العالمية - رجب - 1426 هجرية - أغسطس 2005 م - العدد (184) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

من الأشعار

 

 

ونـــرى بـــــلاد المسلمين تحـــررت

 

 

 شـعــر د.  سعـد المـرصفي

 

يا حبنا لمّا ذكرتك أشرقت
في ساحة الميزان أرقب رحمة
والنار في غليانها وحريقها
يهوون في نار تذيب جلودهم
فمضى يولول في الجحيم ونارها
مستصرخاً من كل أنّات النوى
حتى يذوق الذل في جبروتها
يتجرّعون صديدها وجحيمها
حتى الثياب مقيسة ومحيكة
يمسي ويصبح بالوعيد مجددا
وهنا ترى اللعنات فيما بينهم
وترى التبرؤ والتنصل شاملا
وهنا نرى تلك الوجوه كئيبة
ومشاهداً أخرى هنالك غيرها
حتى ترى هذا الرجيم إمامهم
وهنا فقط يعظ اللعين موضحا
والكل يرجو أن يفوز بجنة
هلا تبعت إلى النجاة محمدا
فهو السبيل إلى الحياة وعزها
لا تطفئ الأحقاب من أنواره
  روحي فأنظر للبرايا حضّرا
مهداة تهدي المخلصين الكوثرا
والظالمون على الصراط تعثّرا
والعقل من هول العذاب تحجّرا
وهوى يجلجل في الوعيد مكشّرا
ويكاد يفنيه اللهيب مسعّرا
يهوي هشيماً في الجحيم مبعثرا
من كل لون في العذاب مكرّرا
كفنا أعد من الجحيم محررا
يعطى عقابا بالخطايا مشترى
وترى الحديث ملفقا ومزورا
ما كان في درج الذوائب والذرا
وحسيرة تصلى سعيرا ممطرا
حتى ترى فوق العجائب ما ترى
يلقى بدائرة الملام ومنكرا
وهنا فقط يعظ اللعين مقررا
والحق يحكم ليس قومك فجرا
حتى تفوز إلى الجنان وتعبرا
بل رحمة للعالمين مبشرا
أبدا يساقط عن ضياه الأعصرا

****

يا أمة الاسلام قودي للهدى
حتى نرى سلماً يعود ورحمة
ونرى الشباب تحسنت أخلاقه
ونرى الظلام تكسرت أمواجه
ونرى حياة الخلق طراً حلوة
ونرى بلاد المسلمين تحررت
ونرى فلسطين الأبيّة أصبحت
ومآذن القدس الشريفة أذّنت
والنور يسرى في ربوع حياتنا
ونرى كتاب اللّه يحكم شرعه
فتهزنا الأصداء من إرعاده
وتهزنا الكلمات من آياته
 يتدفق الإيمان في عبراتنا
ونرى رسول اللّه في سنن الهدى
والشمس بالتوحيد أشرق نورها
والحب والإيمان جاء لقلبنا
والأزهر المعمور بشر داعياً
 

 كل الخليقة أسوداً أو أحمرا
 
ونرى الوجود مضمخاً ومعطّرا
مسكاً بأفواه الزمان وعنبرا
والناس قد لزموا الكتاب المبصرا
لو أنهم تبعوا السراج النيّرا
 
من كل شيطان أتى مستعمرا
علماً يرفرف بالسلام ومفخرا
والمسجد الأقصى هنالك كبّرا
والأرض تلتحف البساط الأخضرا
بين الخلائق قاضياً ومدبّرا
والقلب لما أن جفاه تفطّرا
 
والروح لما أن هواه تعطّرا
وهنا نرى الوطن الأبيّ تحررا
عادت لتحيي كل شيء أقفرا
 
والخلق هلّل وجههم وتنوّرا
والنصر للإسلام جاء معطّرا
والقيروان أتى يحيي الأزهرا

****

 
 

ننــفـع  أعـداءنا

 

بقلم د. محمد ياسر القضماني

 

قال الإمام أبو الحسن الماوردي - رحمه الله- أنشدني أبوثابت النحوي لبعض الشعراء:

ومصروفة عيناهُ عن عيب نفسه   ولو بان عيبُُ من أخيه لأبصرا

ولوكان ذا الإنسانُ ينصف نفسه   لأمسك عن عيب الصديق وقصَّرا

فهذّب أيها الإنسان نفسك بإنكار عيوبك، وانفعها كنفعك لعدوك، فإنه من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ.

