العالمية - جمادى الأولى - 1426 هجرية - يونيو 2005 م - العدد (182) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الأمة بين التجرد الروحي والإرتكاس المادي
الإسلام وسط بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكـا
 وبيـن غـلاة الواقعـييـن الذيـن حسبـوه حيـوانـا

 

 

الإسلام وسط بين الذين يقدسون الأنبياء إلى مرتبة الألوهية وبين الذين كذبوهم واتهموهم
الإسلام وسط في الاعتقاد والتصور....  وسط في العقيدة والتنسك
وسـط في الأخلاق والآداب .... وســط في التنظيـم والتشـريـع

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

الوسطية تتجلى واضحة في كل جوانب الاسلام، نظرية وعملية، تربوية وتشريعية، فالاسلام وسط في الاعتقاد والتطور، وسط في التعبد والتنسك، وسط في الاخلاق والآداب، وسط في التنظيم والتشريع.

فهو وسط في الاعتقاد بين الخرافيين الذين يسرفون في الاعتقاد، فيصدقون بكل شيء، ويؤمنون بغير برهان، وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، ولايستمعون لصوت الفطرة، ولا نداء العقل، ولا صراخ المعجزة.

فالإسلام يدعو إلى الاعتقاد والإيمان، ولكن بما قام عليه الدليل القطعي، والبرهان اليقيني، وما عدا ذلك يرفضه ويعده من الأوهام، وشعاره دائماً:

(قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). (آية 111 سورة البقرة)

وهو وسط بين الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله قط، خانقين صوت الفطرة في صدورهم، متحدين منطق العقل في رؤوسهم، وبين الذين يعددون الآلهة، حتى عبدوا الابقار، والهوا الاوثان والاحجار!

فالاسلام يدعو الى الايمان باله واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً احد، وكل من عداه وما عداه مخلوقات لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فتأليهها شرك وظلم وضلال مبين:

(ومن اصل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم عاقلون). (آية 5 سورة الأحقاف)

وهو وسط بين الذين يعتبرون الكون هو الوجود الحق وحده، وما عداه - مما لا تراه العين ولا تلمسه اليد - خرافة ووهماً، وبين الذين يعتبرون الكون وهماً لا حقيقة له، وسراباً بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى اذا جاءه لم يجده شيئاً.

فالاسلام يعتبر وجود الكون حقيقة لا ريب فيها، ولكنه يعبر من هذه الحقيقة الى حقيقة اكبر منها، وهي من كونه ونظمه ودبر امره؟ هو الله تعالى:

(إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب(190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك). (آية 190 - 191 سورة آل عمران)

وهو وسط بين الذين يؤلهون الانسان، ويضفون عليه خصائص الربوبية، ويعتبرونه اله نفسه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وبين الذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية او اجتماعية او دينية، فهو كريشة في مهب الريح، او دمية يحرك خيوطها المجتمع، او الاقتصاد او القدر.

فالانسان في نظر الاسلام مخلوق مكلف مسؤول، سيد في الكون، عبد لله، قادر على تغيير ما حوله بقدر ما يغير ما بنفسه:

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). (آية 11 سورة الرعد)

وهو وسط بين الدين يقدسون الانبياء حتى رفعوهم الى مرتبة الالوهية او البنوة للاله، وبين الذين كذبوهم واتهموهم، وصبوا عليهم كؤوس العذاب.

فالانبياء بشر مثلنا، يأكلون الطعام، ويمشون في الاسواق، ولكثير منهم ازواج وذرية، وكل ما بينهم وبين غيرهم من فرق ان الله منّ عليهم بالوحي، وايدهم بالمعجزات.

(قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا ان نأتيكم بسلطان الا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون). (آية 11 سورة ابراهيم)

وهو وسط بين الذين يؤمنون بالعقل وحده مصدراً لمعرفة حقائق الوجود، وبين الذين لا يؤمنون الا بالوحي والالهام، ولا يعترفون للعقل بدور في نفي او اثبات.

فالاسلام يؤمن بالعقل، ويدعوه للنظر والتفكر، وينكر عليه الجمود والتقليد، ويخاطبه بالاوامر والنواهي .. ولكنه يجعل الوحي معيناً فيما تضل فيه العقول وتختلف، وما تغلب عليه الإهواء، وهادياً الى ما ليس من اختصاصه ولا هو في مقدوره من الغيبيات والسمعيات وطرائق التعبد لله تعالى!

