|
"العالمية" - خاص:
في استانبول تلك المدنية شديدة الثراء الحضاري والثقافي والتي اضحت ملتقى للتفاعل والتشارك بين مؤسسات المجتمع المدني، كان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي عبد اللّه غول يلقى كلمته في المؤتمر العالمي لمنظمات المجتمع المدني الاسلامي، فماذا قال:
ان اجتماع منظمات المجتمع المدني من العالم الاسلامي في استانبول - المدينة التي اصبحت مكاناً للتفاعل والمشاركة بين الثقافات والحضارات - هو حدث مهم جداً. لقد عبرنا بمناسبات كثيرة عن الحاجة للاستفادة من مساهمات منظمات المجتمع المدني في التغلب على المشاكل التي تصيب الدول في العالم الاسلامي وفي الحقيقة، فإن الشيء الاكثر نفعاً وقيمة لدينا اليوم في حل المشاكل التي انشأتها ظاهرة تسمى
"العولمة" وفي الاستفادة من الفرص التي تقدمها هو مواردنا البشرية.
لذلك، فإن على الحكومات أن تؤسس وتقوي هياكل مشاركة ومفتوحة حرة من اجل ان نحصل على اقصى ما يمكن من هذه الامكانيات البشرية. وفي هذه الخصوصية، فإن منظمات المجتمع المدني مفيدة كثيراً لنا.
ان العالم الاسلامي له القدرة ليكون منسجماً مع عصرنا على اساس ثقافته الفنية والقيم العالمية التي ساهم بها الاسلام كذلك نحن بحاجة الآن لحشد هذه الامكانيات على مستوى الحكومات والمجتمعات اننا نرى ان الضرورة الملحة في تحقيق التنمية المرغوبة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ينعكس بشكل متزايد في أرائنا العامة.
ان على الدول الاسلامية ان تتولى مسؤولياتها وان تكون اكثر فاعلية لايجاد الحلول الخاصة بها لمشاكلها وتمهد الطريق للتغيير الايجابي.
من الناحية الاخرى يجب على الشعوب ان تمتلك عملية التغيير وان تكون سريعة الاستجابة للتوقعات في مجتمعاتنا حتى تكون قابلة للتنفيذ ومستدامة وسيلعب المجتمع المدني دوراً اساسياً في متابعة هذا المسعى بنجاح ان تكيف المجتمعات لواقع عصرنا مع الاحتفاظ على هويتها الخاصة بها، سيكون ممكنا فقط بالاشتراك الفعال للمجتمع المدني.
ان العمل كجسر بين الحكومات والشعوب ومنظمات المجتمع المدني يحمل امكانيات كبيرة من اجل تسهيل عمليات الاصلاح.
اننا نعترف بأن مشاكل العالم الاسلامي التي يجب حلها ترقى امام التغيرات السياسية والجغرافية الاخيرة والتي نشاهدها في جميع انحاء العالم وخاصة في الشرق الأوسط.
ولكن فالحقيقة في ان التطورات المؤثرة على النظام العالمي وخاصة القوة المتزايدة والعولمة في التأثير على جميع ميادين الحياة قد هيأت الحاجة لايجاد حلول لمشاكلنا باستعجال أكثر.
لذلك، فإننا بحاجة لا يكون لنا منظور اكثر واقعية من اجل تشخيص المشاكل بدقة الشيء المهم هو ان لا تتقدم باسلوب بسيط ينقع نفسه بتقديم مشاكلنا فقط كأخطاء الآخرين. ان ممثلي المجتمع المدني لديهم مسؤولية مهمة في تجنب ذلك. وطبيعياً، فإن الدور المتزايد لمنظمات المجتمع المدني في الحياة السياسية هو ظاهرة جديدة نسبياً. تبعاً لذلك، فإن
"الدولة" التي تواجه هذه العوامل الجديدة بازدياد في ميادينها التقليدية في السيادة تظهر بعض الانعكاسات اللاارادية ضدها واحياناً، فإن منظمات المجتمع المدني في قدراتها كنصير للدولة والحقوق المجتمعية تنقذ الدولة ان هذا عمل مهم، وفي التحليل النهائي فإنه يساهم في تحسين ادارة المجتمعات.
في حقبتنا، فإن ما يسمى "بالقطاع الثالث"، قوة المجتمع التي تؤكد بأن القرارات التي تؤثر على الحياة اليومية، تأخذ شكلاً معيناً بالقوة التي تأتي من الشعوب، هي مبينة ومن خلال منظمات المجتمع المدني.
