العالمية - ربيع الثانى - 1426 هجرية - مايو2005 م - العدد (181) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

    

دراسات خيرية

 

الوقف الخيري أنموذج للتكافل الاجتماعي

دكتور/ خالد عبد الحكيم إسماعيل رضوان

 

الوقف على الذرية وعلى المحتاجين والمعوذين يعد أبرز المظاهر الدالة على توجهات الشرع الحنيف لتحقيق التكافل الاجتماعي، فالوقف يمثل نظاماً اجتماعياً تكافلياً، ذلك أنه يقوم أساساً على مبدأ القيم والأخلاق السامية التي جاء بها الإسلام وحث عليها، فهو ينظر إلى أفراد المجتمع الذين ينضوون تحت ظله بنظرة التكافل والحرص على رفاهيتهم ومتطلبات حياتهم بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية والنزعة المصلحية، فهو يغرس التكافل والتعاطف مع الآخرين، حتى ولو لم تكن بينهم معرفة سابقة أو علاقة شخصية ويجسد علاقة أفراد المجتمع ببعضهم في صورة علاقة أعضاء الجسد الواحد ببعضه، وهذا المفهوم التضامني ينبع من أصلين هما:

(أولاً) أن المال الله تعالى، والعباد مستخلفون فيه، كما قال تعالى: (وءاتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور33/)، وقوله (مما جعلكم مستحلفين) (الحديد7/).

(ثانياً) الدافع الإيماني والرغبة فيما عند الله تعالى من الآجر والثواب الدائم.

الوقف سمي وقفاً لما فيه من حبس المال على الجهة المعنية، فهو: تجسيد الأصل وتسبيل المنفعة (نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية ص253)

دلت السنة على مشروعية الوقف، فعن عبد ا لله بن عمر رضي الله عنهما، أن عمر أحب أرضاً من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله، إني أحببت أرضاً بخيبر، لم أحبب مالا - قط - أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها فتصدق بها عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقاً، غير متمول مالا (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف 982/2 رقم 2586). قال الإمام أحمد: «قد وقف أصحاب رسول الله [، وهو فيهم بالمدنية ظاهرة، فمن رد الوقف فإنما رد السنة (الزركشى: شرح مختصر الخرقي 270/4).

وجمهور الفقهاء يرى أن الوقف لازم بمجرد صدوره من الواقف، وليس له الرجوع فيه، ذلك أن النبي [ قال لعمر بن الخطاب] من وقفه: «لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب ولا يورث (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط من الوقف 982/2).

اتفق العلماء على انه يصح الوقف على الأولاد والأقارب، والفقراء والمساكين، وعلى سبل البر من بناء المساجد والقناطر، على كتب العلم والفقه والقرآن، والمقابر والساقايات، وسبيل لله وغيرها.

احتفلت أقوال العلماء في إذا بلغت أموال الوقف نصاب الزكاة، فهل تجب فيها الزكاة أم لا؟

على ثلاثة أقوال:

القول الأول: إن الوقف إذا كان على قوم بأعيانهم، فحصل من مال الوقف ما فيه النصاب، فقد وجبت زكاته. أما إذا كان الوقف على المساكين، فإنه لا زكاة عليهم فيما يحصل في أيديهم حتى لو بلغ النصاب بلا خلاف. وهذا مذهب الحنابلة وقول للشافعية (الندوي: المجموع شرح المهذب 240/5).

القول الثاني: انه لا زكاة من مال الوقف وان بلغ النصاب، وهو مروي عن طاووس ومكحول، وهو المفهوم من إطلاق الحنفية، وهو قول للشافعية (الكاساني: بدائع الضائع 9/2).

القول الثالث: إن الزكاة تجب في مال الوقف، سواء كانت على معينين أم غير معينين وهو مذهب مالك (المرونة 285/1).

ويظهر رجحان ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من وجوب الزكاة في أموال الوقف إذا بلغت الوقف إذا بلغت نصاباً، وكان الوقف على معينين.

إن الوقف له دور رئيسي في سد حاجات المجتمع الإسلامي، فأسمى أهداف الوقف ترتيب الأجر والثواب المستمر للعباد في حياتهم وبعد مماتهم، من خلال الإنفاق والتصدق والبذل في وجوه البر. وهذا سبيل إلى مرضاة الله ورسوله، وطريق إلى الفوز بالجنة والنجاة من النار. فالوقف نوع من القربات التي يستمر بها صدقة جارية إلى قيام الساعة، فعن أبي هريرة ]، أن النبي [ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد يدعو له (رواه مسلم في صحيحه، كتاب الوحية 1255/3 - رقم 1631).

ويحقق الوقف مبدأ تكافل المجتمع وإيجاد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء، ويضمن الوقف بقاء المال وحمايته ودوام الانتفاع منه، ويوفر سبل التنمية عملياً وعملياً بمفهوم تكاملي شامل.

من مظاهر التكافل الاجتماعي التي يحققها الوقف، الوقف على المحتاجين والمعوزين. فأسهم الوقف الخيري على هولاء في سد حاجتهم، حيث عمل على تخفيف معاناتهم، وتأمين حياة كريمة لهم ولقد تجلت مظاهر الوقف الخيري على أولئك المعدمين في عدة صور، منها:

1 - وقف الرباطات والخانات: وقد أسهمت إلى حد بعيد في تأمين إقامة وبيت لمن لا مأوى له، لا سيما أبناء السبيل الذين انقطعت بهم السبل ولا مأوى لهم.

2 - وقف القايات والمطاعم: ويهدف مثل هذا الوقف إلى تأمين المأكل والمشرب لأولئك المعوزين الذين لا يملكون من المال ما يدفع عنهم ضرر الجوع والعطش، ومن أمثلتها: تكية السلطات سليم، والشيخ محي الدين بدمشق، وتكية الحرم الإبراهيم بالخليل.

3 - صرف مبالغ مالية ومساعدات عينية: ومصدر هذه الأموال من تلك الأوقاف التي استغلت واستثمرت حتى أصبح لها ريع ينفق على الفقراء والمساكين، وهذا النوع من المساعدة الوقفية يهدف إلى تأمين دخل دوري وثابت لأولئك المعوزين أو العاجزين.

أيضاً، تنوعت خدمات الوقف لدور التعليم والمتعلمين، حيث كفلت للمعلمين والمتعلمين شؤون التعليم والإقامة والطعام والعلاج، بل وتأمين أماكن إقامة يأوي إليها المسافرون لطلب العلم.

وقد امتاز التعليم الوقفي بمجانيته، حيث أعفى الدارسون من الرسوم المفروضة، ويمتاز أيضاً بعموميته، وبمنظور اقتصادي يجمع دور الوقف ههنا دوراً عظيماً في تنمية رأس المال البشري.

وختاماً ...

فالوقف من المعاملات الشرعية التي جاء بها الإسلام وندب إلى فعلها والحث عليها، لما فيه من مصلحة تلحق بالأمة في الدنيا والآخرة، وأنه من المعاملات اللازمة التي لا تنتقص بعد صدورها من الواقف ومن الأهمية بمكان أن تجعل الوقف صالحاً للبقاء والدوام من خلال الإنفاق عليه من غلته، أو من الأموال الموقوفة. وبذلك تمن دوام الدخل وسد حاجات المعوزين من أفراد المجتمع ... وفيما يضمن تنمية رأس المال البشري يوفر الوقف أيدي عاملة متخصصة ومتنوعة في مجالات متخلفة، يفسر ذلك تنويعه لأشكال الوقف والجهات الموقوف عليها.