وسط في العبادات

والاسلام وسط في عباداته وشعائره بين الاديان والنحل التي الغت الجانب »الرباني« - جانب العبادة والتنسك والتأله - من فلسفتها وواجباتها، وبين الاديان والنحل التي طلبت من اتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والانتاج.

فالاسلام يكلف المسلم اداء شعائر محددة في اليوم، كالصلاة، او في السنة كالصوم، او في العمر مرة كالحج، ليظل دائماً موصولاً بالله، غير مقطوع عن رضاه، ثم يـطلقه بعد ذلك ساعياً منتجاً، يمشي في مناكب الارض، ويأكل من رزق الله!

ولعل اوضح دليل نذكره هنا: الآيات الآمرة بصلاة الجمعة: (يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون، فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون).(آية 9-10 سورة الجمعة)

فهذا هو شأن المسلم مع الدين والحياة، حتى في يوم الجمعة: بيع وعمل للدنيا قبل الصلاة، ثم سعي الى ذكر الله، والى الصلاة، وترك البيع والشراء وما اشبهه من مشاغل الحياة، ثم انتشار في الارض، وابتغاء الرزق من جديد بعد انقضاء الصلاة، مع عدم الغفلة عن ذكر الله كثيراً في كل حال، فهو اساس الفلاح والنجاح.

وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الاسلامي(1)، التوازن بين مقتضيات الحياة في الارض، من عمل وكد ونشاط وكسب وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو، وانقطاع القلب وتجرده للذكر، وهي ضرورة لحياة القلب، لا يصلحك بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الامانة الكبرى.

وسط في الأخلاق

والاسلام وسط في الاخلاق بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الانسان ملاكاً او شبه ملاك(2)، فوضعوا له من التقيم والآداب مالا يمكن له، وبين غلاة الواقعيين الذين حسبوه حيواناً او كالحيوان، فارادوا له من السلوك ما لا يليق به، فاولئك احسنوا الظن بالفطرة الانسانية فاعتبروها خيراً محضاً، وهؤلاء اساءوا بها الظن فعدوها شراً خالصاً، وكانت نظرة الاسلام وسطاً بين اولئك وهؤلاء.

فالانسان في نظر الاسلام مخلوق مركب: فيه العقل، وفيه الشهوة، فيه غريزة الحيوان، وروحانية الملاك، قد هدي التجدين، وتهيأ بفطرته لسلوك السبيلين، اما شاكراً واما كفوراً، فيه استعداد للفجور استعداده للتقوى، ومهمته جهاد نفسه ورياضتها حتى تتزكى.

(ونفس وما سواها(7) فالهمها فجورها وتقواها(8) قد افلح من زكاها(9) وقد خاب من دساها(10)، (آية 7-10 سورة الشمس)

وهو كذلك وسط في نظرته الى حقيقة الانسان بين النحل والمذاهب التي تقوم على اعتباره روحاً علوياً سجن في جسد ارضي، ولا يصفو هذا الروح ولا يسمو الا بتعذيب هذا الجسد وحرمانه، كالبرهمية وغيرها، وبين المذاهب المادية التي تعتبر الانسان جسداً محضاً، وكياناً مادياً صرفاً، لا يسكنه روح علوي، ولا يختص بأي نعمة سماوية.

اما الانسان في الاسلام فهو كيان روحي ومادي .. ومن ثم فالامة الاسلامية هي الامة الوسط في التصور والاعتقاد .. لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي .. انما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، او جسد متلبس بروح، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها، في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الاشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا افراط، في قصد وتناسق واعتدال!

والاسلام وسط في النظرة الى الحياة بين الذين انكروا الآخرة، واعتبروا هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، هي البداية والنهاية: (وقالـوا إن هي إلا حيـاتنا الـدنيا وما نحـن بمبعوثين(29)). (آية 29 سورة الأنعام)

وبهذا غرقوا في الشهوات، وعبدوا انفسهم للماديات، ولم يعرفوا لهم هدفاً يركضون وراءه غير المنافع الفردية الدنيوية العاجلة، وهذا شأن الماديين في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، وبين الذين رفضوا هذا الحياة، والغوا اعتبارها من وجودهم، واعتبروها شراً يجب مقاومته، والفرار منه، فحرموا على انفسهم طيباتها وزينتها، وفرضوا عليها العزلة عن اهلها، والانقطاع عن عمارتها والانتاج لها.

