العالمية - جمادى الآخرة - 1426 هجرية - يوليو 2005 م - العدد (183) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

التـدخيـن.. مـوت بطـيء حكمـه التـحريـم
التدخين يتصادم مع مقاصد الشريعة (حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل)

 

 

السجائر تقتل 4 ملايين سنويا في العالم 70% منهم في الدول النامية
منظمة الصحة العالمية طالبت بإدراج السجائر على قائمة المخدرات لاحتوائها على "النيكوتين"

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

شاعت في العصر الحديث ظاهرة التدخين بشكل غير مسبوق، ولم تعد تقتصر على الرجال بل تفشت بين شرائح شتى من النساء والشباب والأطفال، والحقيقة التي لا مراء فيها ان التدخين ابتلاء عظيم، اكدت الأبحاث والدراسات الطبية مضاره ومخاطره، كما أجمع الفقهاء على تحريمه لثبوت ضرره بالنفس واضراره بالآخرين.

ولما كانت الشريعة الإسلامية قد جاءت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، فان التدخين ثبت انه يضر بالدين ولنا ان نتصور مدخنا ذهب الى الصلاة في المسجد وصلى في جماعة ورائحة فمه كريهة، أليس في ذلك ايذاء للمصلين!، والتدخين يؤذي النفس بشهادة الطب والواقع فكم من اناس ماتوا بسبب التدخين وما جلبه عليهم من أمراض خطيرة، وهو أيضا يؤذي النسل، فقد ثبت أن نسل المدخن او المدخنة لا يسلم من الأمراض، وهو أيضاً تضييع للمال واعتداء صارخ على العقل، ومن هنا أصدرت عدد من الدول ومنها الكويت قوانين بمنع التدخين في الأماكن العامة، بل رصدت بريطانيا عدداً من التلفونات العامة للتبليغ عن الأشخاص الذين يدخنون في الأماكن العامة ويؤذون الآخرين.

ولعل الحملة الأخيرة التي دشنتها صحيفة الوطن الكويتية في مكافحة التدخين تعتبر خطوة جادة وعملية يجب على وسائل الاعلام ان تحذو حذوها حتى نتخلص من هذه الآفة الخطيرة.

وخطورة التدخين توجب أن نبين حقيقة ومواقف الجهات المعنية منه.

و(التبغ)- بتاء مفتوحة - لفظ أجنبي دخل العربية دون تغيير، وقد أقره مجمع اللغة العربية، وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية، يستعمل تدخيناً، وسعوطاً، ومضغاً، ومنه نوع يزرع للزينة، وهو من أصل أمريكي، ولم يعرفه العرب القدماء.

ومن أسمائه (الدخان)، و(التُّتُن)، و(التُّنْباك)، ولكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع من (التّبغ) كثيف يدخن (بالنارجيلة) لا (باللفائف).

ومما يشبه (التّبغ) في التدخين والإحراق: (الطُّبّاق)، وهو نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الأنبوبية الزهر، وهو معروف عند العرب، خلافاً (للتبغ)، و (الطّبّاق) لفظ معرّب.

وفي المعجم الوسيط: الطّبّاق: الدخان، يدخّن ورقه مفروماً أو ملفوفاً.

وقال الفقهاء عن (الدخان): إنه حدث في أواخر القرن العاشر الهجري

وأوائل القرن الحادي عشر وأول من جلبه لأرض الروم - أي الأتراك العثمانيين - الإنجليز، ولأرض المغرب يهودي زعم أنه حكيم، ثم جلبه إلى مصر، والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإسلام.

وقد اختلف الفقهاء في حكم استعماله، وفي الأدلة التي تنطبق عليه، قياساً على غيره، إذ لا نصّ في شأنه.

فقال بعضهم إنه حرام.

وقال آخرون: إنه مباح.

وقال غيرهم: إنه مكروه.

هذا، وترى لجنة الموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، أن (الدخان) يحرم إذا ثبت ضرره لبعض الناس ضرراً صرفاً خالياً من المنافع، سواء أكان الضرر في العقل أو البدن، أو كان شاربه مضطراً الى صرف ثمنه في حاجاته وحاجات عياله الأساسية، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأن رائحته كريهة منتنة، ولأن لا يخلو من نوع ضرر، ولا سيما الإكثار منه، فإن ضرره الصحي والمالي حينئذ محقق، والقليل منه يجر إلى الكثير، وخبث رائحته التي لا يشبهها سواها هو أهون مضاره الصحية والنفسية والمالية التي لا تحصى، مبتدئة من دخانه الذي يزعج من حول الشخص المدخن، ويفسد هواء البيوت، والأمكنة المغلقة، الى التهابات قصبات الرئة، والسعال الشديد بفعل التسمم البطيء الذي يحدثه في الجسم، بفعل ما فيه من (القطران)، وبالمادة السمية التي كشفها التحليل الكيميائي فيه، المسمّاة (بالنيكوتين)، إلى سرطان الرئة!!

