|
غادرنا بعدها
شهر رمضان المبارك، وقد فاز من فاز، وربح من ربح، لتحل علينا مناسبة إسلامية جليلة
أخرى هي عيد الفطر المبارك.
ومن الاستعداد لوداع شهر رمضان المبارك يبرز التساؤل المهم:
لماذا لا يكون العام كله رمضان؟ ولسنا نقصد - طبعا - صيام العام كله، وإنما التحلي
بأخلاق رمضان وروحه ومكارمه في كل أحوالنا طوال العام. السؤال الآخر المهم هو: كيف
نجعل عيد الفطر المبارك بداية جادة للإفادة من الحصاد الرباني لشهر الصيام، وليس
كما يعتبره البعض - خطأ - بداية للتحلل شيئا فشيئا من ?الالتزام الرمضاني.
علماء الإسلام ومفكروه يؤكدون أن إخلاص العبادة في رمضان أعظم معين للمسلم على
التخلي بمكارم الأخلاق طوال العام.

ويجزمون بأن "عيد الفطر" المبارك جائزة إلهية
للصائمين، الأمر الذي يدعونا إلى حسن الإفادة منها في دعم صلة الرحم والإحسان إلى
المساكين والفقراء، واستعادة وحدة المسلمين وتعاونهم في شتى المجالات. العلماء
أوضحوا أيضا أن الإسلام شرع الأعياد لإدخال البهجة والسرور في كل بيت، الأمر الذي
يفرض علينا نحن المسلمين الابتعاد عن كل ما يشوه جمال العيد، ويفسد بهجته ويتصادم
مع مشروعيته. وفي التحقيق التالي نتعرف إلى المزيد من آرائهم: بداية..
د. محمد عبد الغني شامة: الإسلام شرع الأعياد لإدخال البهجة
والسرور في كل بيت
يؤكد الدكتور محمد عبد الغني شامة الأستاذ بجامعة
الأزهر ومستشار وزير الأوقاف أن العيد في الإسلام يمثل فرحة خاصة بالصائمين، فهو
يأتي عقب صيام شهر كامل يقضيه الإنسان مخلصا لله سبحانه وتعالى، مجاهدا لشهوات نفسه
وهواه، طالبا من الله سبحانه وتعالى أن يغفر له وأن يشمله بمغفرته وعفوه ورضاه عن
كل يوم يعيشه. ومن هنا فلابد أن نتذكر حكمة الله سبحانه وتعالى من يوم العيد.. وهي إدخال البهجة في كل
بيت من بيوت المسلمين، ولكن هناك سلوكيات وتصرفات خاطئة يمارسها بعض المسلمين وليس
لها سند من الشرع، مثل خروج النساء والرجال إلى زيارة المقابر، وهم في حالة من
البكاء على موتاهم.
وهي سلوكيات يرفضها الإسلام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس
منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"، وكذلك الإسراف والتبذير في
شراء الطعام والمأكولات والمشروبات والانغماس في الشهوات والملذات، وكأن الإنسان
كان سجينا وأفرج عنه، فالأصل أن يستمر المسلمون في طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته
كما كانوا في شهر رمضان، خاصة أن الصيام تهذيب للنفس وتدريب لها على الصبر وتحمل المشاق، فهو يعلم الإنسان المسلم الصبر، فإذا قابله شدة في الحياة فهو مدرب على
تحملها..
فالصيام يدرب الإنسان على أن يقابل الشدة بالصبر والتحمل. ويضيف
الدكتور شامة قائلا: إن الصيام يعلم الإنسان أيضا العطاء، لأن الروحانية التي يعيش
فيها الصائم تدفعه ليعطي الناس ويمد يده للمساكين والمحتاجين ومن يريد المساعدة،
وهكذا نجد الصيام يجعله مستعدا لأن يمد يده بالعطاء في بقية الأيام، وكذلك يجعل
الصيام الإنسان الغني يشعر بألم الفقراء، فالصائم عندما يجوع يشعر بألم الفقير
ويشعر بإحساسه، فيتعاطف معه ويساعده..
ولذلك كان يوسف عليه السلام يكثر من الصوم، ولما سئل قال: أخاف
أن أشبع فأنسى الجائع، حيث جعل الصيام يذكره بالجائع.
