العالمية - جمادى الآخرة - 1426 هجرية - يوليو 2005 م - العدد (183) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

د. سيد دسوقي يطرح رؤية تجمع بين المنطلقات الإسلامية ومبادئ التطور الإنساني والمجتمعي
الثمــوديــون الجـدد
عقروا الناقة ليعطلوا الإنتاج

 

دولنا الإسلامية خلعت يدها من وضع أي استراتيجية إنتاجية
وأسلمتنا لبطالة ظاهرة وباطنة وأسواق وموارد الشعوب الأجنبية

لكي نخرج من حالة الفقر المجتمعية لابد أن يضطلع الوقف الخيري بدوره في التنمية

 

حوار : رضا عبد الودود

  

د. سيد دسوقي المفكر الإسلامي وأحد أعمدة تطوير الصناعة في مصر والخبير التنموي وأحد المهتمين بالمسار الحضاري للأمة الاسلامية يضع معالم النهوض والاصلاح برؤية جديدة تجمع بين الأرضية الاسلامية في التفكير والمنطلقات وبين مبادئ التطور الانساني والمجتمعي بهدف وضع امتنا على طريق النهوض والتقدم المدني والتقني ..

في هذه السطور التقيناه لننظر في عميق تفكيره الحضاري الذي تربى عليه مئات الفاعلين في شئون النهضة الحضارية، كما تتلمذ على كتبه مئات الشباب المسلم ، والتي اهتمت بهموم الامة الاسلامية بدءا من كتابه "ثغرة في الطريق المسدود" واستكمالا بكتاباته الحضارية "في فقه التجدد الحضاري" و "تأملات في التفسير الحضاري للقرآن الكريم" و"نظرات حضارية في القرآن الكريم ".

 وتجلى انتاجه في فقه الحضارة الاسلامية بتنزيله تلك الاطروحات على أرض الواقع التطبيقي في كتابه الصادر في جزءين عن المجلس الاعلى للشئون الاسلامية في مصر بعنوان "رؤى اسلامية في التنمية التقنية المستقلة" والذي ضمنه مشروعات صناعية واجتماعية للنهوض والتنمية الشاملة التي ترتكز على القيم الاسلامية البناءّة.

الجهاد بالتنمية

د. دسوقي يؤكد أن الامة الاسلامية أمامها باب عظيم للجهاد التنموي في ظل التنمية القهرية التي تفرض علينا فرضا ولا يتاح لنا أن نطور تنميتنا الذاتية ، وهم يزينون وفود هذه التنمية القهرية بمشروعات ثقافية تبدأ بتعريفات منحازة لمعنى النجاح تربطنا ربطا بعوالم الاشياء التي أنتجتها هذه التنمية القهرية، وهذه التنمية القهرية تفرض علينا احتياجات وهمية غير متناغمة مع امكانياتنا المحلية عن طريق جيش العملاء والوكلاء التجاريين، الذي يتركز كل جهدهم في الصد عن توطين الصناعة في الدول الاسلامية ، ودراسة كل معالم الحياة في مجتمعاتنا كي يلبوا احتياجاتها بأرخص الاسعار في البداية وبجودة عالية كي يحطموا كل ما هو وطني ثم بعد ذلك يتحكموا في حياتنا وقرارنا الذي بات مربوطا بمصانعهم ومؤسساتهم.. وتتجلى خطورة دور الثموديين الجدد عاقري ناقة الانتاج خاصة وأننا أمام صراع النظم التنموية في العالم ولسنا أمام صراع حضارات كما يردد بعض الاستعماريين.

