|
لاشك أن الوقت في شهر رمضان الفضيل له أهمية خاصة ، فالفريضة فيه بسبعين فريضة فيما
سواه ، والنافلة بفريضة ، والحسنة بعشر أمثالها ، والله يضاعف لمن يشاء ، وهو شهر
فيه ليلة خير من ألف شهر قال تعالي " إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما
ليلة القدر ، ليلة القدر خير من ألف شهر " .
والمرأة المسلمة مدعوة لاستثمار أوقات هذا الشهر وإحياء لياليه الطيبة إيمانا
واحتسابا ، وعدم تضييعها في النوم أو اللهو والسهر أمام المسلسلات والأفلام
والبرامج الهابطــة أو مجالس الغيبـة والنميمة، أو استنزافها في الأسواق والبحث عن
الجديد في عالم الموضة والأزياء، فالله سبحانه وتعالي سيحاسب المسلم عن شبابه فيما
أبلاه وعن عمره فيما أفناه كما جاء في الحديث الشريف، ولهذا فإذا كان الوقت في حياة
المسلم بهذه القدسية والأهمية فانه في شهر الصوم أشد قدسية وآكد .
فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من العبادات والطاعات،
فكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان أجود الناس وأجود ما يكون في
رمضان، يكثر فيه الصدقات وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف ، ولنا في رسول
الله صلي الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الحسنة .
إن أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم قصيرة، ومواسم الخير قليلة ، إنها فرصة
لاغتنام هذا الموسم العظيم ، فقد حضنا النبي صلى الله عليه وسلم على أن نأخذ من
شبابنا لهرمنا ومن صحتنا لسقمنا ، كما روي أن نبياً من الأنبياء مر على امرأة وهي
تبكي على ابن لها مات وعمره أكثر من مائتي عام، فقال لها مواسياً: كيف لو أدركتِ
أمة أعمارها من الستين والسبعين، قالت: لو أدركت هذه الأمة لأمضيتها في سجدة واحدة،
ولكن اللــه عوض هــذه الأمة بأن جعـل لها من الأعمـال الصالحة التي
تبارك في العمـر، وكـأن من عمـلها رُزق عمراً طويلاً، كقيام ليلة القــدر
وصيــام الست من شــوال والصــلاة في المسجـد الحرام والنبوي
وبيت المقدس.
ولقد كان السلف أحرص ما يكونون على أوقاتهم لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها، يقول
ابن مسعود رضي الله عنه :" ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي
ولم يزد فيه عملي " .
وعلى الأخت المسلمة أن تشغل وقتها بما يعود بالنفع على أسرتها وأمتها ، فالوقت إذا
لم يُقض في الخير قُضي في الشر ، والنفس ان لم نشغلها بالطاعة شغلتنا بالباطل.
فعلى كل حافظة لكتاب الله أن تشغل نفسها بمراجعة حفظها ومساعدة الأخريات على الحفظ،
وعلى كل ذات علم أن تستزيد وأن تعلم أخواتها، وعلى كل صاحبة فقه ودعوة أن تستثمر
هذا الشهر في إلقاء الدروس والمحاضرات ، وعلى كل مهمومة بأحوال الفقراء والمساكين
أن تجمع لهم التبرعات ، وعلى كل من قطعت رحمها أن تصله .
وعلى الأخت المسلمة أن تتزود من هذه الشهر بالإيمان والطاعات لكي تكون ذات همة
عالية وعزيمة قوية، كأن تجدد علاقتها بالله ، فيكون لسانها دائما رطبا بذكره تعالى،
وقارئة للقرآن آناء الليل وأطراف النهار، وخاشعة في صلوات الفرائض والتراويح والسحر
وسائر النوافل، ومصاحبة للصالحات اللائي يذكرنها بالله إذا غفلت وينصحنها إذا حادت
عن طريق الرشد والهداية ، ومنفقـة للأموال والصدقـــات ، وراعية لبيتها وزوجهـــا
كأحسن ما تكــــون الرعــاية كما أمرنا النبي صلي الله عليه وسلم " فالمرأة في بيت
زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها " .
وعلى الأخت المسلمة أن توازن بين متطلبات بيتها وبين الارتقاء بنفسها في موسم الخير
، فلا تقضي جل وقتها في المطبخ، فهذا الشهر هو شهر الطاعة وليس شهر الأكل وإعداد
أصناف مختلفة من الأطعمة والأشربة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ملأ ابن
آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فان كان لا محالة فاعل فثلث
لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه " .
