|
دعا رئيس مجمع اللغة العربية بالجزائر الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح مؤسسات الدول العربية المعنية باللغة العربية بالتعامل مع المصطلحات التي تصدرها المجامع العربية واستخدامها لكي يقبل عليها الإنسان العربي ويشارك في استخدامها في حياته اليومية عوضاً عن الكلمات العامية.
وطالب رئيس مجمع اللغة العربية بالجزائر ولاة الأمر الاهتمام بمؤسسات التعليم باللغة العربية ودعمها أمام أخطار انتشار التعليم باللغات
الأجنبية وأضاف أن الأولوية يجب أن تكون للتعليم باللغة العربية لغة القرآن الكريم،
ولا تعارض بين التعلم باللغة العربية واللغات الأجنبية.
كما انتقد الدكتور عبد الرحمن أسلوب تعليم النحو للنشء وطالب بالعمل على تبسيطه دون
الإخلال بقواعده تحت دعوى التطوير.
جاء هذه الأقوال وغيرها على لسان رئيس مجمع اللغة العربية بالجزائر في حواره لمجلة «العالمية» وفيما يلي تفاصيله:
يرى البعض أن جهود مجامع اللغة العربية في مجال تعريب المصطلحات غير مواكب لمتطلبات العصر واستخدام اللغة في مجالاتها المختلفة.. هل لكم أن توضحوا دور علماء اللغة العربية من خلال هذه المجامع اللغوية.. وكيفية الاستفادة من هذه الجهود المبذولة للارتقاء باللغة العربية؟
مجامع اللغة العربية دورها يتلخص في تعريب المصطلحات الأجنبية، واتحاد المجامع دوره توحيد تلك المصطلحات، والذي لا يتم إلا
بإدخال هذه المصطلحات الموحدة في الاستعمال ليتم تعريف الناس بها ومن ثم تداولها فيما بينهم، فلا يكفي أن نعرب ونوحد وننشر المصطلحات في المعاجم بل نريد أن تدخل في الاستعمال، والحل الوحيد يأتي من استخدام كل جهة للمصطلحات الخاصة بها، فمصطلحات العلوم الدقيقة مثلاً لابد أن تدخل في مناهج كليات التعليم العالي أيضاً على وسائل
الإعلام مسموعة ومرئية ومكتوبة استخدام المصطلحات المعربة ليتم تداولها وبالتالي التعرف عليها شيئاً فشيئاً لتصبح مألوفة لأذن وعين وعقل الإنسان أن الناس يشاهدون التلفاز كل يوم ولساعات غير قليلة فإذا سمعوا المصطلح وتكور على مسامعهم دخل في استعمالاتهم،
أما إذا بقي حبراً على ورق فكيف يُعرف ويستعمل وينتشر؟!
وهنا يأتي التفاعل مع اللغة، وهي مشاركة كل الناس في استعمال الكلمات الجديدة.
إذا اكتفينا بدور المجمع اللغوي وحدة وقوله أن هذه الكلمة هي التي تدل على المفاهيم الجديدة فهذا غير مجدي، ذلك أن اللغة وضع واستعمال.. ليست وضعاً فقط وإذا لم تستعمل المصطلحات فلن تستقر اللغة ولن تنطق.
قد يرى البعض أن اللغة العربية بحالها هذه منفصلة عن المجتمع، ونحن نرد على هؤلاء بقولنا بل
أن المجامع وإنتاجها من مصطلحات هي المنفصلة! فاللغة العربية بخير، إنما الذين يتعاملون مع اللغة العربية هم من بهم عيب وخلل!... والحل يتطلب اشتراك مؤسسات الدولة من وزارات
إعلام وتعليم وغيرهما من المؤسسات في عملية التواصل مع إنتاج المجامع اللغوية أول بأول والعمل على استخدام المصطلحات الجديدة
وإدخالها في متن اللغة وتداولها على ألسنة الناس وفي كتاباتهم، ومن خلال أجهزة
الإعلام من قراءة لنشرات إخبارية أو برامج حوارية أو ما شابه ذلك.. وليس هناك حل آخر في رأيي.
الجدل قائم بين أنصار الفصحى ومؤيدي العامية أيهما انسب لإنسان اليوم!.. رغم الجهود المبذولة من قبل مجامع اللغة العربية في مجال تعريب المصطلحات وتبسيط الفصحى. هل لكم
أن توضحوا لنا بشء من التفصيل هذه القضية المثارة بين الفريقين؟ وهل الفروق كبيرة بين العامية والفصحى.