ولكن كيف يقيم د.دسوقي الحالة الحضارية للأمة الاسلامية وقد أصابها ما أصاب ؟

- على الرغم من التراجع الحضاري لأمتنا في كافة مجالات الحياة ، والذي نتج عن غياب حقيقي لمنظومة القيم الاسلامية الرائدة لأي تطور ، الامر الذي استحضره الغرب في تنميته ونهوضه وقوته من خلال عدة اليات تدور حول آلة التهجين الاجتماعي التي تسمح بهجرة العقول المتميزة حيث تتفانى هذه العقول في اثبات ذاتها في هذه البلدان الجديدة، وآلية قوة القانون ومكانة القضاء ، وآلية النظم الشورية والمشاركة العظيمة للأمة في صنع القرار والقدرة على مراقبة الاجهزة التنفيذية من خلال مجالس نيابية، ثم آلية التنمية اللامركزية وقوة رأس المال المغامر في مجالات الابحاث والاستكشافات الطبية والعلمية والانتاجية..

المعادلة الحضارية ودور الدين

إنسان + تراب + زمن (إضافة إلى الدين كعامل مساعد) = حضارة.

فالحضارة لا تقوم إلا بتفاعل الإنسان مع ترابه الوطني في زمن مقدر مكتوب، وفي ظل عقيدة وشريعة ونظام. والدين الممثَّل بالعقيدة والشريعة والنظام يدخل في المعادلة كعامل مساعد، أي انه ضروري في التفاعل، ولكنه لا يتأثر بهذا التفاعل؛ لأن العقائد والقيم النابعة من الدين ثابتة لا تتغير بالتفاعل، وإنما يمكن أن تتطور النظم والشرائع النابعة من هذه القيم لتناسب تغير الظروف مع الزمن. وتُعلمنا هذه المعادلة أن قيام الحضارة يحتاج إلى إنسان ذي رسالة، وإلى إمكانات مادية متمثلة في التراب، وإلى زمن معلوم.

والذين يريدون أن يقيموا حضارة من غير رسالة إنسانية ستضيع جهودهم وتذروها الرياح، كما أنه لا تقوم حضارة من غير إمكانات مادية، وكل الحضارات قامت من قبل في سعة مكانية مليئة بالخيرات. والذين يريدون أن يقيموا حضارة في ليلة وضحاها واهمون؛ فلكل حضارة وقت معلوم، ولكل حضارة أجل معلوم. ولكل حضارة دورة حضارية ، كما يمر الإنسان في حياته بمراحل متعددة من الطفولة والصبا والشباب والقوة ثم الشيخوخة ثم الموت، كذلك تمر الحضارات بمراحل ثلاث:

فهناك مرحلة الإقلاع، وتتميز بالقدرات الروحية العظيمة وانكماش المطالب المادية إلى الضروري، وهي فترة تتميز بأن العطاء أكثر من الأخذ، والإنفاق في سبيل الهدف هو الغالب الأعم. وفي تاريخنا تمثل حياة المصطفى عليه الصلاة والسلام وفترة الخلافة الراشدة المثال الحي لمرحلة الإقلاع، ولا تقوم حضارة من غير مرحلة إقلاع.. مرحلة العطاء الدافق والزهد العظيم.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة البنيان والتمدين، حيث تنشأ في الدولة النظم المعقدة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، ويؤدي ذلك إلى اكتمال العمران الإنساني وبلوغه القمة، كما حدث في تاريخنا زمن الأمويين والعباسيين، وكما يحدث الآن في الحضارة الغربية.

ثم تأتي من بعد ذلك مرحلة الهبوط من هذا السقف التمديني وصولا إلى الانحطاط الحضاري الذي تعيشه كثير من دولنا الإسلامية. ذلك أنه في نهاية مرحلة التمدين يصعد مؤشر الترف صعودا كبيرا؛ والترف هو المرض العضال الذي يصيب الحضارات عندما يكتمل بناؤها التمديني ويؤدي بها إلى الهلاك المبين.

ومن الضروري ونحن نفكر في عمليات البعث والتجديد الحضارية أن نشرّح حالة الأمة وحقيقة دائها، وللعلم أنا من المؤمنين أن في الامة خيرا كثيرا وأن الامراض يمكن علاجها ، بل أشعر في كثير من الأحيان أن هذه الأمة تملك من عوامل البقاء والقوة ما يجعلها في موضع أحسن من كثير من الأمم الأخرى ، خاصة وأنها تمتلك آليات اجتماعية بسيطة تجعل حياتها أكثر يسرا وامتاعا من الأنماط المعقدة في الدول الصناعية.

