العالمية - رجب - 1426 هجرية - أغسطس 2005 م - العدد (184) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الأسرة السعيدة

 

الأعراف والحضارات الوضعية ظلمت المرأة والإسلام أنصفها
الإسلام يدعو إلى الفصل في المشكلات الزوجية عائليا قبل عرضها على ساحات القضاء
القرآن يدافع عن الزوجة مستثيرا مشاعر الأزواج لإنصاف الزوجات والإحسان إليهن
و محذرا من سوء معاملتهن

وشائج التآلف بين الأزواج والزوجات تقوم على المودة والرحمة،
 وهما إحساسان فياضان بقوة التماسك والتجاذب

 

إعداد : إيمان محمود

 

ليست الزوجة شرا لابد منه في حياة الزوج كما تقول بعض الأيديولوجيات، ولا لعنة ولا شؤما كما ترى بعض النزعات الفكرية، بل هي عضو فعال في المجتمع ، إذا سارت على النهج الذي شرعه الخالق عز وجل .... هذا ما يوضحه د. عبد العظيم المطعني المفكر الإسلامي والأستاذ بجامعة الأزهر في هذه الحلقة الاخيرة من رؤيته لمكانة المرأة في الإسلام والتي تعالج " رسالة الزوجة في الحياة " مؤكدا أن الحضارات الوضعية، والأفكار الدينية قبل الإسلام جارت على المرأة عموما، وعلى الزوجة والأم خصوصا جورا عظيما .

وأكد أنه عندما أشرقت شمس الإسلام ، وضع المرأة في المكان اللائق من الكرامة والتقدير والاحترام، بنتا في بيت أبيها، و زوجا في بيت زوجها، و أما في بيت أسرتها، لافتا أن لكل مرحلة من المراحل الثلاث خصوصيات أو خصائص فهي في المرحلة الأولى: بنتا في بيت أبيها تكون " آخذة "، لأنها في دور التربية والتكوين، أما في المرحلتين التاليتين، وهما: زوجا في بيت زوجها، وأما في بيت أسرتها ؛ فالمرأة تكون فيها " مُعطية " ، وعطاؤها وهى زوجة يؤكد أن لها رسالة مهمة في الحياة ، وهى رسالة جليلة حقا في الإسلام وتشريعاته وفى الواقع المحسوس الذي تسوسه شريعة الإسلام.

 

كيف يكون الزوجان لباسا ؟

وأوضح أن القرآن الكريم كتاب يؤدى في الحياة رسالة عظيمة، هي رسالة الوجود كله، ومن ملامح ذلك عرض وشرح وتفصيل دور الزوجة في الحياة الزوجية ، ورسالة الزوجة باعتبارها زوجة فحسب ، عرضها الكتاب العزيز عرضا جميلا ووصفها وصفا حكيما صادقا خاليا من المبالغة والتهويل، ومن القصور والخلل ، فالقرآن الكريم يقول في شأن الزوجات المؤمنات الصالحات: " هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ  "( البقرة 187 ) ، هذه كلمات قصار، ومعان كبار، عبرت في أدب جم عن أخص خصوصيات الحياة الزوجية، وأثرها في سلوكيات الأزواج في المجتمع، بادئا بالزوجات والثمار اليانعة من عطائهن، ثم الأزواج لتتم عمليات التكامل الفطري بين أركان الأسرة.

وقال إن الزوجة ليست رفيقا للزوج قابلا للانفصال، والزوج ليس رفيقا للزوجة قابلا للانفصال، إنما الزوجة هكذا " لباس " ولمن هذا اللباس؟ للزوج، والزوج لباس لها كذلك.

وتساءل: ما الذي يفيده هذا التعبير الأدبي المعجز الرفيع؟ فإذا رجعنا لمواقع الحياة نجد الناس يرتدون الملابس لثلاثة أغراض:

-الستر، لإخفاء ما يمنع الحياء إطلاع الناس عليه.

-التجمل، ليبدو الإنسان في سمة وهيئة مناسبة أمام الناس.

-الوقاية، لحماية الجسم من الأخطار والأضرار.

