|
الاسلام دين الوسطية والاعتدال، وقد جاء لتيسير امور الناس وتوجيهها الى خالقها ارحم الراحمين فليس النبي صلى اللّه عليه وسلم الا رحمة مهداة، وليست التكاليف الشرعية الا تحقيقاً لمصالح العباد الدنيوية والاخروية.
قال تعالى (يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (سورة البقرة الآية 185)
ان هذا العموم في التيسير والوسطية والاعتدال امر شائع في كل مناحي الاسلام من تكاليف وعبادات ومعاملات واخلاق وغيرها، والذي سنركز عليه هنا هو: جانب العبادة، فأين تتجلى وسطية الاسلام في العبادات والتكاليف الشرعية؟ وهل راعى الاسلام في ذلك مصالح البشرية ومشاغلها؟
اول شاهد على ذلك هو محدودية التكاليف الشرعية، فنجد الاسلام يطالب المسلم بخمس فرائض يومياً موزعة على اليوم والليلة ومراعية اوقات طلب الرزق والمعاش واوقات النوم والاسترخاء، وقد جاء في حديث الاسراء ان النبي صلى اللّه عليه وسلم راجع ربه في التخفيف على امته في الصلوات حتى جعلها اللّه خمساً في العدد خمسين في الاجر والثواب، كما ثبت من حديث الاسراء والمعراج، ونجد مظهراً آخر من مظاهر هذا التيسير في قوله تعالى (يا أيها الذين ءامنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل اللّه واذكروا اللّه كثيراً لعلكم تفلحون) (الجمعة الآية 9).
واذا تجاوزنا امر الصلاة الى بقية اركان الاسلام فإن الامر يزداد وضوحاً حيث فرض الصوم في شهر واحد من السنة، ومن اليوم وجه النهار فقط، وابيح في الليل الاكل والشرب والاستمتاع بكل حلال (احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم) الى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اتموا الصيام الى الليل) (البقرة 187)).
وغيرها من تكاليف الشرع التي فرضها الاسلام وقد ختمت هذه التكاليف كلها برحمة ويسر ما بعده يسر قال تعالى (لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها) (البقرة الآية 286) وقال صلى اللّه عليه وسلم (إن اللّه تجاوز لي عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). رواه البيهقي وابن ماجة.
ثم ان المتتبع لتكاليف العبادة ليلحظ جانبا آخر مهما وهو ان هذه العبادات تأتي استجابة لمتطلبات الروح وتلبية لرغبات الجسد، قال صلى اللّه عليه وسلم للنفر الذين ارادوا ان يكلفوا انفسهم من العبادة فوق المطلوب (اما واللّه اني لاخشاكم للّه واتقاكم، ولكني اصوم وافطر واصلي وارقد واتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري.
وهذه العبادة تكسب الفرد والمجتمع من القيم والفضائل ما لا غنى عنه وتحقق مصالح الجميع حيث تشيع الطمأنينة والتعاون والتكافل وغيرها من الفضائل التي هي سر سعادة المجتمعات.
ان العبادة التي هي حبل الصلة بين العبد وربه لا تتوقف فوائدها على تحقيق المصالح الدنيوية والآنية فقط، بل تتجاوز ذلك الى ما هو ابعد واهم فقد رتب عليها الباري سبحانه وتعالى من الاجر والثواب يوم القيامة ما لاعين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ان مراعاة الاسلام لمصالح الناس والتيسير عليهم ليست من خلال تنوع الفروض ولا محدويتها ولا ما فيها من المصالح الدنيوية والاجور الاخروية فقط، كلا انه جعل مع اليسر يسراً آخر وهو اعم واشمل، ذلك ان كل اعمال الانسان وعاداته من طلب للرزق وأكل وشرب يدخل في نطاق العبادة التي يثاب صاحبها عليها ويؤجر، انظر الى حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم (وفي بضع احدكم صدقة قالوا: أياتي احدنا شهوته ويكون له فيها اجر قال ارايتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك اذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم
الامر لا يحتاج منك سوى النية وتصحيح القصد، ان يكون نومك من اجل التقوية على الصلاة والكسب الحلال، وطلبك للرزق لتغني نفسك عن الحرام ومذلة السؤال، واستمتاعك بالحلال لتكف نفسك عن الحرام.
اي شيء اسهل من ذلك واي وسطية واعتدال تجمع بين عادات المرء وحاجاته وبين عبادته لربه؟
ان طالب اليسر في غير الاسلام قد ضل مسعاه وانقطعت به السبل.
وخير ما نختم به هذا المقال قوله تعالى (وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) (القصص آية 77) وقال صلى اللّه عليه وسلم (هلك المتنطعون) رواه البخاري ومسلم وقال (ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق) رواه أحمد (ولن يشاد الدين احد الا غلبه). رواه البخاري
بقلم سليمان خالد الرومي |