هذا المرض الشنيع المميت الذي يقف الطب حتى اليوم تجاهه عاجزاً حيران!!

هذا بالإضافة إلى غلاء أثمانه بسبب تركيز الحكومات بالضرائب الباهظة التي قد تبلغ أضعاف قيمته الأصلية، وكانت قد وضعته - أًصلاً - بغية صرف الناس عنه، لكن الحكومات استمرأت جباية المال من طريق انتشاره، فنشرت بذلك آفة التدخين بين الناس وما فيها من ضراوة، لا يتمكن معها المعتاد من ترك التدخين إلا نادراً، حتى لقد يبلغ الأمر ببعض المدخنين أن ينفق أحدهم على التدخين ما يكفي إعاشة أسرة متوسطة!!

ولا شك أن (التّبغ) بأنواعه ضار، ومن ثم قال بتحريمه كثيرون من الفقهاء، - كما سبق - وقد نقل الدكتور محمد علي البار في كتابه (التدخين وأثره على الصحة) كثيراً من هذه الآراء التي اتجه أصحابها الى اعتبار (التّبغ) مادة مسكرة! وإن لم يكن مسكراً فأقل ما يقال إنه مفتر!

زد على ذلك الضرر البالغ بالصحة، وأنه خبيث مستقذر ورائحته متننة، وفيه إسراف وإضاعة للمال!

وكان متعاطي (التبغ) يحد في الرياض حد السكر، ويجلد على ذلك في السوق العام أمام الناس.

ومن جانبها طالبت منظمة الصحة العالمية بجنيف من دول العالم الأعضاء بالمنظمة إدراج (السجائر) على قائمة المخدرات بها، نظراً لاحتوائها على (النيكوتين) الذي يسبب الإدمان، كما أن السيجارة تحتوي على العديد من المنتجات المصنعة بجرعة كافية من (النيكوتين) التي تؤدي الى الادمان، وربما الموت.. لذا يجب عدم تداولها أو بيعها بحرية، وبدون رقابة حفاظاً على الصحة العامة، والمعروف أن (السجائر) تقتل 4 ملايين سنوياً في العالم 70% منهم في الدول النامية، وسيتزايد هذا العدد مستقبلاً الى حوالي 10 ملايين ضحية سنوياً، مما يجعل (السجائر) سبباً مباشراً للعديد من الأمراض بدول العالم المختلفة، ويجري حالياً الإعداد لعقد مؤتمر دولي يضم المسؤولين عن المخدرات بالعالم، وذلك لتقييم مخاطر (السجائر) و (التبغ) على صحة البشر!!

فتوى جماعية
 

وفي المؤتمر العالمي الإسلامي لمكافحة المسكرات، والمخدرات، المنعقد بالمدينة المنورة أوضح د. محمد علي البار من كبار الأطباء - للعلماء المجتمعين خطأ ماذهبوا إليه من ان (التبغ) مسكر، أو حتى مفتر، ولأول مرة صدرت فتوى جماعية من علماء العالم الإسلامي تحرم (التبغ)، وذلك بناء على أمرين هما:

-1 أنه ضار جداً بالصحة، وهو أمر أجمع عليه الأطباء!

-2 أنه إسراف وإضاعة لآلاف الملايين من الدولارات سنوياً على أمة الإسلام، وهي في أشد الحاجة لهذه المبالغ لرفد المجاهدين، ولإطعام الجائعين، وتعليم الجاهلين، وإيواء اللاجئين والمشردين!

فتوى الأزهر بتحريم التبغ

ونرى اتجاها جديداً في معظم اقطار العالم الإسلامي، وهو تحريم (التبغ) بكافة طرق استعماله، وبالتالي زراعته والاتجار فيه، وذلك مبني على أنه ضار بالصحة، والإسلام ينهى عن الاضرار بالنفس وأنه إسراف وإضاعة للمال، قال تعالى: (ولا تبذر تبذيراً ان المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً).وقد أصدر الأزهر في مصر فتواه بتحريم استخدام (التبغ). ويعقب الدكتور محمد علي البار على ذلك بقوله: وتتحاشى الدول ذكر هذه الفتاوى عموماً، لأن ذلك سيسبب مشاكل كثيرة، إذ كيف تسمح هذه الدول بدخول مادة محرمة شرعاً، وبعض هذه الدول يزرع (التبغ) وبعضها يصنعه، وكلها تسمح باستخدامه، وتضع عليه الضرائب التي تدخل خزينة الدولة!

ثم قال: وينبغي أن يفرق بين أمرين:

الأول: أن التدخين و(التبغ) عموماً بكافة طرق استعماله، يسبب إدماناً.
الثاني: أن (التبغ) مادة غير مسكرة ولا مخدرة!

قلت: ولهذا أرجح القول بالتحريم، وأرى ان الحكومات الإسلامية مطالبة بمنع كل ما هو ضار بالطرق التي تراها، وان العقوبة لمن يتعاطى (التبغ) هي التعزير لا الحد!