العالمية - ربيع الثانى - 1426 هجرية - مايو2005 م - العدد (181) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه!
 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله، بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها، وخولكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما هو شأن نفقة الإنسان من مال غيره، إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم، فيما في أيديكم بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم، حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به.

إنها حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها .. وهي لفئة دقيقة، وهم يدعون إلى الإنفاق .. ومع الدعوة لمسة موحية، فهم لا ينفقون من عند أنفسهم، إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه!

فماذا هم قائلون حين يدعون إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه، ومما أعطاهم؟!

وفي نهنهة النفس عن الشح، والله هو المعطي، ولا نفاد لما عنده، فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء، وما في أيديهم رهن بعطاء الله؟!

ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء، ومن سماحة ورجاء، إنما يخاطبهم بمؤثر جديد يخجلهم من كرم الله، ويطمعهم في فضله!

(فالذين آمنوا منكم وانفقوا لهم أجر كبير)!

وبعد ذلك بآيتين نقرأ:

(وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير(10) من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم). (آية 10-11 سورة الحديد)

ويطالعنا الإنفاق في سبيل الله بعبارة تستفز النفوس، وأسلوب يحفز الهمم - كما جاء في المنار - ويبسط الأكف بالكرم:

(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً)!

فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة!

والوجه في اختيار هذا الأسلوب أن الدعوة إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس كثيرين، والرغبة فيه قليلة .. وفي مقدمة البذل الدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله!

والتعبير عن الإنفاق بالإقراض عادة جدير بأن يملك قلب المؤمن، ويحيط بشعوره، ويستغرق وجدانه، حتى يسهل عليه الخروج من كل ما يملك، ابتغاء مرضاة الله، وحياء منه، فكيف وقد وعد برده مضاعفاً أضعافاً كثيرة، ووعده الحق؟!

هذا التعبير بمثابة الهز والزلزال لقلوب المؤمنين، فقلب لا يلين له، ويندفع إلى البذل قلب لم يمسه الإيمان، ولم تصبه نفحة من نفحات الرحمن، قلب خاو من الخير، فائض بالخبث والشر!

ترى أي لطف يداني هذا اللطف من الله تعالى اللطيف بعباده؟!

وبعد ذلك بآيات نقرأ:

(إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم) (آية 18 سورة الحديد)

وبعد ذلك بآية نقرأ:

(اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (آية 20 سورة الحديد)

وهنا نبصر حقيقة الحياة الدنيا حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزن بميزان الآخرة!

وبخاصة حين نتصور الآيات التي سبقت في التحريض على الصدقات والإنفاق، وما يربط بينها من معالم هذا الدين!

ونبصر دحض سبب الشح، وأنه الحرص على استبقاء المال، لإنفاقه في لذائذ الحياة الدنيا، ونحن نذكر حقيقة هذه الحياة!

وقال تعالى (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين امنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (آية 21 سورة الحديد)

وهكذا يبصر المؤمن دعوة إلى السباق في ميدان السباق الحقيقي، للغاية العظمى التي تستحق السباق!

الغاية التي تنتهي إليها مصائرهم، وتلازمهم بعد ذلك في عالم البقاء!

السياق إلي ذلك الأفق .. إلى ذلك الهدف .. إلى ذلك الملك العريض في الجنة .. يبلغه كل من يريد ويعمل، ويسابق إليه كل من يشاء ويهتدي:

(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)!

ونبصر المؤمن ينظر من عل إلى حقارات الماديين وأطماعهم .. ويعاني من مقاومة الباطل وتشبثه بذلك الحقارات المادية الحيوانية .. وهو ثابت على البذل في السراء والضراء، لا تغيره السراء فتلهيه، ولا الضراء فتنسيه!

حقاً، إنه التحرر من الشح والحرص!

وهكذا يبقى صاحب العقيدة في أفق الحقيقة الكبيرة مستعلياً على واقع الحياة، مهما تضخم وامتد واستطال!

ويطالعنا قوله تعالى:
(إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم(36) إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغائكم(37) ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (آية 36-38 سورة محمد)

وهنا نبصر الإخبار مرة من بعد مرة عن الحياة الدنيا بأنها لعب ولهو على معنى التشبيه البليغ، شبهت أحوالها باللعب واللهو في عدم ترتب الفائدة عليها، لأنها فانية منقضية، والآخرة هي دار القرار!