وتنقسم الحالة الحضارية إلى عوامل عدة، فالحالة العقيدية في مجملها تتمتع بالعافية حيث عقيدة التوحيد الصافية التي تربط المؤمن بالقوة الاعظم في الكون قوة الله . أما الحالة العقلية فتمثل اضعف الحلقات في سعينا الحضاري فموقفنا من التراث مليء بالضباب يعوق العقل عن التقدم في كثير من الاحيان حيث يضيق العقل ما هو واسع ويخلط بين الثابت والمتغير .

 وهو عقل تختلط فيه النظم بالقيم ..فالنظم التي أنشأها المسلمون في حضارتهم لتحمل قيمهم ناسبت وقت وطبيعة الحياة في حينها فمن ثم هي غير مقدسة. ومن آفات العقل العقل المسلم عدم القدرة على التعميم والتخصيص، وعدم تفاعله وضعف ايمانه بالتعددية الفكرية. ومن اسباب تخلفنا الحضاري ما يعانيه العقل المسلم من اهمال دور الغيب في بناء الحضارات وما يستدعيه ذلك من تربية الامة على ثقافتها.

أما الحالة الاخلاقية فيلعب الدين دورا بارزا في الحفاظ على الاخلاق والسلوكيات في المجتمع، إلا أن ابتعاد المسلمين عن اصول دينهم في المجال الاخلاقي حال بينهم وبين التقدم والنهوض الحضاري فنرى الخوف من الفقر اورثنا شحا وجبنا يحول دون ارتياد المشاريع المغامرة وتكدس الناس خلف المشاريع الناجحة حتى يفشلوها، كما أن استحداث أشكال جديدة من التكنولوجيا في مناحي الحياة المختلفة أدى إلى ضمور بعض الاخلاقيات واهتزازها.

ونحن في زمن اقتصادات السوق والعولمة كيف ترى أدوار كل من الدولة والأفراد والمجتمع في تحقيق النهوض والتقدم؟

- إن مهمة الدولة بالغة الأهمية في تكوين المنظومة العلمية القادرة على بلورة فلسفة راشدة ووضع تخطيط للتنمية مناسب للبلاد والعباد ، ولابد أن تنشأ تلك المنظومة مستقلة عن الاجهزة التنفيذية وعليها حمايتها وتقويمها. أما دور الفرد فأساس في التنمية، إذ أن أي تخطيط من قبل الدولة يحتاج بالضرورة إلى مواصفات خلقية ومهنية من قبل الفرد حتى يمكن للجماعة أن تنجز مهامها. والقرآن يعلمنا أن هناك مثلثا حضاريا يتعلق بالفرد ، أضلاع هذا المثلث هي : العطاء - التقوى- التصديق بالحسنى.

كما يتركز دور الجماعة في تحجيم الفتنة لدى الافراد في مواقعهم في الحياة من حيث الاجور والنظم الاجتماعية والسياسية التي يجب ان تراعي حياة الافراد وطموحاتهم ، لأنه مثلا إذا أدى النظام الاجتماعي إلى شيوع الفتنة عن طريق الفنون والآداب والسياحة مع عدم القدرة على الزواج فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى وقوع الناس في حبائل الشيطان. كما على الجماعة المسلمة أن تنشئ مؤسسات للحض على الماعون وعلى طعام المسكين وكفالة الفقراء وهي من اعظم المهمات الاعمارية ، والمجتمع الذي يفتقر إلى هذه القوى التعاونية سوف ينهار لا محالة من داخله.

