|
يدرك الكثيرون من محترفي الإدارة - خاصة هؤلاء الذين يتبنون النهج الديمقراطي - أن الخلاف في وجهات النظر أمر واقع و مفروض ولا يمكن الفكاك منه. ولعل الكل يدرك أن الخلاف في الرأي في أي مؤسسة إنما هو في مُجمله يجب أن يكون ميزة في المؤسسة لا عيباً فيها .
ونحن نعلم أن العصر الذي نعيش فيه والذي يتبني نهج التكتلات الاقتصادية العملاقة في كل مكان يتبني النهج المؤسسي لا العمل الفردي. وما دام هناك عمل مؤسسي نديره فلابد أن يكون هناك خلاف في وجهات النظر .
والإداري الناجح هو ذلك الشخص الذي يعرف كيف يوظف هذا الخلاف لصالح العمل.و يدرك أن الخلاف بين البشر سنة إلهية ماضية إلى يوم القيامة وذلك منشؤه اختلاف الطباع والمصالح و الأهواء.
و لو لم يكن هناك من خلاف بين الناس لما قال الله عز وجل في كتابه العزيز (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(النساء أيه 59) فلولا الخلاف بين الناس لكانت الدنيا كما هي منذ أن خلقها الله عز وجل فاختلاف الآراء و الأهواء خلق نوعا من التباين و التنوع في دنيا الناس.
وقطعاَ فإن هذا الاختلاف في الطبيعة البشرية قد ينتج عنه خلاف في الرأي بين الناس.
روى أبو سعيد الخدرى رضي الله عنه أنه :"خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداَ طيباَ فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء و الصلاة و لم يعد الأخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد أصبت السنة و أجزأتك صلاتك وقال للذي توضأ وأعاد :لك
الأجر مرتين " رواه أبو داود والنسائى.
"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في الرأي فكل ما وافق الكتاب
والسنة فخذوا به وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" الإمام مالك رحمه الله
فلم يُُحدث الخلاف بين الصحابيين الشجار و الشحناء بينهما و إنما
عادا بالأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إذاَ المهم ألا يؤدى الخلاف في الرأي إلى ذهاب الود والحب بين القلوب.
فالخلاف في الرأي يجب ألا يخرج عن كونه ظاهره تربوية وإدارية سليمة لا غبار عليها خاصةَ إذا كان الهدف هو الصالح العام.
ويخطئ البعض حينما يظن أن رأيه هو الصواب وأنه لا يخطئ أبداَ وأن على الجميع أن يسمع لأرائه ويتبعه.
فهل يا ترى مثل هذا الشخص يتقبل الخلاف في الرأي ؟ونحن لا ننكر أن لكل إنسان منا خبراته الجديرة بالاحترام ولكن لابد أن يفسح هؤلاء المجال لغيرهم كي يعبروا عن أرائهم
.
فلا ينبغي أن نكون نسخاَ كربونية من بعضنا البعض و إلا لما تطورت الدنيا و تجدد وجه الحياه.
إن الاختلاف وحده هو ما يؤدي لظهور أفضل الأشياء وأبرع الأشخاص. ولذا فأنا ضد البناء الاجتماعي الذي يذيب الاختلافات والفروق الفردية ،لأني أريد للصفوة أن تعتلي القمة.
روبرت فروست
ما قيمة أن نختلف؟!!!
- للوصول إلى أفكار جديدة تلاقح الأفكار القديمة.
- للوصول إلى الإبداع في طرح و تناول الموضوع .
- حل المشكلات الراهنة .
- معرفة كيف يفكر الطرف الأخر .
- إنها فرصة لإيجاد حلول بديلة للمشكلة محل البحث.
- إكساب الأفراد الثقة بالنفس و القدرة على المواجهة وإيجاد الحلول.
- الاختلاف في الرأي رحمة لأنة من المستحيل حمل الناس على رأي واحد.
- إنها فرصة لأن يأخذ كل طرف ما يناسبه من حلول .
- الاختلاف في الرأي من شأنه أن يسع قدرات الناس جميعاَ .
جوزيف ستراوب
مهارات حسم الخلاف!!!!!
1- أن نسارع برد الأمر إلى الله عز وجل والى الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ).
2-إذا لم يستوعب الأطراف الأمر جيداَ فليسألوا أهل الذكر و التخصص لقوله تعالى (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(النحل أية 43).
وأهل الذكر هنا قد يكون المدير العام أو استشاري المؤسسة الموجود أو الزملاء القدامى أو المؤسسات المتخصصة في الموضوع .
3- ضرورة الالتزام بنتائج التحكيم و البعد عن الهوى.
4- ضرورة تجنب الألفاظ الجارحة أثناء الخلاف حتى لا يتدخل الشيطان فيفسد ما بيننا من محبة.
