العالمية - شعبان - 1426 هجرية - سبتمبر2005 م - العدد (185) - السنة السابعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

إنفــاق أبـي طلحـــة

كان طلحة بن عبيد الله تاجراً واسع التجارة عظيم الثراء، فجاءه ذات يوم مال من «حضر موت» مقداره سبعمائة الف درهم، فبات ليلته وجلاً جزعاً محزونا. فدخلت عليه زوجه ام كلثوم بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما، وقالت: ما بك يا ابا محمد؟! لعله رابك منا شيء، فقال: لا ولنعم حليلة الرجل المسلم انت، ولكن تفكرت منذ الليلة وقلت: ما ظن رجل بربه اذا كان ينام وهذا المال في بيته؟! قالت: وما يغمك منه ؟! اين انت من المحتاجين من قومك واخلائك؟! فاذا اصبحت فقسمه بينهم، فقال: رحمك الله، انت موفقة بنت موفق، فلما اصبح جعل المال في حرر وجفان، وقسمه بين فقراء المهاجرين والانصار.

صلــة الــرحــــم

وروي ايضاً ان رجلا جاء الى طلحة بن عبيد الله يطلب رفده وذكر له رحماً تربطه به، فقال طلحة: هذه رحم ما ذكرها لي احد من قبل، وان لي ارضاً دفع لي فيها عثمان بن عفان ثلاثمائة الف، فان شئت فخذها، وان شئت بعتها لك منه بثلاثمائة الف، واعطيتك الثمن، فقال ارجل بل آخذ ثمنها فاعطاة، اياها.

سيد المخبتين

كان ابن مسعود يرى من صفاء نفس الربيع بن خيثم وإخلاص قلبه، وإحسان عبادته ما يملأ فؤاده أسى على تأخر زمانه عن النبي صلوات الله عليه، وحرمانه من صحبته، وكان يقول له: يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله [ لأحبك، كما كان يقول له: ما رأيتك مرة إلا ذكرت المخبتين. ومن ذلك ما رواه أحد أصحابه قال: صبحت الربيع بن خيثم عشرين سنة، فما سمعته يتكلم إلا بكلمة تصعد، وتلا قوله عز وجل: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر: 10)

الداء والذنوب

وللربيع في خوف الله وخشيته أخبار كثيرة من ذلك ما رواه طائفة من أصحابه قالوا: خرجنا يوما بصحبة عبدالله بن مسعود ومعنا الربيع بن خثيم، فلما صرنا على شاطئ «الفرات»، مررنا بأتون كبير قد سعرت ناره، فتطاير شررها، وتصاعدت السنة لهبها، وسمع زفيرها، وقد ألقيت في الأتون الحجارة لتحترق حتى تصبح كلسا، فلما رأى الربيع النار توقف في مكانه، وعرته رعدة شديدة، وتلا قوله جل وعز: {بل كذبوا بالساعة واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً < إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا < وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً < لا تدعوا اليوم ثبورا واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً< قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيراً<} (الفرقان) ثم سقط مغشيا عليه. فرابطنا معه حتى أفاق من غشيته، ومضينا به إلى بيته.

الصمت فكرا

لما مرض الربيع بن خيثم ذهب هلال بن إساف ومنذر بن يعلي الثوري للقائه فقال منذر لهلال: هل ترى أن نبادر الشيخ فنسأله عما نريد؟. أم نلتزم الصمت فنسمع منه ما يريد؟. فقال هلال: لو جلست مع الربيع بن خيثم عاما بأكمله، فإنه لا يكلمك إذا لم تكلمه، ولا يبادرك إذا لم تسأله، فهو قد جعل كلامه ذكرا، وصمته فكرا، فقال منذر: لنمض إليه إذا على بركة الله.

ثم مضينا إلى الشيخ، فلما صارا عنده سلما وقالا: كيف أصبح الشيخ؟ فقال: أصبح ضعيفا مذنبا، يأكل رزقه، وينتظر أجله. فقال له هلال: لقد أم «الكوفة» طبيب حاذق، أفتأذن بأن أدعوه لك؟ فقال: يا هلال إني لأعلم أن الدواء حق، ولكني تأملت عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيراً، ونظرت في حرصهم على الدنيا، ورغبتهم في متاعها، وقد كانوا أشد منا بأسا، وأعظم قدرة، وقد كان فيهم أطباء، وفيهم مرضى، فلا المداوي بقي ولا المداوى!!. ثم تنهد تنهدا عميقا وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوينا منه.

