العالمية - جمادى الآخرة - 1426 هجرية - يوليو 2005 م - العدد (183) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

هيبة المؤمن

عن أبي عبدا لله احمد بن يحيى الجلاء قال: مات أبي، فلما وضع في المغسل رأيناه يضحك. فالتبس على الناس أمره، فجاؤوا بطبيب، وغطوا وجهه. فأخذ مجسه، فقال: هذا ميت. فكشفوا عن وجهه الثوب، قرآه يضحك. فقال الطبيب ما أدري أحي هو، أم ميت؟! فكان إذا جاء إنسان ليغسله لبسته منه هيبة لا يقدر على غسله، حتى جاء رجل من إخوانه، فغسله، وكفنه، وصلى عليه، ودفن.

جبة من صوف

عمر سعد بن أبي وقاص طويلا وأفاء اللّه عليه من المال الشيء الكثير، لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال: كفنوني بها فإني لقيت بها المشركين يوم "بدر"، وإني أريد أن ألقى بها اللّه عز وجل أيضاً.

يترقب الموت

ظل الربيع بن خثيم حياته كلها يترقب الموت ويستعد للقائه، فلما احتضر جعلتا بنته تبكي، فقال: ما يبكيك يا بنية وقد أقبل على أبيك الخير؟! ثم أسلم روحه إلى بارئها.
 

طـول السـفـر وقلـة الـزاد

مرض عامر بن عبدا لله مرض الموت، وهو في بلاد الشام في بيت المقدس، فدخل عليه أصحابه، فوجدوه يبكي، فقالوا: ما يبكيك، وقد كنت، وكنت؟! فقال: واللّه ما أبكي حرصا على الدنيا، أو جزعا من الموت وإنما أبكي لطول السفر وقلة الزاد. ولقد أمسيت بين صعود وهبوط، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، فلا أدري إلى أيهما أصير. ثم لفظ أنفاسه، ولسانه رطب بذكر اللّه، وهناك، هناك، في أولى القبلتين. وثالث الحرمين، ومسرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثوي عامر بن عبدا لله التميمى.
 

النواصي والأقدام

لما مرض محمد بن واسع الأزدى مرض الموت، تكاثر الناس على عيادته حتى غص منزله بالداخلين عليه والخارجين، والقائمين في منزله والقاعدين، فمال بشقه على أحد خواصه وقال: أخبرني ما يغنى عني هؤلاء إذا أخذنا غدا بالنواصي والأقدام، وما ينفعونني إذا ألقيت في النار؟! ثم أقبل على ربه وجعل يقول: اللهم إني استغفرك من كل مقام سوء قمته، ومن كل مقعد سوء قعدته، ومن كل مدخل سوء دخلته، ومن كل مخرج سوء خرجته، ومن كل عمل سوء عملته، ومن كل قول سوء قلته، اللهم إني استغفرك من ذلك كله، فاغفر لي، وأتوب إليك منه، فتب على، وألقى إليك بالسلام قبل أن يكون لزاما. ثم فاضت روحه.
 

كفن أبي بكر

هذا القاسم بن محمد لما شعر يدنو الأجل، وهو في طريقه للحج قال لابنه: إذا أنا مت، فكفني بثيابي التي كنت أصلي فيها: فذلك كان كفن جدك أبي بكر. ثم سو على لحدي. وإياكم أن تقفوا على قبري، وتقولوا: كان، و كان.
 

الزاهد العابد

كان أبو الحسن الاصبهاني كان أولا مترفا، ثم صار زاهدا عابدا يبقى الأيام لا يأكل فيها شيئا، وكان يقول: ألهاني الشوق إلى اللّه عن الطعام والشراب، وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالإعلال والأسقام، وإنما دعاء وأجابه أدعى فأجيب، فكان كما قال: فبينما هو جالس في جماعة، إذ قال لبيك ووقع ميتا؟

ومات الامام البخاري، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص، ولا عمامة وفق ما أوصى به، وحينما دفن فاحت من قبره رائحة عالية أطيب من ريح المسك، ثم دام ذلك أياماً، ثم جعلت ترى سوارى بيض بحذاء قبره.
 

شر الدنيا

لما أقبل الموت على أبي حازم الأعرج، قال له أصحاب: كيف تجدك يا أبا حازم؟ فقال: لئن نجونا من شر ما أصبناه من الدنيا، فما يضرنا ما روى عنا منها.

ثم قرأ الآية الكريمة: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) (مريم: 96)، وما زال يكررها حتى أتاه اليقين.

طائـر أبيض

عن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة عبدا لله بن عباس بالطائف فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر ابيض حتى دخل في أكفانه فالتمس فلم يوجد فلما سوى عليه سمعنا صوتا نسمع صوته ولا نرى شخصه: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (الفجر).