5- أن يظن كلا الطرفين أن الخطأ عنده و الصواب عند صاحبه حتى يتواضع كل منهما للأخر.
6- لا تنس أن تعتذر عند الخطأ لأن الأمر سوف ينتهي شئنا أم أبينا
ستبقى تلك المواقف هي الراسخة في أذهاننا.
7- وأخيراً عليك :
- تحديد المشكلات وحلها ، والنظر إلى الفرص من وجهة نظر الإدارة.
- توسيع منظورك لكي ترى الصورة الكبيرة كما يتم وضعها من الإدارة العليا.
- الموازنة بين مشاعر الولاء تجاه مرؤوسيك والولاء تجاه رؤسائك. هذه المسؤولية ملقاة على عاتقك بغض النظر عن المستوى الإداري الذي تشغله.
كــن محـــاوراً لـبقـــاً
فإجادة فن الحوار من الصفات المهمة التي تقربك للآخرين، فلابد للناجحين من اجادة هذا الفن في التعامل، فمن الممكن عن طريق الحوار ان ينقلب الحق الى باطل، والباطل إلى حق، فلتحرص اخي الكريم على اجادة هذا الفن الخطير، حتى تكون قادراً على ابراز الحق.
القرآن الكريم
ان القرآن الكريم يعرض لنا قصصاً عدة، هي نماذج ادق واروع ما يمكن في فن التحاور وادب النقاش. وفيما يلي إشارات:
- اقرأ ان شئت قصة سيدنا ابراهيم في حواره مع النمرود.
- اقرأ قصة تحاور اللّه عز وجل مع سيدنا موسى عليه السلام.
- اقرأ حوار اللّه عز وجل مع آدم عليه السلام.
- اقرأ حوار سيدنا سليمان عليه السلام مع الهدهد.
مواقف من السيرة
مواقف كثيرة ذكرت في القرآن، تعلمنا كيف نتحاور، وندافع عن الحق الذي نؤمن به، والفكرة التي نعتنقها، فارجع - اخي الكريم - الى القرآن، والى هذه القصص في مواضعها، لتتعلم منها فن الحوار.
واليك هذه القصة من السيرة، التي رويت في كتاب «الرحيق المختوم» بتصرف:
حينما اشتد اذى المشركين للرسول صلى اللّه عليه وسلم ولاصحابه في اواخر السنة الرابعة من النبوة، امر الرسول صلى اللّه عليه وسلم المسلمين ان يهاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم من الفتن، وهاجر وقتها اثنا عشر رجلاً واربع نسوة.
ولما علمت قريش الخبر ارسلت في طلبهم، فاختاروا رجلين جلدين هما: عمرو بن العاص، وعبداللّه بن أبي ربيعة، وارسلوا معهما الهدايا للنجاشي وبطارقته وحينما دخلا على النجاشي قالا له: أيها الملك، انه قدأوى الى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، قد بعثنا اليك فيهم اشراف قومهم من آبائهم واعمامهم، لتردهم اليهم.
ولكن النجاشي رأى انه لابد من تمحيص القضية، وسماع اطرافها جميعاً، فأرسل الى المسلمين ودعاهم فحضروا واجمعوا على الصدق كائناً ما كان، فقال لهم النجاشي ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين احد من الملوك.
قال جعفر بن أبي طالب وكان متحدثاً عن المسلمين - أيها الملك، كنا قوماً اهل جاهلية نعبد الاصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث اللّه الينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا الى اللّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنانعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وامرنا بصدق الحديث، واداء الامانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحاور والدماء إلى آخر القصة...«.
فقال له النجاشي: هل معك شيء مما جاء به عن اللّه؟ فقال له جعفر نعم.
قال اقرأه عليَّ: فقرأ عليه صدراً من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت اساقفته، ثم قال: ان هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ونظر إلى عمرو بن العاص وعبداللّه بن ربيعة، وقال: فلا واللّه لا اسلمهم اليكما.
وفي اليوم التالي اتاه عمرو وعبداللّه بن ربيعة مرة اخرى وطلبا منه ان يسأل المسلمين عن قولهم في عيسى عليه السلام فأرسل اليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح، ففزعوا، ولكنهم اجمعوا على الصدق.
وقالوا هو عبداللّه ورسوله وروحه، ألقاها الى مريم العذراء البتول.
فقال النجاشي: واللّه ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود.
ثم قال للمسلمين: »اذهبوا أنتم آمنون بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم...«.
ثم قال لحاشيته: ردوا عليهما (اي عمرو وعبداللّه) هداياهما، فلا حاجة لي بها..
فانظر الى قدرة جعفر في التحاور، واظهار الحق، وحكمة النجاشي في الاستماع لتعلم أهمية فن التحاور وقيمته في الحياة. |