|
حُكي أن مُطرِّف بن عبداللّه بن الشّخّير نظر إلى المهلّب بن أبي صُفْرة وعليه حلّة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال: يا أبا عبداللّه، ما هذه المشية التي يبغضها اللّه ورسوله؟
فقال المهلب: أما تعرفني؟
قال: بلى أعرفك:
أولك نطفة مذرة
وآخرك جيفة قذرة
وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة!
فأخذ ابن عوف هذا الكلام، فنظمه شعراً، فقال:
عجبتُ من مُعجب بصورته
وكان بالأمس نطفة مذره
وفي غدٍ بعد حسن صورته
يصير في اللحد جيفة قذره
وهو على تيهه ونخوته
ما بين ثوبيه يحمل العذره
وقد كان المهلب أفضل من ان تخدع نفسه بهذا الجواب، ولكنها زلة من زلات الاسترسال، وخطيئة من خطايا الادلال.
* * *
لعمري ما يجد الانسان - لو تدبر - نعتاً في البشر أشنع وأشأم عليهم من الكبر والعجب!
وانه ليزري بالانسان حتى يسقطه من الاعين سقوطاً لا يقوم بعدها الا بتواضع يكرم به ويشتهر ليمحو بنوره ظلمة تلك السقطة، ويقيل بعد تلك العثرة!
قف حنانيك أيها المعجب بنفسه!
أين يذهب بك؟!
أما خطر ببالك لحظة وخامة هذا المسلك، بل المهلك؟!
وقد حمل العجب بعضهم، وقد سألته امرأة: يا عبداللّه، كيف الطريق إلى موضع كذا؟
فقال: يا هناه، مثلي يكون من عبيد اللّه؟!
قلت في نفسي سبحانه اللّه أو يصل الانسان من الاغترار بنفسه ان يفوه بمثل هذه الجرأة على رب العالمين، على الديان، على مالك الملك، جبار السماوات والارض، من بيده كل شيء، وهو قادر على كل شيء؟!!!
حقاً ما قاله رب الأكوان عن الإنسان: إنه كان ظلوماً جهولاً)!
(فعول) اسم المبالغة في نعت ظلمه وجهله.
وقال فيه: (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)!
قف حنانيك!
أنت مستغن بأي شيء؟!
أذكر نعتاً واحداً، أمراً واحداً، في الحس أو المعنى، في الظاهر أو الباطن، أنت صاحبه، أنت موجده ومسديه، وخالقه ومبديه؟!
ما أعظم جراءتك أيها الإنسان؟!
لو تأمل الانسان في لحظات تفكر عن قدره في ملكوت اللّه وملكه، لكانت الهباءة اكبر واكبر واكبر من اضعافه واضعاف اضعاف اضعافه، فيتطامن بعد استعلاء، ويذهب عنه فخره!
تدبر! هو أجدى عليك من تطوعات وتنفلات!
تفكر! هو أنفع لك من تقربات وتصدقات كنت قد زهوت بها، وظننت أنك على شيء!
وفي أي فضل كان فيك أو عليك كان الوهاب الرزاق قادراً ان ينزعه منك ويودعه في غيرك، ويحل فيك اضعافه من السوء والشين!
تعال! أفأنت قادر على رده عنك، أو تأخيره طرفة عين؟!
* * *
ومن أعلق الكلمات في خلدي عن زجر المعجبين والمتكبرين قول الاحنف بن قيس:
عجبتُ لمن جرى في مجرى البول مرتين، كيف يتكبر؟!
إي واللّه ألا أعجب وتعجبون، كيف يتكبر؟!!
|