دور الوقف الخيري في التنمية

ولكن أين دور المجتمع المدني ومؤسساته في صياغة التنمية المجتمعية الشاملة؟ خاصة وأنه يمتلك الكثير من المساهمات الخيرية التي حضنا عليها اسلامنا من صدقات وزكوات؟

- في معظم بلدان العالم الاسلامي والعربي يرى الناس الدولة كل شيء واستمرأت النظم الحاكمة هذا الوضع المقلوب لأسباب أمنية ، ولكن من الضروري أن ينطلق الافراد والعمل الاهلي لآفاق تنموية واسعة، ففي العالم مايزيد على مليوني منظمة خيرية تنفق على أبواب الخير من علوم وتكنولوجيا لا تجد منها في بلادنا منظمة واحدة فمعظم منظماتنا مشغولة بدفن الموتى وغيرها من الانشطة التكافلية المظهرية.

ولكي نخرج من حالة الفقر المجتمعية لابد أن يضطلع الوقف الخيري بدوره في التنمية، ولقد دعوت إلى انشاء منظمة لتنمية الابتكارات في العالم الاسلامي وتبناها اتحاد المنظمات الهندسية الاسلامية ومضيت ادعو لها بعض المؤسسات والافراد ولم أجد أي تفاعل مع العلم لوقامت هذه المؤسسة لأصبحت آلية من أليات التقدم التقني.

استراتيجية العمل المدني في زمن السوق الحر

ولعل هذا الطموح هو ما ينقلنا موضوع المجتمع المدني ودور المنظمات الاهلية في النهوض بالامة الاسلامية والخروج بها من نكبتها الحضارية؟

- قبل الخوض في كيفية تفعيل دور المجتمع الاهلي لابد من التأكيد على ان أهم عمل للدولة هو وضع استراتيجية لنشاط أجهزتها، وكذلك لأنشطة العمل المدني. وفي غياب هذه الاستراتيجية ستسعى القوى المحيطة بنا إلى أن يفعلوا هم إستراتيجياتهم، سواء على مستوى نشاط الدولة أو أنشطة القطاع المدني.

وللأسف فإن هذا واقع هذه الأيام على مستوى أنشطة الدولة وأنشطة القطاع المدني. وقلّب البصر حيث شئت في التعليم أو البحث العلمي أو الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو الخدمات، ولسوف ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير؛ فمعظم هذه الأنشطة على مستوى الدولة ومستوى الشعب قد أصابها الوهن، وخلعت الدولة يدها من وضع أي إستراتيجية تحقق لنا مشاركة في إنتاج ما نصبو إليه من طعام وشراب ومسكن ودواء وخدمات؛ ومن ثم انهالت علينا وعلى أسواقنا ومواردنا القوى الخارجية، وأسلمتنا إلى بطالة ظاهرة وباطنة، وتطعمنا بعض الموارد وبقايا العمال والفلاحين الذين أخطأهم نظام الدولة التعليمي فحافظوا على جذوة من الإنتاج، بعيدا عن جحافل المتعلمين والمثقفين الذين لا ينتجون إلا هراء ثقافيا وثرثرة آناء الليل وأطراف النهار.

النسق القيمي

وكيف ننطلق من خلال اسلامنا في صياغة تلك الاستراتيجية التنموية؟

-إن غياب الإستراتيجية القومية سوف يستدعي الإستراتيجيات المضادة أن تعمل بما تملك من قوى في الداخل والخارج. وإن الإهمال في وضع الإستراتيجيات القومية خيانة عظمى للوطن مهما حسنت نيات قياداتنا القومية.

والإستراتيجيات تنبع من أهداف قومية، وهي بدورها تنبعث من عقائد سائدة: عقيدة كونية، وعقيدة سياسية، وعقيدة تنموية. وهذه العقائد لا تصنع الأهداف فحسب، وإنما يقوم على أساسها الدستور الذي تنبثق منه كل القوانين المنظمة للحياة، وينبعث منها عالم الأخلاق الذي يتعامل به الناس بعيدا عن القانون، ويجعلهم يتقبلون القانون، ويتحاكمون به برقابة داخلية وخشية ربانية بعيدا عن السلطان ورجاله.