على العكس هناك تقارب بين العامية التي تثيرها الفصحى وبين الفصحى نفسها، فالفصحى التي كان يتكلم بها القدماء لم تكن بهذا الشكل والجفوة التي نراها الآن!.. فهناك كلمات مشتركة بين العامية والفصحى، والفرق بينهما هو أن العامية خفيفة وتناسب التخاطب
الشفهي المستخدم كلفة في التعامل اليومي فإذا عملنا على تخفيف نطق مفردات الفصحى واستخدمنا بدائل المفردات الخفيفة من الفصحى والتي لا تخل بالمعنى لاستطعنا تطويع اللغة الفصحى للاستخدام وفي التعامل بين الناس. فاللغة الفصحى التي يتعلمها الطفل في المدرسة هي لغة كتابة، ونحن نريد أن تكون هذه الفصحى خفيفة مثل العامية على قياس كلام العرب، أي من دون لحن. والعامية تمتاز عن الفصحى أيضاً باللحن وهو غير الخفة والتي هي صفة أي لغة في الدنيا يتخاطب بها الناس في تعاملهم اليومي. نحن نريد
أن نستعيد من العامية خفتها التي كانت موجودة على أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يستخدمها في كلامه وأحاديثه التي نقرأها اليوم وبعد
أكثر من أربعة عشر قرناً فنفهما دون صعوبة أو إبهام.
إذا كانت اللغة العربية الفصحى لم تدخل بعد في لغة التخاطب اليومي، واللهجات العامية هي السائدة، فيجب علينا تدارك الأمر بتهميش المفردات الفصحى التي لا تصلح للتخاطب مثل المفردات الغريبة على الأذن، والثقيلة على النطق، ونستعيض عنها بمفردات فصحى أقرب
إلى العامية من حيث الخفة نطقاً، والقبول سمعاً، والمعرفة استخداماً.
وهنا تكون العلاقة حميمة بين الإنسان واللغة فلا يبتعد عن الفصحى ولا يغرق في العامية، ومع مرور الوقت يسهل استعمال المفردات والمصطلحات التي يقدمها علماء اللغة في الاستخدام اليومي، وتقل الفجوة وتزول الجفوة وتصبح الفصحى هي السائدة دون سواها.
* وماذا عن مطالبة البعض بالتدخل في قواعد النحو بدعوى تبسيطه؟
النحو هو قواعد وضعت من أجل ضبط اللغة ولا يمكن التدخل فيها بشكل من الأشكال!
أما ما يدرس للنشء فلابد من تبسيط أسلوبه، ويتدرج حسب مراحله المختلفة وذلك ما
تقتضيه أسرار وقوانين التربية والتعليم.. فالنحو يعلم اليوم بأسلوب غير مناسب وبكيفية غير صالحة من هنا فالفائدة قليلة والعائد ضعيف! .. فالقاعدة اللغوية لا تبسط فالفاعل مرفوع فماذا تبسط فيها؟!.. ما يجب
تبسيطه هو أسلوب تدريس النحو وقواعد اللغة.. وكما أشرت من قبل حسب أعمار الأطفال المتلقين للغة.
وهنا نحن نقول أن مستوى الأجيال الحالية بالنسبة للغة العربية ضعيف بشكل عام ولم نر نماذج من العباقرة، والمتفوقين في مستوى يشد الأنظار ويستوقفنا كعلماء لغة عربية.. النبوغ والذكاء متوافران ولكن نظام التعليم وأسلوبه التقليدي في التلقين لا يسمح بظهور مثل هؤلاء العباقرة.. فما دمنا لا نهتم بتبني مثل هؤلاء الموهوبين منذ الصغر والعمل على رعايتهم من قبل المؤسسات التعليمية
والأنظمة السياسية فكثير منهم يتوه وسط المستويات التقليدية، وقليل من ينجح في بلدان أخرى تهتم
بالأذكياء وترعى العباقرة، وتوفر لهم المناخ الملائم لتنمية قدراتهم المتميزة.. نحن بذلك مقصرون في حق
أبنائنا فالعالم من حولنا يهتم بالأذكياء ويعمل على رعايتهم كثروة بشرية يمكن استثمارها في مجال العلم الحديث.. وأنا
أتساءل لماذا لا تعمل حكوماتنا العربية على رعاية أجيالنا خاصة النشء وترعاهم الرعاية المطلوبة؟؟
* خرج البعض علينا مؤخراً في جرأة وطالبوا باستخدام الحرف
الأجنبي بدلاً من الحرف العربي على غرار ما تم في تركيا منذ عدة عقود تحت دعوى أن اللغة العربية تراوح مكانها وتخطاها التطور... تعليقكم على ذلك.