إلي كل زوجين يتطلعا إلى السعادة في الدنيا والآخرة
ليكن رمضان فرصة لتجديد الحياة الزوجية وتعميق الحب والمودة وتقوية الأواصر
والروابط إذا كان هذا الشهر المبارك فرصة لفعل الخيرات وأداء الطاعات و تحصيل الأجر والثواب
، فهو مناسبة عظيمة أيضا للتقارب الزوجي ، وتجديد الحياة الزوجية وضخ الدم في
شرايينها ، ونبذ الخلافات ، وحسن تربية الأولاد ، وتعميق قيم المودة والمحبة ،
وبناء السكن والتساكن الزوجي والأسري ، قال تعالي " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم
أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " ، وقال تعالي" هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ
وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ " ، لاسيما أن هذا الشهر ترق فيه القلوب، وتصفو فيه
النفوس، وتتنزل فيه الرحمات وتتصفد فيه الشياطين .
إن الحياة الزوجية تعتريها مشكلات كثيرة ، وتأتي مناسبات الخير ومواسم الطاعة لتكون
فرصة مهمة لتذويب أكوام الجليد التي أصابت العلاقة الزوجية والأسرية بالبرود
والفتور من جراء الخلافات ، ومن ثم يصبح لزاما علينا أن نجعل من هذا الشهر الكريم
انطلاقة نحو تجديد الحياة والتعهد ببناء أسرة متحابة ومتماسكة ، وفيما يلي بعض
الأفكار والمقترحات التي نأمل أن تسهم في إقامة حياة زوجية سعيدة ، وتوطيد العلاقة
الأسرية وتنشئة أبناء صالحين :
- أن يبدأ الزوجان هذا الشهر الفضيل بتبادل التهاني الحارة بهذه المناسبة
الإسلامية، والتعبير عن التمنيات الطيبة، والدعاء بدوام الصحة والعافية .
- أن يجدد الزوجان النية الصادقة على نبذ كل ما بينهما من خلافات ونزاعات ، لقول
الرسول صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " .
- أن يعتزم الزوجان بدء صفحة جديدة ، وأن يطويا صفحات الخلافات والمشكلات السابقة ،
وإذا ما طرأت في حياتهما مشكلة فلتعالج بمعزل عما سبق حتى لا تتجدد المشكلات .
- أن يتقربا من الله بالإكثار من الطاعات والعبادات والأدعية ، وليشتركا في أداء
بعض هذه العبادات حتى يتذوقا حلاوة الطاعة والاجتماع عليها .
- أن يستشعرا مسؤوليتهما تجاه أبنائهما، وأن يدركا حق الأبناء في أن يتربوا في ظل
أسرة متحابة ومتماسكة وغير مفككة ، وخالية من الهموم والمشكلات كما جاء في الحديث
الشريف " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "
- العمل علي تقوية أواصر الصلة والتقارب بين جميع أفراد الأسرة ، وتنمية صلة الرحم
بينهم وبين الأقارب كإحدى خصال الخير والفضيلة .
- التذكير المتبادل بالأدعية المأثورة عند الفطور والسحور والإمساك وتعليمها
للأولاد ليداوموا عليها.
- تخصيص جلسة أسرية لقراءة ورد قرآني طوال الشهر الفضيل ، والاجتهاد في أن يكون ذلك
ديدنا طوال أيام العام .
- تخصيص وقت آخر لمدارسة كتاب في السيرة والفقه والحديث .
- ربط الأولاد بالمسجد عبر اصطحابهم لأداء صلاة العشاء والتراويح وقيام الليل .
- تخصيص قسط من الدخل الشهري للفقراء والمساكين ، وتعويد الأطفال على هذا السلوك
النبيل مع مدارسة كتاب حول فضل الإنفاق في سبيل الله .
- على الزوجة أن تحسن معاشرة أهل زوجها ، وأن تبادرهم بالتهنئة ، كما على الزوج أن
يحسن إلى أهل زوجته وأن يصلهم .
- لابد من مراعاة عدم إرهاق ميزانية البيت في رمضان ، وليكن لهذا الشهر ميزانية
خاصة ، فالقاعدة تقول «الإنفاق يكون على قدر الإمكانيات». |