العالمية - جمادى الآخرة - 1426 هجرية - يوليو 2005 م - العدد (183) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الفكر الإسلامي وسـطيــة وواقعية

 

إعـداد/ وزارة الأوقـاف - إدارة الإعلام الديني

 

الوسـطية ذلك الحـلم المنشــود والـغايــة المقصودة لكل حضارة وفكرة هي الاعتدال والتوازن حيث الثقة والاقتناع من الجميع يقول الشاعر:

هم وسط يرضى الإنام بحكمهم       إذا نزلت إحدى الليالي العظائم

وقد استحقت امة الاسلام الخيرية والشهادة على الامم لوسطيتها قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول علكيم شهيدا) (سورة البقرة 143)

تلك الصفة الحميدة والمفخرة التليدة لم تتجسد وتتنزل إلى الواقع بجميع صفاتها إلا حين نزل الاسلام، حيث اصبحت شعاراً يعلق، وقولا يكرر، وعملا وواقعاً يشهد به الحال قبل المقال. لقد وضع الإسلام منظومة متكاملة شملت جميع مناحي الحياة وقد راعى في تكاليفه وعباداته الثنائية الروحية والمادية المكونة للإنسان فربطه من جهة الروح بربه وعباداته من صلاة وصوم وصدقة.. وفتح له ابوابا لتحقيق رغباته الجسدية، والمادية.
وحول القيم والمثل العليا، لم يكن الاسلام جانحا الى المثالية التي دعا اليها افلاطون في المدينة الفاضلة، لكنه لم يرض للانسان الا ان يكون انساناً مميزاً عن سائر المخلوقات، انظر كيف حث الاسلام على الانفاق مثلاً ونهى عن الاسراف "ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسور" (الآية 29 سورة الإسراء).

ان الفكر الاسلامي لا يقف عند حد الواقعية وكونه قابلا للتطبيق فقط، بل انك تجده رغم صحة احكامه ودقة تصوراته لا يلغي الآخر ولا يجبره ويفرض عليه نفسه قال تعالى "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (الآية 256 البقرة) ان الاسلام لا يفرض بل يشرح ويبين (وما على الرسول إلا البلاغ" (النور الآية 54) وبعد ذلك "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الآية 29 الكهف) تلك ميزة ديمقراطية ان صحت التسمية لم يشهدها فكر قبل الاسلام ولم يطبقها بعده اي مجتمع.

ان الاسلام حين فتح باب الحوار اسس ذلك على باب من الاخذ والعطاء يؤمن بصحة ما عنده لكنه لا يغلق امام الخصم باب المحاجة والبرهان "قل إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" (الآية 24 سبأ) وقال تعالى "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" (الآية 64 آل عمران) انها اسلوبية في الحوار تنصف الخصم ايما انصاف، وتجعل هدفها هو معرفة الحق بالدليل والبرهان.

قاعدة الانصاف وقبول الآخر شهد بها التاريخ للاسلام وحده فلقد كانت كل الحضارات تقصي غيرها ولا تقبل بالمخالف أبداً، في الوقت الذي عاش في ظل الدولة الاسلامية اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم في احسن حال واعدل قضاء.

ثم ان الفكر الاسلامي حين جمع بين الثبات والمرونة لم يكن الا تطبيقاً لما الزم به نفسه من الاعتدال والواقعية، فكانت الاصول والثوابت عوامل بقاء وجذور تأصل، وجاءت الفروع عوامل ثراء ووسائل تجدد، عوامل البقاء والتجدد هذه جعلت الاسلام قادراً على التفاعل مع حضارات الامم والاستفادة من المخالفين - فالحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها فهو احق بها لذلك نجد المسلمين ترجموا ثقافات اليونان والفرس والروم دون خوف أو هيبة، بل غربلوا ذلك كله وانتفعوا بما فيها من الخير وألغوا ما اعتراه من المفاسد والاخطاء.

ان الفكر الاسلامي يؤمن بالتعددية الفكرية والحضارية ويؤكد على حرية الرأي والمعتقد "لكم دينكم ولي دين" (الكافرون الآية 6) ويدعو الى التعارف والتعايش (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) (الحجرات 13) وكذلك قوله تعالى (لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم) (الممتحنة الآية 8)...

وخلاصة القول:
ان الفكر الاسلامي كان وسطياً في التعامل مع ذاته ومع الآخرين، فلم يرد من المسلمين ان يكونوا رهبانيين متجردين ولا ماديين شهوانيين بل قال تعالى (وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) (القصص الآية 77)
لم يلغ المجتمع على حساب الفرد ولم يسحق الفرد على حساب المجتمع، بل أباح الملكية الفردية ودعا الى التعاون والتكافل وفرض الزكاة على الاغنياء لترد على الفقراء، لم يلغ الآخرين ويقصهم بل دعا الى البر بهم والقسط معهم (ان تبروهم وتقسطوا إليهم إن اللّه يحب المقسطين) اراد المسلمين ان يكونوا دعاة مبشرين ومنذرين يبينون للناس الحق من غير تعنيف ولا اكراه للمكذبين والرافضين، ولا تكفير وتفسيق للمخالفين من المسلمين.