارجية للاستثمار الداخلي أو المحلي يتطلب
أن يكون المناخ الاستثماري مهيأ لعمل هذه الاستثمارات، وأيضا لتحقيق خطط التنمية داخل الوطن، وحتى يكون المناخ مناسبا لجذب الاستثمار، وتنفيذ خط التنمية، لابد
أن يتوفر الاستقرار الأمني، والسياسي، والاجتماعي، لأنه ليس من الطبيعي أن يعمل عامل وسط مدافع ونيران العمليات
الإرهابية، وعندما يفر هاربا .. نسأله لماذا تهرب، فربما يستطيع القيام بعمله، وزيادة
الإنتاج الذي ينتجه مثلا، مقابل اجر بسيط، ولكنه في جو يسوده الأمن والاستقرار.
أن الشعور بالأمان عامل قوي، ومهم للغاية في زيادة الطاقة
الإنتاجية لدي العمال، وأيضا لدي الدول، فلو فرضنا أن هناك دولة خارجية تقوم باستثمار معين، والعائد من هذا الاستثمار بسيط للغاية، ولكن هناك حالة من الاستقرار الاجتماعي، والاقتصادي،
والأمني .. ما الذي يمنعها من الاستمرار؟ أظن انه لا شيء على الإطلاق، وربما يأتي غيره للاستثمار مثلها. وهو ما يؤدي
إلى إنعاش الاقتصاد الوطني، والأسواق المحلية، لان حالة الأمن التي تشهدها هذه البلدة الآمنة، تجعل الجميع يفكرون في الاستثمار، وان كان ذلك بعائد قليل.
ولكن في ظل استقرار يعطيهم الثقة في شعورهم بالأمان، ودون خوف، وهو ما يؤكد
أن الاستثمار وخطط التنمية مهددة في ظل المخاطر التي تحملها العمليات الإرهابية، والاضطرابات.
أن الإرهاب يعد عامل من عوامل ضرب رؤوس الأموال والاستثمار، وما يعود على المواطنين بخسائر
أكثر بكثير مما يعود على الدولة، فالمتأثر في البداية والنهاية هو العامل والمنتج، وهي مشكلة كبيرة تحتاج للقضاء عليها.
الاقتصاد عصب الحياة
ويؤكد الدكتور محمود السيد داود أستاذ القانون الدولي بكلية الشريعة والقانون بجامعة
الأزهر أن من أهم آثار الإعمال الإرهابية التي تعوق تقدم الدول والجماعات الآثار الاقتصادية، انطلاقا من
أن الاقتصاد هو عصب الحياة، وهو العامل الهام وراء إي تقدم أو تطور على المستوى المحلي،
أو المستوي الدولي.
ونلمس خطورة هذه الآثار الاقتصادية للإرهاب من التركيز عليها في آية الحرابة، والتي تعالج اشد صور
الإرهاب، وأكثرها ضررا، وذلك في قوله تعالى: «ويسعون في الأرض فسادا»، والسعي في
الأرض بالفساد يتناول أولا الإفساد المادي، أو الإفساد الاقتصادي، مثل ضرب المرافق العامة،
أو هدم شيء من أملاك الدولة وأبنيتها.
وكذلك هدم الأملاك الخاصة، أو ضرب الموارد الطبيعية، أو حتى إحداث الضرر بالبيئة بصفة عامة .. فكل هذه مخاطر اقتصادية
للإرهاب يمكن حدوثها أو توقعها.
وتتضح آثار الإرهاب الوخيمة في استهداف أشد الأماكن حساسية، وأعظم
الأشخاص أثرا، وذلك لان مرتكب هذه الإعمال لا يخاطر بنفسه أو بحياته من اجل تدمير مكان مهمل
أو قتل شخص لا وزن له، ولا اثر في تحقيق إغراضه، والوصول إلى أهدافه، بل يبحث عن
أكثر الأماكن حساسية، وأشدها ضررا، وأعمقها أثرا في الحياة المادية الاقتصادية، وهو ما حدث بالفعل في كل العمليات
الإرهابية داخليا، وخارجيا.
وهذا يدل ببساطة شديدة على أن الإعمال الإرهابية إنما تستهدف في المقام
الأول أكثر الأماكن حساسية، وأعظمها أثرا من الناحية الاقتصادية على وجه الخصوص، وكذلك تتضمن هذه
الإعمال الإرهابية معظم الأحوال التخريبية ماديا أو فسادا أو اقتصاديا، فلكي يضغط
الإرهابيون على الحكومات داخليا أو على المجتمع الدولي عالميا في تحقيق إغراض معينة
يلجئون إلى إحداث ضربات اقتصادية بالغة، وهزات مالية عنيفة تكون شديدة الأثر في
إحداث معوقات للتنمية في داخل الدولة أو خارجها، وذلك مما تشمله كلمة فساد الواردة في آية الحرابة، حيث
أنها جاءت نكرة لتشمل بعمومها كل ألوان الفساد على ظهر هذه الأرض، وأهمها هذا الفساد الاقتصادي، والمادي.
أن الإرهاب يعرقل خطط التنمية التي تعمل الدولة أو المجتمع الدولي على انجازها، وذلك
لأننا في هذا العصر الذي عرفت فيه قيمة التخطيط الاقتصادي، وأيدلوجيات التنمية تلجأ الدول
إلى وضع خطط معينة طويلة أو قصيرة الأجل للنهوض بالتنمية، ولرفع مستوى المعيشة الاقتصادي، وغيره على مستوى الدولة. |