وكلما كانت هذه القيم المنبعثة من العقائد ثابتة وسائدة كان الانصياع للدستور والقوانين المنبثقة عنه سهلا وممتعا، لا قهر فيه ولا إذلال.

وكلما كانت هذه القيم غائمة وغير مستقرة فإنها سرعان ما تخلق ازدواجية في حياة الناس وعبثية في أهدافهم في الحياة الدنيا، سرعان ما تذهب بأي نظام بنوه من قبل.

< من أجل ذلك كان على المصلحين أن ينظروا إلى عالم القيم السائدة في الأمة، وهل أصابه المرض والوهن؟ وهل هو قادر على أن يحمل معه دستورا ونظما حياتية صامدة؟

- من أجل ذلك أنا ضد الدولة العلمانية، الدولة التي لا تسعى لإقرار عالم قيم ثابت يربط الإنسان بالكون المحيط، ويجعل له غاية مرتبطة بدنياه وآخرته، وهي تهمل هذا الجانب بتخطيط وتربص، وتقف ضد أي توجه في هذا الاتجاه، دولة جعلت إلهها هواها، فاليوم نظام الأسرة القديم جميل، وغدا نظام الزواج المثلي أجمل، وبعد غد نظام الزواج من البهائم أجمل وأجمل. في مثل هذه الدولة العلمانية وأمثلتها تملأ الحياة الدنيا هذه الأيام يسود مبدآن خطيران: مبدأ الخيرية العنصرية، فنحن نستحق كل خير وغيرنا غير جدير بالحياة، ومبدأ "ليس عليكم في غيركم سبيل" أي افعلوا كل شر مع الغير وعاملوا أنفسكم بالحسنى.

وأنا كذلك ضد الدولة الدينية، ومثالها الواضح في أوربا في القرون الوسطى، دولة يتسلط فيها من يسمون أنفسهم رجال الدين، ويحكمون الدنيا بمجموعة من القوانين والنظم الثابتة (وليس القيم الثابتة)، ويعتبرون سلطتهم سلطة مقدسة، زاعمين أنهم يستمدونها من الله.

والإسلام لا يعرف هذين النوعين من الدول، وإنما يدعو أتباعه لينشئوا دولة مدنية ذات دستور منبعث من عالم القيم الإسلامية، والتي تنبعث بدورها من عالم العقائد الإسلامية. وعمليتا الانبعاث، سواء للدستور من القيم، أو للقيم من العقائد عمليات بشرية بحتة تقوم على الاجتهاد، وتشترك فيها كل الأمة بعلمائها جميعا، كل في ميدانه، وبالطبع لا بد أن تكون هذه العقائد وهذه القيم سائدة في المجتمع، يتقبلها المسلمون دينا، ويتقبلها غيرهم عقلا ومصلحة، وبالطبع يحكم الأمر كله رغبة الأمة عن طريق ممثليها في صياغة دستور ينبعث من القيم وتلك العقائد، وذلك من خلال نظام شورى تحكمه آليات للاختيار.

وتتميز هذه الدولة بنوع من الحرية لم تعرفه البشرية حتى اليوم، فغير المسلمين يتمتعون بحريتهم الدينية كاملة غير منقوصة، وهم ملتزمون بنظام المعاملات في الدولة، إلا ما كان منه ذا علاقة بعقائدهم.

ومن أهم القيم الإسلامية قيمة العمل الصالح الذي يصنع من خلاله الناس كل ما يحتاجون إليه من طعام وشراب ومسكن، وكل متطلباتهم الصحية والدفاعية والترفيهية. كل ذلك في إطار من الحرية والاستمتاع بالطيبات. وكلما زاد عمل المرء زادت حريته، كما أن الخمول على مستوى الفرد أو الجماعة يفقدهم حريتهم، وآية النحل تشير إلى هذا المعنى الرائع:

{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 68-69).

