|
ظلت دولة الكويت منذ اتفاقية وقف الحرب الأهلية الأولى بين شمال السودان وجنوبه، سنة 1972 هي الدولة الخليجية والعربية الوحيدة التي تركت بصماتها واضحة على جنوب السودان -
أرضا وإنسانا - وخاصة مواطني ولاية الاستوائية، فما قدمته دولة الكويت لجنوب السودان كان فعلا بقدر رؤيتها
الإنسانية والعميقة وبقدر حكمتها وحنكتها.
ولهذا تركت دولة الكويت - حكومة وشعبا - حبا كبيرا في قلوب
أهل جنوب السودان، فمستشفى الصباح يقف اليوم صرحا شامخا في قلب مدينة جوبا، ومدرسة الصداقة الكويتية السودانية بقيت منارة وشعاعا للعلم نهل منه الكثير من
أبناء جنوب السودان تعليمهم ومنهم من تبوأ مناصب كبيرة ومنهم من تولى مسؤوليات كبرى، وما كان هذا ليكون لولا فضل الله
أولا ثم فضل حكومة وشعب الكويت الكريم، كذلك هناك المركز الثقافي المعروف بك(نياكورين) الذي تنطلق منه موجات
إذاعة جوبا المحلية، فضلا عن مساكن الموظفين والسيارات والشاحنات التي قدمتها دولة الكويت
لأشقائهم في جنوب السودان وغير ذلك مما لا يسع المكان هنا لذكره، كل ذلك يقف رمزا شامخا خالدا للعطاء والسخاء المعروف به
أهل الكويت الكرام، حيث مدت هذه الأيادي البيضاء جسرا متينا من الحب في قلوب جميع مواطني جنوب السودان تجاه دولة الكويت بصفة عامة وتجاه سفيرها السابق د.
عبد ا لله السريع (رحمة الله عليه) الذي اسماه أهل جوبا في سابقة فريدة لقب (عبد ا
لله جوبا) تكريما وتقديرا له، ومن اجل تخليد ذكرى هذا الرجل عمد الكثير من سكان مدينة جوبا
إلى إطلاق اسم عبد ا لله على مواليدهم من الذكور تيمنا بعبد الله جوبا (الكويتي)، الرجل الشعبي المتواضع الطيب القلب، ذي الخلق الدمث وصاحب المجلس العامر، علما بأن اغلب
أهل الجنوب من النصارى، وهم عادة لا يتسمون (بفتح التاء والسين وتشديد الميم)
بالأسماء العربية أو المسلمة، ولكنهم حبا لهذا الرجل تجاوزوا القاعدة، وكان فعلا مستحقا لذلك اللقب بجدارة،
إذ جسد المرحوم بحق نهج الدبلوماسية الشعبية، فكثيرا ما شوهد وهو يشارك في المناسبات الاجتماعية المختلفة ترحا كان
أو فرحا، كما كان رياضيا شهيرا عرفه إستاد مدينة جوبا رائدا دائما ووجها مألوفا في مختلف مباريات الدوري المحلي .. ولم يقف تكريم
أهل الجنوب للكويت ولمبعوثها رسول المحبة والإخاء عند هذا الحد بل منحته جامعة جوبا شهادة
الدكتوراه الفخرية عقب نشر كتابه الشهير عن سني خبرته وعمله ممثلا لمكتب دولة الكويت في مدنية جوبا عاصمة جنوب السودان. وهو كتاب توثيقي اجتماعي تاريخي جغرافي سياسي
للإقليم الذي قضى فيه 10 سنوات.
وكان التتويج الأكبر لهذه العلاقة المميزة والذي يعكس اهتمام الكويت بجنوب السودان تمثل في الزيارة التاريخية التي قام بها المغفور له
بإذن الله تعالى صاحب السمو الشيخ صباح السالم الصباح أمير دولة الكويت السابق إلى مدينة جوبا في نهاية السبعينيات، وهي الزيارة الوحيدة لزعيم خليجي
إلى جنوب السودان والزيارة الوحيدة لزعيم عربي لمدينة جوبا.
ولهذا السبب عندما نزلت بالكويت نازلة الغزو العراقي المشئوم، وقف مواطنو جنوب السودان مع الحق الكويتي، ردا لجميل هذا الشعب الكريم السخي، وتجسدت حقيقة هذا الموقف عند تحرير الكويت، حيث قام الجنوبيون بنحر الذبائح قربانا
وأقاموا الحفلات ابتهاجا ومشاركة لأهل الكويت في أفراحهم بتحرير بلدهم من الاحتلال العراقي.
غير أن الحرب الأهلية في جنوب السودان والتي استمرت لأكثر من عشرين سنة لعبت دورها في وقف مسيرة الحياة والتنمية بشكل عام
الأمر، واضطر الكثير من المواطنين والممثليات الأجنبية الدولية والإقليمية للخروج من جنوب السودان خوفا على حياتهم بسبب تردي
الأوضاع الأمنية ...
ولكن بحمد الله فلقد تم التوقيع على اتفاقية السلام في يناير الماضي وتوقفت الحرب، ويتسابق الجميع الآن نحو البناء والتنمية والتعمير، وأرى بأنه من المناسب
أن تبادر دولة الكويت - كعادتها في السباق نحو الخير والمحبة - أن تعيد فتح مكتبها في جنوب السودان لمواصلة ما انقطع ..
إذ يعتبر هذا المكتب جسرا من المحبة والعلاقات الشعبية المميزة بين البلدين، والحاجة له ملح، والرغبة بتنمية العلاقات الشعبية من خلال هذه الممثلية أمست ضرورة. وليت يقترن ذلك الجهد الرسمي بجهد شعبي متمثل في الجمعيات الخيرية وجمعيات النفع العام المتخصصة كالهلال
الأحمر الكويتي، تأصيلا وتنمية لهذه العلاقات.
محمد خليفة اوشلا
من أبناء جنوب السودان |