فالاسلام يعتبر الحياتين، ويجمع بين الحسنين، ويجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ويرى العمل في عمارتها عبداة لله، واداءً لرسالة الانسان، وينكر على غلاة المتدينين تحريم الزينة والطيبات، كما ينكو على الآخرين انهما كهم في الترف والشهوات، قال تعالى:

(والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوي لهم). (آية 12 سورة محمد)

(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين(31) قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعملون(32).  (آية 31 - 32 سورة الاعراف)

وهنا نبصر انهذا الدين القيم لا يريد من المؤمنين ان يدعوا امر الدنيا، فهم خلقوا للخلافة فيها، ولكنه يزيد منهم ان يتجهوا الى الله في امرها، والا يضيقوا من آفاقهم، فيجعلوا من الدنيا سوراً يحصرهم فيها.

انه يريد ان يطلب الانسان من اسوار هذه الارض الصغيرة، فيعمل فيها وهو اكبر منها، ويزاول الخلافة وهو متصل بالافق الاعلى.

ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة علي هذه الارض ضئيلة هزيلة وحدها، حين ينظر اليها الانسان من قمة التصور الاسلامي.

ويطل الانسان من تلك القمة العالية فيأخذه العجب من انشغال البشرية بهذا العبث وذلك العنت، وتلك الشقوة والضلالة، وهذا الاضطراب في الفهم والادراك .. نبصر كل هذا في جحود هؤلاء وكنودهم، وهم يطلبون الدنيا وحدها، وهم صنف مكرر في الازمنة والامكنة!

وهنا نبصر الدعاء الذي تضمن خير الدارين في اعتدال!

ومن ثم لم نجد الصنف الثالث بحسب السمة العقلية، وهو الذي يطلب الآخرة وحدها، فهذا غير مقبول بحال!

ونبصر الدين القيم يريد ان يطلق الانسان من اسوار هذه الارض الصغيرة، فيعمل فيها، وهو اكبر منها، وياول الخلافة، وهو متصل بالملأ الاعلى!

ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على ظهر هذه الارض ضئيلة هزيلة، حين ينظر اليها الانسان من قمته وفق التصور الاسلامي!

نبصر هذا الدعاء في قول الرسول الحبيب المحبوب [ فيما رواه الشيخان عن انس رضي الله عنه قال:

كان اكثر دعاء النبي [: »ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار«.

وما اشد حاجتنا ان نبصر سر التوازن بين المادية والروح في هذا الدين القيم، حتى نتقدم ركب الحياة، كما كان سلفنا الصالح .. علماً وعملاً .. فقهاً وسلوكاً .. فكراً وحركة .. تقدماً وريادة .. امامة وقيادة.

وسط في التقليد والشعور

والامة الاسلامية هي الامة الوسط في التفكير والشعور .. لا تجمد على ما علمت، وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، ولا تتبع كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك .. انما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهجح واصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن اني وجدها اخذها، في تثبت ويقين!

وهي الامة الوسط في الارتباطات والعلاقات .. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة او الدولة، ولا تطلقه كذلك فرداً جشعاً، لا هم له الا ذاته .. انما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي الى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه، ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة، وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادماً للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق!

وسط في الزمان

وهي الامة الوسط في الزمان .. تنتهي عهد طفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها .. وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من اوهام وخرافات من عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء، وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك!

وسط في المكان

وهي الامة الوسط في المكان .. في سرة الارض، وفي اوسط بقاعها! وماتزال هذه الامة التي غمر ارضها الدين القيم الى هذه اللحظة هي الامة التي تتوسط اقطار الارض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال!

وماتزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً، وتشهد على الناس جميعاً، وتغطي ما عندها الاهل الارض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والكفر من هنا الي هناك، وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء!

وهنا تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: (وكذلك اوحينا اليك قرآنا عربيا لتتذر ام القرى ومن حولها). (آية 7 سورة الشورى)

وام القرى «مكة المكرمة» .. المكرمة باول بيت وضع في الارض للعبادة وخصص لها، وقد اختار الله عز وجل ان تكون «مكة المكرمة» وما حولها موضع هذه الرسالة الخالدة، وانزل القرآن الكريم بلغتها العربية لامر يعلمه جل شأنه ويريده!