 

****

 

لعمري هذا من بليغ الموعظة، وأنفس النصح!

وهذا الذي قرأت هو آخر ما خطّه الإمام الماوردي من نُصْحٍ في كتابه الكبير القدر (أدب الدنيا والدين)، وذكره بعضهم بــ»ادب« الدين والدنيا ولعله أقرب في الواقع، إذ جاء في التنزيل (وللآخرة خير لك من الأولى)!

وأيّاً كان الأمر فلا قدر للعبد ما لم يعمر وقته بالآداب المرعية، في شؤون الدّارين، وما ذهل عن هذا عبد إلا خاب وخسر!

****

 

وما ختم به الإمام ينبغي الوقوف عليه، والتبصّر فيه!

وهذا الأدب العظيم يذكرنا بالحديث الشريف: "يبصر أحدكم القَذَى في عين أخيه وينسى الجذَّع في عينه".

وجاء: «إذا رأيتم الرجل موكّلاً بذنوب الناس، ناسياً لذنبه فاعلموا أنه قد مُكِرَ به».

نعم! وأي مكَرٍ هو فيه؟ يشتغل بالحديث عن عيوب الناس، وهو ذاهل عن نفسه!!

أي مكر أوضح وأظهر من هذا المكر أن يُصرف عن إصلاح نفسه، ويتوفّر على إصلاح غيره؟!!

أرأيتم إلى الشمعة تضيء لغيرها وتذوي حتى تفنى؟!

وصدق الإمام الماوردي: (وانفعها كنفعك لعدوك) يقول:

تنفع عدوك، وتهمل نفسك، عُدْ على نفسك بما تعود به على غيرك من عدو وغيره، ولو عُدْتَ على نفسك بما تعود به على غيرك لنجوت!

صدق القائل:

أرى كلَّ إنسان يرى عيبَ غيره    ويعمى عن العيب الذي هو فيه

فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه    ويبصر عيباً كائناً بأخيه

فإطلاق هذا الشاعر القول بأنه يرى كل إنسان يرى عيب غيره، ويعمى عن العيب الذي هو فيه - ليس غلوّاً من القول؛ فإنه لا يكاد ينجو من هذا العيب إلا من رحم الله؛ والنّادر - كما يقولون - لا حكم له!

ألا نعجب من أن الإنسان يتلبس بحماقة كبيرة، وهو الذي ينعت نفسه أو ينعته الناس بالعقل؟!!

يبصر أحدكم القذى في عين أخيه أي الشيء اليسير من الوسخ أو التبن ولا يشعر بالجذع على ضخامته وغِلَظِه إنْ كان فيه!!

 

****

 

ومن هنا يتبين لنا فخامةُ ما ورد عن سيـدنا الجليل أنس - رضي الله عنه-: (طوبي لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس)!

نعم! إي والله طوبى له، ثم طوبى له!

ومما ذُكر: أن طوبى شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها!

ولم لا يستحق هذا الذي خالف هواه، وكفَّ لسانه وبصره وسمعه في مجاهدات طويلة - لم لا يستحق هذا الإكرام والإنعام؟!!

ولعمري ما بزَّ اقرانه، ونال عزَّ الدارين إلا من عكف على إصلاح نفسه، ولم يرض عنها مهما صنعت وأحسنت!

وليكن دائماً على ذُكر منّا أنه مهما صلحنا فنحن في حاجة إلى المزيد، وكيف نذهل عن قول الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن ابراهيم: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسُّوء إلا ما رحم ربي«؟!