بمثل هذا، فإن الشعوب نفسها تعطي الكلمة الاخيرة في تخصيص موارد معقولة ومتساوية.
ان منظمات المجتمع المدني التي تتمتع بوضع قوي في الغرب تؤدي ايضاً وظيفة مراقبة الحكومات وتلعب دوراً مرشداً بدون البحث عن مجرد مصالحها الذاتية الخاصة بها. انها تعمل كزعماء رأي وتركز على اولويات الشعوب.
ان تقوية المجتمع المدني في الدول الاسلامية سيحسن كذلك نوعية الخدمات العامة وكفاءتها.
ان التطوع و التضحية وخدمة المصالح العامة هي سمات مهمة للمعتقدات الاسلامية والعقيدة على اي حال، فإن الحقيقة في ان منظمات المجتمع المدني في الدول الاسلامية ليست قوية بدرجة كافية في هذا العصر الحديث، وهذا يشكل عيباً ملحوظاً.
ان على الحكومة العمل بانسجام مع مسؤولية المستلزمات المؤثرة، لكنها يجب ان تصغي كذلك الى النصيحة والنقد القادم في المجتمع المدني من الناحية الاخرى، فإنه من المهم ان تعبر منظمات المجتمع المدني عن نقدها باسلوب بناء.
بالنسبة لمشاكل العالم الاسلامي فإن هناك صنفين رئيسين يجب تذكرهما:
الصنف الاول يعزى الى المشاكل او سوء الادراك الذي ينشأ بين الدول ذات السكان المسلمين والآخرين خاصة الغرب ان هذه القضية المهمة التي تحتاج الى مخاطبتها جيداً، تضع المسؤولية علي كلا الجانبين.
لقد ازداد مؤخراً الاهتمام الدولي بالعالم الاسلامي في جميع انحاء العالم لكن في كثير من الحالات نلاحظ باستياء كبير بأن درجة الانحراف عن هذا الاهتمام تنشأ اكثر من الاعتبارات السلبية او الادراكات فيما يتعلق بالعالم الاسلامي.
انني اؤمن بأن علينا ان نحول هذا الاهتمام الدولي الى فرصة من اجل التعريف بالاسلام بصورة افضل والمجتمع الاسلامي الى العالم بشكل عام وفي هذه الايام خاصة بالغرب فإنه يتم دراسة العالم الاسلامي من منظور مختلف كما يتم وضع بعض التصورات ومن اجل الاستفادة من هذا الاهتمام ورسم صورة اكثر دقة عن الاسلام والمسلمين، فإنه يجب ان لا ندير ظهورنا الى هذه الجهود، لكن على العكس، يجب ان نساهم بها كمشاركين مفكرين متساوين.
وكلما كان المستوى العلمي والفلسفي عالياً والنوعية الممثلة للمساهمات المنبثقة عن الاسلام، كانت فرصها اكثر في التأثير على المناقشات في جميع انحاء العالم.
لذلك، فإنه من المهم جداً - وعلى اساس من المبادئ الاساسية للعقيدة الاسلامية مثل التسامح والاعتدال - ان نؤدي طريقة تصورية واقعية ومتساوية وبعقل متفتح.
وهناك قضية مهمة اخرى ان علاقتنا مع الغرب يجب ان لا تتطور على اساس مناوئ ان الهوية الاسلامية التركية لم تمنعها من ان يكون لها تفاعل عن قرب مع الغرب ومن ان تكون عضواً مهماً في الهيئات والمؤسسات الغربية اننا نواصل ونطور اندماجنا مع الغرب على اساس المصالح المشتركة.
ان الاكمال الناجح لعملية عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي سيدل على توافق المجتمع الاسلامي مع الشعوب الاوروبية بالتلاحم حول القيم الديمقراطية والعالمية والمشتركة.
وفيما يتعلق بالمشاكل فإن الصنف الثاني - الذي اعتقد انه اكثر اهمية يشير الى قضية شاملة وضرورية: المشاكل التي يواجهها العالم الاسلامي داخله.
اننا نرى ان هذه المشاكل تنسب بشكل رئيس الى مسائل التنمية البشرية التي لها أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية.
ان منظمات المجتمع المدني هي من بين القوى الحافزة الرئيسة التي تساهم في تشكيل بيئة من الحرية حيث يمكن حشد الابداع الانساني من اجل ايجاد حلول منطقية للمشاكل.