حقاً، إنها لعب ولهو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى .. أما حين يعيش الإنسان فيها وفق منهج الله فإنها تكون - كما أسلفنا - مزرعة للآخرة:

(وان تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم)!

فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعباً ولهواً، ويطبعها بطابع الجد، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني إلى مستوى الحياة المباركة الطيبة!

ومن ثم لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعاً ولا مقطوعاً، حيث يكون الأجر الأوفى، في الدار الأبقى!

وإضافة الأموال إلى ضمير المخاطبين تفيد العموم، والمنفي سؤال إنفاق جميع الأموال، والكلام من نفي العموم، لا من عموم النفي، بقرينة السياق!

ويجوز أن يكون المعنى: لا يطالبكم بإعطاء مال لذاته، فإنه غني عنكم، وإنما يأمركم بإنفاق المال لصالحكم!

(إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم)!

وهذا تعليل لنفي سؤاله إياهم أموالهم، وقد بذلوا منها، فيسر الله عليهم بأن لم يسألهم زيادة على ذلك!

وتأتي المواجهة:

(ها انتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل)!

وهنا نبصر صورة وصفية لواقع الجماعة المسلمة، ولواقع الناس تجاه الدعوة إلى البذل في كل بيئة، فهي تقرر أن منهم من يبخل، ومعنى هذا أن هنالك من لا يبخلون بشيء، وقد كان هذا واقعاً سجلته الروايات الكثيرة الصادقة - كما سيأتي، وسجله القرآن في مواضع أخرى، وقد حقق الإسلام في هذا المجال مثلا تحسب من خوارق الأمثال في البذل والتضحية عن رضى وعن فرح بالبذل والعطاء!

(ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه)!

فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد .. يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون، فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور، فإذا بخلوا بالبذل، فإنما يبخلون على أنفسهم، وإنما يقللون من رصيدهم، وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم، وإنما يحرمونها بأيديهم!

أجل! فالله لا يطلب إليهم البذل، إلا وهو يريد لهم الخير، ويريد لهم الوفر، ويريد لهم الكنز والذخر، وما يناله شيء مما يبذلون، وما هو في حاجة إلى ما ينفقون!

(والله الغني وأنتم الفقراء)!

فهو الذي أعطاكم أموالكم .. وهو الذي يدخر لكم عنده ما تنفقونه منها، وهو الغني عما أعطاكم في الدنيا .. والغني عن أرصدتكم المذخورة في الأخرة .. وأنتم الفقراء في الدارين وفي الحالين!

أنتم الفقراء إلى رزقه في الدنيا!

وأنتم الفقراء إلى أجره في الآخرة!

ففيم البخل إذن، وفيم الشح؟

وكل ما في أيديكم، وكل ما ينالكم من أجر على ما تنفقون هو من عند الله، ومن فضل الله؟!

ورغب الذين القيمّ في فعل الخير والتصدق والإحسان والجهاد بالمال .. ولا يتم ذلك إلا بالكسب والادخار .. ولولا ذلك لفسدت الدنيا .. ومن ثم ينظر الاسلام الى الحياة الدنيا على انها مزرعة للآخر!

وفي الحياة ما تطيب به في حدود الكفاية، مع الاطمئنان الى قدر الله ورعايته وستره ورضاه، والفرح بالعمل الصالح، وآثاره في الضمير والحياة!

واذا كان المال عنصراً من عناصر الحياة، فان القليل منه يكفي حين يتصل الجنان بالرحمن، ويدرك المؤمن حقيقة الحياة، وان الموت حق قادم، والمصير جنة او نار!

وكثيراً ما تكون كثرة المال سبيلاً الى شقاء الانسان في جمعه من كل طريق .. ومن ثم يكون الانسان عبداً للمال .. ويكون العقاب في الآخر!

وهذا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، انه اخبره:

ان عمرو بن عوف الانصاري - وهو حليف لبني عامر بن لؤي، وكان شهد بدراً - اخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابا عبيدة بن الجراح الى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح اهل البحرين، وامر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم ابو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الانصار بقدوم ابي عبيدة، فوافقت صلاة الصبح، مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله على وسلم، حين رآهم، وقال:

«اظنكم قد سمعتم ان ابا عبيدة قد جاء بشيء»

قالوا: اجل يا رسول الله!، قال:

«فأبشروا، واملوا ما يسركم، فوالله! لا الفقر اخشى عليكم، ولكن اخشى عليكم ان تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما اهلكتهم».