ومن أجل هذه المعاني النبيلة سمى القرآن الكريم آثار الحياة الزوجية " لباس " للوصول إلى تحصيل تلك الوظائف التي يؤديها اللباس الحقيقي في الحياة المهذبة الراقية. فالزوجة تعف زوجها فتحميه من فساد السلوك وسوء الخلق وتضفى عليه هالة من الكمال والجمال الروحي والاجتماعي، تماما كما يضفى " اللباس " السمت الحسن، والاحترام والتوقير للابسه.

ثم يخطو القرآن خطوة أخرى في الكشف عن علاقات التجاذب والوئام بين الأزواج، ويورد الله هذا المعنى في مقام الامتنان على عباده بعظائم النعم ودقائقها فيقول:  " وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَة وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَات ِ  "( النحل 73 ).

إن من الإشادة القرآنية ( الإسلامية ) بإعلاء شأن المرأة متمثلة في " الزوجة " أن امتن بها على عباده، موضحا أن الزوجات من أنفُس الرجال إتماما للنعمة، وتحقيقا للألفة والتآنس. ولو كانت الزوجات من غير بني الإنسان لحل التنافر محل التاذب، والوحشة محل الأنس والألفة والتباعد والتجافي في محل الركون والتساكن والائتلاف والاجتماع والاستقرار، ثم بين أن سنة " الزواج " في الحياة، هي المصدر الوحيد لاستمرار الحياة نفسها، جيلا بعد جيل، وإلى هذا ألمح قوله تعالى:

 " وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَة  "( النحل 72 ).

وهكذا يُعلي الإسلام شأن المرأة، ويثنى علي عطائها في الحياة.

لقد رفع الإسلام المرأة إلى أعلى عليين، بعد أن وضعتها الحضارات القديمة في أسفل سافلين، و ظلمتها الأعراف والتقاليد الوضعية، والفكر الديني القديم قبل الإسلام.

المودة والرحمة

ودعا د. المطعني إلي تأمل قول الحق جل قدره:

 " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّة وَرَحْمَة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  "( الروم 21 )، ان أبرز ما يلفت الأنظار، ويشد العقول، ويأسر القلوب، في هذه الآية، أن الله عز وجل وصف تهيئة الزوجات بوصف الآيات الباهرة الدالة على كمال قدرة الله عز وجل، لأنه أورد هذا الحديث في سياق الآيات المعجزة لله عز وجل.

فقد جاء قبل هذه الآية قوله تعالى:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ " - الروم 20، وبعدها جاءت هذه الآية:

(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ " - الروم 22  .

إذا أمعنا النظر في هذه الآيات الثلاث وجدنا الامتنان على العباد - بجعل الزوجات من أنفسنا - عرضه القرآن في معرض خلق البشر أنفسهم من تراب ثم خلق السموات والأرض  -  يعني الكون علوية وسفلية.

وهذا تنويه عظيم، وتذكير حكيم بما للزوجات في حياتنا من فضل عميم، ومآثر طيبة.

ونوهت آية الروم بوشائج التآلف بين الأزواج والزوجات وهى: المودة والرحمة، وهما إحساسان فياضان بقوة التماسك والتجاذب من أثر المودة التي جعلها الله شعورا فطريا يخص به كل زوج نحو زوجته، وكل زوجة نحو زوجها.

أما الإحساس الفطري بالرحمة، فهو طاقة دفاقة تتولد عنها روح التسامح والتغاضي عن كل ما يبدر من أحدهما نحو الآخر من هنات وهفوات.

و أكد أن الحياة الزوجية عرضة لحدوث مشكلات، لكن المشكلة كالنار، إذا مدت بالوقود انتشرت وزاد اشتعالها، وإذا لم تمد بالوقود خمدت وزال خطرها.

أما الحديث النبوي فيكفى أن نورد منه نموذجا واحدا مكملا وشارحا لبيان رسالة الزوجة في الحياة ، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الدنيا متاع، وخير متاعها الزوجة الصالحة " ، ثم فسَّر صلاحها بقوله:

" إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك،وإذا غبت عنها حفظتك ".