* هذه الدعاوى تظهر من حين لأخر من بعض الأفراد، وهي مرفوضة من المؤسسة اللغوية وجموع المثقفين وعامة الناطقين بالعربية، وإذا كان هذا الأسلوب تم فرضه على الأمة التركية واستمر
إلى يومنا هذا، فليس هذا الاستمرار يعني النجاح ومن ثم تطبيق ذلك في بلدان أخرى بل العكس هو الصحيح فهناك جهود ناجحة لاستعادة اللغة العربية مكانتها كلغة أولى في بعض الدول الأفريقية التي دخلها الإسلام في القديم وكتابة لغاتها الأفريقية المحلية بأبجدية عربية. هذا المشروع الثقافي الكبير ترعاه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة منذ سنوات ونجحت حتى الآن في استخدام 18 لغة افريقية محلية للحرف القرآني بدلاً من
الأبجدية الأجنبية.
نحن نعترف أن الكتابة العربية تحتاج إلى إصلاح في بعض الحركات والشكل في الخط،
أما استعارة حروف أجنبية واستبدالها بالحروف العربية بها فهذا مرفوض تماماً! ما يجب
أن نسعى إليه هو إصلاح الكتابة العربية وان تواكب تطورات العصر، وأنا أعلم أن هناك محاولات جادة للإصلاح لم يكتب لها النجاح بعد ولكنها مستمرة لأن
أصحابها غيورين على اللغة ويعملوا على تطويرها لتستجيب لمتطلبات إنسان اليوم.
* انتشر التعليم باللغات
الأجنبية على حساب التعليم باللغة العربية في بعض بلداننا - كيف ترون هذه الظاهرة غير الصحية وما هو الشكل الأمثل في مثل هذا الأمر؟
* تعريب العلوم وتعلمها باللغة العربية أمر جيد، لكن بشرط
أن تكون اللغة العربية جنباً إلى جنب مع تعلم اللغات الأجنبية، فنحن نحتاج إلى
إنسان يتعلم بالعربية ويتقن اللغة الأجنبية ليتابع تطورات العلوم، ويقف على أحدث الاكتشافات، ويتواصل مع غيره من العلماء بلغة مشتركة، وليسهل علينا كذلك معرفة المصطلحات
الأجنبية خاصة في مجال العلوم لنتمكن من تعريبها أولاً بأول درأ لأي تفاوت بيننا وبين التطور الذي يقع كل لحظة على المستوى العالمي.
فالأخذ من الغرب ضروري ولن يتأتي ذلك إلا بمعرفة لغته.
خلاصة القول يجب أن يكون التعليم باللغة العربية إلى جانب تعليم باللغة
الأجنبية لان التعلم بالعربية فقط هو انغلاق على النفس، والتعلم باللغات الأجنبية فقط يضيع من الإنسان العربية لغته الأم التي هي هويته وانتماؤه ووجوده ولا تعارض بين العربية واللغات الأجنبية والتعلم بهما معاً خاصة في التعليم الجامعي وما بعد الجامعي.
* يرى البعض أن إقبال القوميات الأخرى من غير العرب على اعتناق
الإسلام من قبل مواطنيها قد يؤثر سلباً على اللغة العربية باختلاطها مع لغات أخرى. هل تتفقون مع هذا الرأي؟
* لاخوف على لغتنا العربية من اللغات الأخرى، فمنذ قديم الزمان ومع انتشار
الإسلام في أركان العالم وبين القوميات غير العربية أو ما أطلق عليهم المعجم لم تتأثر اللغة الفصحى بل على العكس اقبل على تعلمها المسلم من غير العرب.
أما لغة التخاطب أي العامية فقد تأثرت بحكم الاختلاط بين العرب وغيرهم من مسلمي القوميات الأخرى، وسوف تظل اللغة الفصحى في مأمن لأنها لغة القرآن الكريم.. غير
أننا كعرب يتوجب علينا الاهتمام باللغة العربية والارتقاء بها لأخذ مكانتها كلغة
أولى للعلم والتعلم فلا يجب أن تزاحمها أي لغة أجنبية في ذلك المجال، ويجب علينا
أن نتصدى لنزعة التعلم باللغة الأجنبية وتهميش العربية وتراجع مكانتها في بلداننا العربية! |