فاستأذن منذر وقال: فما الداء إذا يا سيدي الشيخ؟! فقال: الداء الذنوب. فقال منذر: وما الدواء؟! فقال: الدواء الاستغفار فقال منذر: وكيف يكون الشفاء؟. فقال: بأن تتوب ثم لا تعود، ثم حدق فينا وقال: السرائر، السرائر عليكم بالسرائر اللاتي تخفى على الناس؛ وهن على الله تعالى بواد، التمسوا دواءهن. فقال منذر: وما دواهن؟ فقال الشيخ: التوبة النصوح، ثم بكى حتى بللت دموعه لحيته، فقال له منذر: أتبكي وأنت أنت؟! فقال: هيهات، لم لا أبكي؟! وقد أدركت قوما نحن في جنبهم لصوص - يريد الصحابة رضوان الله عليهم.

عين تدمع من خشية الله

روي عنه عبدالرحمن بن عجلان فقال : بت عند الربيع ليلة؛ فلما أيقن أني دخلت في النوم قام يصلي، فقرأ قوله عز وجل: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} (الجاثية:21) فمكث ليلته يصلي بها، يبدؤها ويعيدها حتى طلع عليه الفجر، وعيناه تسحان الدموع سحا.

بطء إسلامي

هذا حكيم بن حزام رآه ابنه بعد إسلامه يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبتاه؟! قال: أمور كثيرة كلها أبكاني يا بني أولها: بطء إسلامي مما جعلني أسبق إلى مواطن كثيرة صالحة حتى لو أنني أنفقت ملء الأرض ذهبا لما بلغت شيئا منها.
ثم إن الله أنجاني يوم «بدر» و«أحد» فقلت يومئذ في نفسي: لا أنصر بعد ذلك قريشا على رسول الله [ ولا أخرج من مكة، فما لبثت أن جررت إلى نصرة «قريش» جرا. ثم إنني كنت كلما هممت بالإسلام، نظرت إلى بقايا من رجالات قريش لهم أسنان وأقدار متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتدي بهم وأجاريهم، ويا ليت أني لم أفعل، فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكبرائنا، فلم لا أبكي يا بني؟!!.
هكذا القضاء
ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرساً من رجل من الاعراب ونقده ثمنه، ثم امتطى صهوته وحظى به، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلاً حتى ظهر فيه عطب عاقه من مواصلة الجري، فانثنى به عائداً من حيث انطلق، وقال للرجل: خذ فرسك فأنه معطوب. فقال الرجل لا أخذه يا أمير المؤمنين وقد بعته منك سليماً صحيحاً، فقال عمر: اجعل بيني وبينك حكما، فقال الرجل يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي، فقال عمر رضيت به. فلما سمع شريح مقولة الاعرابي، التفت الى عمر بن الخطاب وقال: هل اخذت الفرس سليماً يا أمير المؤمنين، فقال عمر: نعم. فقال شريح احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين، او رد كما خذت، فنظر عمر الى شريح معجباً وقال: وهل القضاء إلا هكذا، قول وفعل، وحكم عدل. سر الى الكوفة فقد وليتك قضاءها.
رؤيا حق
رأى الطفيل بن عمرو رؤيا وهو في طريقه الى «اليمامة» فقال لاصحابه اني رأيت رؤيا فعبروها لي فقالوا وما رأيت؟ قال: رأيت ان رأسي حلق، وان طائراً خرج من فمي، وان امرأة دخلتني في بطنها، وان ابني عمر جعل يطلبني حثيثاً لكنه حيل بيني وبينه.
فقالوا خيراً: فقال: اما انا، والله لقد اولتها، اما حلق رأسي فذلك انه يقطع، واما الطائر الذي خرج من فمي فهو روحي، واما المرأة التي ادخلتني في بطنها فهي الارض تحفر فادفن في جوفها، واني لأرجو ان اقتل شهيداً، اما طلب ابني لي، فهذا يعني انه يطلب الشهادة التي سأحظى بها، اذا اذن الله، لكنه يدركها فيما بعد، واستشهد في اليمامة.

من يستطيع ذلك؟

دخل سعيد بن عامر على عمر بن الخطاب في اول خلافته فقال: يا عمر، اوصيك ان تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله والا يخالف قولك فعلك، فان خير القول ما صدقه العمل يا عمر: اقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، واحب لهم ما تحب لنفسك واهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك واهل بيتك، ولا تخف في الله لومة لائم. فقال عمر ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟! فقال: يستطيع رجل مثلك من ولاهم الله امر امة محمد وليس بينه وبين الله احد.

هل تخليتم عني

دعا عمر بن الخطاب سعيد بن عامر الى مؤازرته وقال: يا سعيد انا مولوك على أهل حمص فقال: يا عمر: نشدتك الله الا تفتني، فغضب عمر وقال ويحكم: وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني والله لا ادعك ثم ولاه على حمص، وقال الا نفرض لك رزقا قال: وما افعل به يا أمير المؤمنين؟ فان عطائي من بيت المال يزيد على حاجتي ثم ذهب إلى حمص.