وفي البحث عن حلول لمشاكلها، فإنه من الممكن للمجتمعات الاسلامية ان تشكل احكاما وافكار مناسبة لظروفها. لكن القيم العالمية والمبادئ التي تهدف لتشجيع التنمية الانسانية معروفة جيداً وهي عناصر من العقيدة الاسلامية التي لا يمكن التخلص منها.
لذلك، فإن القيم العالمية التي يغذيها الضمير والحكمة المشتركة للبشرية والمتطورة من خلال التفاعل بين الحضارات المختلفة في جميع انحاء التاريخ، تخدم المبادئ الموجهة للمجتمعات الاسلامية كذلك.
ان هناك في الحقيقة اساس عالم مفيد تشارك به المجتمعات الاسلامية هذا الاساس هو في وفاق كامل مع القيم العالمية.
ان المبادئ مثل العدل والشعور بالمساعدة والمشاركة واغاثة الملهوفين والاعتدال والمساواة والنضال ضد الظلم والفساد واحترام التنوع هي اصول الاسلام التي ساهمت بالقيم العالمية على مدى قرون. في هذا الخصوص، ان ما يحتاج عمله هو الاقتراب من المشكلة بثقة بالذات وعقل منفتح وبدون اي تعقيدات.
بالتأكيد، فإنه لا يوجد معادلة واحدة للوصول الى هدف التنمية التي تطمح لها شعوبنا. ان التجارب التاريخية المختلفة ونوعيات المجتمعات المختلفة بحاجة لان تؤخذ بعين الاعتبار.
ان ما هو مهم هو ان نبقى في الاتجاه الصحيح ومتابعة سبيل الحجة التي تبنيها المعتقدات الاسلامية.
لقد لفتت تركيا الانتباه الى الحاجة للاصلاح داخل العالم الاسلامي منذ مدة طويلة.
في هذا الخصوص، وتأكيداً على اهمية القيم العالمية اشرت الى ضروريات مثل الديمقراطية وحكم القانون والحقوق الانسانية والحكم الجيد والشفافية والمسؤولية ومساواة الجنس ورفض العنف والهياكل الاقتصادية التي تعمل بفاعلية وحرية اكثر لقد اشرت الى مسؤوليتنا في ترتيب بيتنا لانه لا احد يمكنه ان يحقق ذلك افضل منا.
ان الطريقة في ترتيب بيتنا هي الاشتراك في عملية تغيير صحية اي ان نضع جدول اعمال واقعيا للاصلاح في محله.
وبشكل واضح، فإن الاصلاح المطلوب هنا يتعلق بحكم المجتمعات الاسلامية وليس بالاسلام نفسه.
ان علينا ان نشخص مشاكلنا بحرية ونشارك في تبادل بناء وسريع الاستجابة للآراء.
ان المشاكل التي يقدمها لنا الواقع الاجتماعي على شكل معادلات متعددة المتغيرات بحاجة لمخاطبتها باسلوب متعدد النظم. وحسب مقدار نجاحنا في ذلك، سنكون قادرين على الدفاع عن مصالح الامم باسلوب قوي.
لذلك، فإنني اعتقد انه من المهم جداً ان المبادرة التي تطلقونها اليوم ان يتم تطويرها على اساس ان تستجيب الى حاجات مجتمعاتكم. لكن اذا كانت هذه المبادرة مقتصرة على هدف سياسي واحد أو تعكس منظورا واحدا، فإنه من الصعب توفير قيمة اضافية كما هو الحال مع محاولات مشابهة اخرى. ان المجتمع المدني ظاهرة يثري نفسه بالتنوع.
في هذا الاعتبار، اعتقد انه من المفيد جداً تصميم شبكة العمل التي تنوون انشاءها بين منظمات المجتمع المدني وليس كهيئة منظمة، لكن كبرنامج يسير، يساعد في تقوية منظمات المجتمع المدني في العالم الاسلامي.
ان تطوير مؤسسات المجتمع المدني هو في الحقيقة عملية يمكن ان تختلف مدتها من بلد لآخر. ان الشيء المهم هو دعم هذه العملية باسلوب واقعي وبناء بمشاركة الخبرة مع الآخرين من خلال الهياكل التي تشجع وتسهل. إنني اعتقد ان القيمة المضافة الحقيقية للبرنامج الذي تنشؤونه هنا يقع في هذه الحقيقة.
انني واثقة بأن التجمع الفكري والدعم العام المتمثل في هذا المؤتمر سيقدم نتائج ناجحة اقدم اطيب امنياتي لجميع المشاركين. |