ولذلك فنظام الدولة لا بد أن يعظم قيمة العمل، ويعطي الناس الحرية الكاملة في التنمية المستقلة. من أجل ذلك لا بد أن تخطط الدولة لإستراتيجية تنموية تقوم فيها الدولة بدور العقل وينطلق القطاع المدني بكل قوته ليقوم بدور العضلات.

في خلال نصف القرن الأخير انتقلنا من حرية السوق إلى مركزية الدولة، ثم عدنا إلى حرية السوق، وبدأت الدولة تتخلى عن دورها التخطيطي والإنتاجي.

نحن في حاجة إلى مركزية الدولة في التخطيط وعمليات الاستنبات التنموي ومهام الدفاع، في إطار نظام تندفع فيه الأمة في طيف الأعمال والمهام التي تراها الدولة نافعة لإستراتيجيتها التنموية.

وما هي آفاق العمل المدني في الأمة كما يراها د.دسوقي؟

- أرى أن العمل المدني لابد أن يشمل المجال الثقافي للحفاظ على الهوية ومبعث نشاطها، والعمل المدني التنموي لتحقيق التنمية الذاتية في مقابل التنمية القهرية ، والعمل المدني المهني للذود عن المهن في نقاباتها ونواديها ، والعمل المدني التشريعي لتحقيق تفاعل التشريع مع الحياة دفعًا أو تعويقًا ،والعمل المدني الرقابي الذي يسعى لدراسة ميكانيزمات الفساد ومحاربتها، والعمل المدني السياسي الذي يقوم بالمتابعة السياسية وتقديم العون والبدائل للدولة ، والعمل المدني التعليمي الذي يعمل على إنشاء المؤسسات وتقديم المناهج الموازية، والعمل المدني الترابطي لتحقيق ترابط طوائف الأمة وتقوية النسيج الاجتماعي ، والعمل المدني الجهادي لإعداد الأمة جهاديًّا من خلال الدولة إن وجدت أو إبداع البدائل الجهادية في غيبة الدولة،

وماذا عن وسائل وطرق العمل المدني في التصور الاسلامي؟

- أرى أنه من الاهمية بمكان أن تبدأ تلك الاستراتيجية التنموية بصياغة برامج للشباب للإعداد الثقافي. وشحذ وتوجيه الأمة من خلال شتلات قيادية في كل التوجهات السابقة. ووضع خرائط عمل في جميع التوجهات من قبل علماء متخصصين. ووضع بيانات أساسية وبيانات دورية عن الرؤية الإسلامية في كل التوجهات. ودراسة للجماعات المشابهة في الخارج والداخل وتصميم منظومات تعاون معها. ومساعدة مؤسسات الدولة في كل هذه المجالات.والاستفادة من تجارب الحركات المدنية في أنحاء العالم.

ولكن يحدث أن تتداخل الادوار ويحدث الاختلافات بين الجانب السياسي الممثل في الدولة وبعض الفعاليات المدنية التي قد تعوق جهود الاصلاح وتنمية المجتمع فكيف نتفادى ذلك؟

- أتصور ومن باب التنمية الخالصة التي صارت فرض عين على كل مسلم ومسلمة في هذه الظروف الحضارية الحرجة أنه ينبغي ألا يحرج العمل السياسي الدولة ما دامت الأمور الإصلاحية في طريقها للتحسن. كما ينبغي فهم القيود العالمية والقيود الذاتية واحترام الزمن في تجاوزها. وذلك حذرا من أنه ستكون هناك مصايد استعمارية بأشكال شتى لتشتيت العمل الإصلاحي وإشعال الفتنة بين الحاكم والمحكومين، فينبغي أن نكون في منتهى اليقظة، وألا ندخل في أي تحالف ظاهر أو باطن مع أي جهة أجنبية. وقبل أن نسأل عن التغيير.. نسأل عن البديل، فربما يكون أسوأ من الواقع.