عن انس بن مالك يقول: "كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال له: يا جبريل، ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت به فيما مضى؟ قال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث اللّه عز وجل إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: وفيم ذاك؟ قال: كان يكثر قراءة (قل هو اللّه احد) (سورة الإخلاص) بالليل والنهار، وفي ممشاه، وقيامه، وقعوده قال يزيد: أو قائماً أو قاعداً، فهل إليك يا رسول اللّه أن اقبض إليك الأرض حتى تصلى عليه؟ قال: نعم. قال: فصلى عليه، ثم رجع.

معاذ بن جبل

هذا معاذ بن جبل يخرج إلى فلسطين ليبلغ دعوة ربه فمرض فلما حضرته الوفاة استقبل القبلة وجعل يردد هذا النشيد: مرحبا، زائر جاء بعد غياب، وحبيب وفد على شوق، ثم جعل ينظر إلى السماء ويقول: اللهم انك كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار، وجر الأنهار، ولكن لظمإ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر، اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة ثم فاضت روحه الطاهرة بعيدا عن الأهل والعشير، داعيا إلى اللّه، مهاجرا في سبيله.

والي خراسان

هذا الربيع بن زياد يتولى أمر خراسان بأمر معاوية بن أبي سفيان، وهو غير منشرح الصدر، وبعد إحدى المعارك يرسل إليه زياد بن أبيه احد ولاة بني أمية كتابا يقول: أن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان يأمرك أن تستبقى الأصفر والأبيض من غنائم الحرب لبيت مال المسلمين، وتقسم ما سوى ذلك بين المجاهدين.

فكتب إليه يقول: أني وجدت كتاب اللّه عز وجل يأمر بغير ما أمرتني به على لسان أمير المؤمنين. ثم نادى في الناس: أن اغدوا على غنائمكم فخذوها، ثم أرسل الخمس إلى دار الخلافة في "دمشق".

رجــل مــن الصالحيـن

كان احد الصالحين قد اعتاد أن يقرأ كل يوم عشرة أجزاء من القرآن الكريم، وذات يوم كان يقرأ في سورة يس، حتى إذا .ما وصل إلى قوله تعالى: (أني إذا لفي ضلال مبين) صعدت روحه إلى السماء فتعجب أصحابه من حوله وقالوا: كان هذا الرجل صالحاً فكيف يختم له بهذه الآية: (أني إذا لفي ضلال مبين)؟ فرآه احد الصالحين في المنام بعد دفنه. فقال له: يا فلان انك قد ختم إليك بقوله تعالى: (أني إذا لفي ضلال مبين) فكيف حالك اليوم مع اللّه؟ فقال: لما دفنتموني وتركتموني جاءني الملكان وسألاني وقالا: من ربك؟ فأكملت لهم القراءة فقلت: (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل: (ادخل الجنة) قال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)(يس).

أبــو ذر مـات وحـيدا

عن أم ذر قالت: لما حضر الموت أبا ذراً بكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ما لي لا ابكي وأنت تموت بفلاة من الأرض يدان لي بنعشك، وليس معنا ثوب يسعك كفنا، ولا إليك. فقال: لها ابشري، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبد".

واني سمعت رسول اللّه يقول لنفر إنا فيهم: "ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين". وليس من أولئك النفر احد إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وإنا الذي أموت بالفلاة، واللّه ما كذبت ولا كذبت، فأبصري الطريق.

قال: فبينما إنا كذلك إذ إنا برجال على رواحلهم كأنهم الرخم. فألحت عليهم فأسرعوا إلى ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إلى، فقالوا: مالك يا امة اللّه فقلت: امرؤ من المسلمين تكفنونه، يموت. قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر قالوا: صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قلت: نعم.

قالت: ففدوه بآبائهم، وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فسلموا عليه فرحب بهم وقال: أبشروا فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "لا يموت بين امرأين من المسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبد". وسمعته يقول لنفر إنا فيهم: "ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين"، وليس من أولئك النفر احد إلا وقد هلك في قرية أو جماعة، واللّه ما كذبت ولا كذبت، وانه لو كان عندي ثوب كفناً أو لامرأتي ثوب يسعني كفناً لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، ولا يكفني رجل منكم كان أميرا، وعريفا أو بريداً أو نقيباً قال: القوم ما احد إلا وقد قارف من ذلك شيئاً إلا فتى من الأنصار فقال: إنا أكفنه في ردائي هذا وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي قال: أنت فكفني، فكفنه ودفنه في النفر الذين معه منهم حجر عدى بن الأدبر.