هذا الحديث على قصره حصر أفضل متاع الدنيا لا في الغنى والمال، ولا في الجاه والسلطان، ولا في كثرة الولد والعشيرة، ولكن في صلاح الزوجة، وكفى المرأة في الإسلام بذلك تكريما.

كيف يدافع القرآن عن الزوجة ؟

وقال ان من رعاية الإسلام للمرأة بوجه عام، وللزوجة بوجه خاص، أننا بالنظر الفاحص في كتاب الله العزيز - وهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي - ظفرنا فيه بأمرين عظيمي الشأن:

الأول: أن الله عز وجل، تولى بنفسه في كتابه العزيز النص على التشريعات الحكيمة الخاصة بشؤون الزوجات، فوضع أصولها وكثيرا من فروعها، ولم يتركها لاجتهادات المجتهدين إلا في النزر اليسير، وهذه شعبة جديرة بأن يوليها الدارسون لكتاب الله أقصى جهودهم.

الثاني: أن القرآن الكريم في كل مشكلة تحدث أو يُتوقع أن تحدث في محيط الحياة الزوجية نجد القرآن ينِّصب من نفسه محاميا مدافعا عن الزوجة، مستثيرا مشاعر الأزواج الرجال على إنصاف الزوجات والإحسان إليهن، محذرا لهم من سوء معاملتهن، أو القسوة في معاملتهن مهددا لهم بالاقتصاص منهم إذا قسوا في معاملتهن، أو جاروا عليهن.

هذان الأمران ظاهران في آيات الكتاب العزيز ظهور الشمس في رائعة النهار، والمتاح الحديث لنا عنه  -  هنا  -  هو بيان وقوف القرآن في المشكلات الزوجية في جانب المرأة، وهذه نماذج ناطقة منه.

في حالة اشتداد الخلاف بين الزوجين، الذي يؤدي إلى الافتراق بينهما ( الطلاق ) نرى القرآن ينبري للدفاع عن حقوق الزوجة بكل صراحة وقوة:

"وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانا وَإِثْما مُّبِينا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقا غَلِيظا" (النساء 20  -  21 ).

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْها وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ" (النساء 19 ).

في هذه الآيات ينهى القرآن الكريم الأزواج إذا طلقوا زوجاتهم، أو كرهوهن ويعزمون على فراقهن نهاهم عن أن يستردوا شيئا مهما حقر مما سبق أن أعطوه لهن، ولو بلغ قنطارا من الذهب، كما ينهاهم عن افتعال التشاجر معهن بحملهن على طلب الطلاق مع بذل مال للحصول عليه.

 " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارا لَّتَعْتَدُواْ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوا، وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  "( النساء 231 ).

وفى الآية كما نرى ينهى القرآن عن أنصاف الحلول لمشكلات الحياة الزوجية، ويحذر الزوج إذا كره زوجته كرها شديدا أن يحبسها عنده بدون طلاق نكاية فيها، وتنكيدا عليها، فهو إما أن يمسكها ويمتعها بكل حقوقها معززة مكرمة وإما أن يخلى سبيلها غير ظالم لها.

ثم يسوق القرآن هذه التشريعات العادلة الرحيمة في مقام أخلاقي خلاق، بين الرهبة والرغبة مساندا للمرأة في دفع الظلم عنها، وحمايتها من الضياع، أو حرمانها من حقوقها بسبب تعسف الأزواج، وشدة رغبتهم في التشفي والانتقام.

وإذا طلقت المرأة طلاقا رجعيا وجب قضاء عدتها في بيت الزوجية، لا يجوز لمطلقها أن يخرجها، ولا هي يجوز لها أن تخرج من تلقاء نفسها، لأن وجودها في بيت الزوجية مدعاة لمراجعة زوجها لها ولو بابتسامة رقيقة.

وإذا كانت الزوجة حاملا وقت إيقاع الطلاق الرجعى عليها وجب الإنفاق عليها حتى تضع حملها، وفى ذلك جاء قول الحق:

 " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرا" ( الطلاق 1 ).

 " أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى" ( الطلاق 6 ).

إن هاتين الآيتين وردتا في شأن الوفاء للمرأة بحقوقها في حالات الطلاق وانفصام العرى الزوجية إذا لم يمكن الإمساك بالمعروف، ولا التسريح بالإحسان، والحقوق المرعية في الآيتين هي:

 -  إسكان الزوجات حيث يسكن الأزواج يسرا وعسرا، يعنى بالمعروف الذي لا ضرر فيه ولا ضرار.

 -  بقاء الزوجة المطلقة طلاقا رجعيا في بيت الزوجية.

 -  وجوب الإنفاق على الزوجة المطلقة وهى حامل حتى تضع حملها، مع حقها في المتعة على الزوج في جميع الحالات.

 -  التشاور بين الأزواج والزوجات بالمعروف في مسائل النزاع الذي يدور في محيط الحياة الزوجية.

 -  لم يجبر الإسلام الزوجة المطلقة على إرضاع الطفل ذكرا أو أنثى، بل لها حرية التصرف، فإن أرضعت فلها على أبى المولود أجور يجب الوفاء بها، ومن حقها رفض الإرضاع إذا طلقت وفى حوزتها طفل رضيع لمطلقها.

اللهم إلا إذا رفض الطفل وهو في سن الإرضاع غير أمه، فإنه يجب عليها " ديانة " إرضاعه رعاية لمصلحة الطفل شرعا، لا حقا للمطلق عليها، وبين الاعتبارين فرق شاسع.

الحفاظ على الأسرار

ويؤكد أن الإسلام يضن بأسرارها و لا يسمح بكشفها إلا عند الضرورة ، تكريما لها وارتقاء بشأنها . وتقرير هذه الخطوة يتضح من أن الأصل في الفصل في الخصومات هو القضاء في ساحات المحاكم، إلا في الفصل في منازعات الحياة الزوجية، لكننا نرى الإسلام يدعو إلى الفصل في المشكلات الزوجية عائليا قبل عرضها على ساحات القضاء.

فالقرآن الكريم يتخذ هذه المبادرة الحكيمة، فيقول:
 " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَما مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَما مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما خَبِيرا " ( النساء 35 ).

يعنى: إذا نشب اختلاف وشقاق وتنازع بين الزوج وزوجته، فتريثوا ولا تستعجلوا برفع الأمر إلى القضاء، الذي يغشاه الحابل والنابل، ولكن كلفوا أحدا أو جماعة من أهل الزوج، ومثلهم من أهل الزوجة لبحث مسائل الخلاف والاجتهاد في التوفيق بينهما، فإذا كان الزوجان يريدان حقا الإصلاح فإن الله سيوفق بينهما بمعونة الحكمين، أما إذا كانا يريدان مجرد المشاغبة وكان كل منهما يتلكأ على الآخر فإن الأمر مختلف، يعنى إذا كان النزاع مفتعلا فإن جهود الحكمين لن تجدي شيئا.

وليس بلازم أن يكون الحكمان فردين، بل المقام يحتمل أن يكون الحكمان جماعة من أهل الزوج، وجماعة من أهل الزوجة إذا توفر ذلك، وزيادة في ستر الأسرار الزوجية اشترط القرآن أن يكون الحكمان من أهل الزوج ومن أهل الزوجة، لأن ذلك أعون على حفظ الأسرار وعدم ذيوعها في مجالس القضاء، التي يغشاها جمع من الناس.

إن هذا الإجراء حقا من أريحيات الإسلام وأذواقه، وحياطة شؤون المرأة والضن بها عن الابتذال، حتى لكأن الإسلام يضن بالمرأة أن تقف أمام القضاة لتسرد مسالب زوجها، وقد يكون فيها ما ينبغي كتمانه والحفاظ عليه.

ومهما كان الأمر فإن الإسلام يعامل المرأة برفق، ويُثَوِّب عنها في الحماية والدفاع عن نفسها، لأنها كما وصفها القرآن نفسه أنها  " فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ "  ( الزخرف 18 ).