والصيام يجعل المسلمين يشعرون
بالوحدة وبأنهم أمة واحدة، خاصة يوم العيد، كما أن الصيام تربية للإنسان على أن
يعيش شعور أمته وأن يشعر بأنه عضو فيها. فرحة الصائمين.
د. عبد الرحمن العدوي: "التقوى" أعظم ما يتزود به المسلم لبناء
نفسه ووطنه
ويقول الدكتور عبد الرحمن العدوي عضو مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر الشريف:
إن المسلم إذا أتم صومه، ففي ذلك فضل من الله عليه، حيث أعانه
على أداء فريضة الصوم، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه فرحة عند إفطاره.. هذه
الفرحة ليست لأنه سيفطر ويعود إلى الطعام والشراب والشهوات كما كان قبل صيام رمضان،
وإنما هي فرحة بإكمال وإتمام عدة شهر رمضان، فهو في فرحته ينبغي أن يشكر الله
سبحانه وتعالى على توفيقه له ومعاونته على أداء فريضة الصوم كاملة، وبشكره لله
يستوجب أن يجتهد فيفعل ما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يجعله محلا لثواب الله.
ويضيف أنه في مقدمة ما يطالب به الصائم عند نهاية صومه وبداية عيد الفطر هو تقديم
صدقة الفطر، وهي صدقة واجبة يؤديها المسلم قبل صلاة العيد من أجل أن يدخل السرور
على الفقراء والمحتاجين، ومن أجل أن يرفع عنهم هم الحاجة وذل الاحتياج في يوم العيد،
ذلك اليوم الذي يعد عيدا للجميع بما أتمه الله على أمته أغنيائها وفقرائها، ولذلك
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم".
فيوم الفطر فرحة وتكريم بتمام الصوم ومساعدة للفقراء والمحتاجين
لإدخال السرور والبهجة عليهم. مراقبة سرية وأشار الدكتور العدوي إلى أن فريضة الصوم
في شهر رمضان المبارك أوضح الله سبحانه وتعالى الثمرة منها، وهي تحقيق تقوى الله،
لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".. فالصيام يحقق
التقوى، لأنه يعلم الإنسان مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلانية، فالصوم
عبادة ليس لها واقع مادي يراه الناس أو يشعرونه، وإنما هي عبادة سرية خالصة لله
سبحانه وتعالى، والذي يؤدي هذه الفريضة إنما يراقب الله عز وجل ويعلم أنه وحده
المطلع على صيامه ويجتهد في أن يتقبل الله منه هذه العبادة. والإنسان إذا حافظ على
هذه الصفات الراقية التي يكتسبها ويتشبع بها طوال شهر رمضان فإنه يتعود على أن
يراقب الله في كل أعماله وأقواله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس، فلا يعمل عملا يكون
مسار انتقاد له أو إساءة إليه إذا عرفه الناس، وإذا أراد أن يتكلم كلمة أو أن يقيم
علاقة يسأل نفسه أولا.. هل هذا العمل يرضي الله أم يغضبه، فإن كان يرضي الله تعالى
يقبل عليه، وإذا كان يغضب الله عز وجل يتجنبه، وهذه هي التقوى التي يجب أن يخرج
الإنسان بها بعد تدريب شهر كامل على مراقبة الله في فريضة الصوم.
عادات خاطئة
ويشدد الدكتور العدوي على أن هناك عادات وتقاليد خاطئة يتوارثها
المسلمون في الاحتفال بعيد الفطر المبارك، مثل زيارة المقابر في يوم العيد وتجديد
الأحزان وإثارة العواطف والذكريات المؤلمة التي تؤلم النفوس وتدخل الحزن عليها، وهي
تصرفات وعادات خاطئة لا يجوز أداؤها في يوم العيد أو أن يدخل المسلمون الحزن على
أنفسهم أو غيرهم يوم العيد. أما إذا كانت زيارة المقابر للاتعاظ والسلام على أهل
هذه الديار من المؤمنين وتذكر الموت وانتهاء الحياة، فان ذلك لا مانع منه، لأنه من
الأعمال التي يجب على المؤمن أن يفعلها حتى يتذكر الموت. وقال: إن الله سبحانه
وتعالى لا يرضى لعباده أن يفعلوا ما يخرجهم عن روح أيام عيدهم التي هي أيام بهجة
وسرور وشكر لله على ما تفضل به عليهم، لذلك ندعو المسلمين في كل مكان إلى أن يتركوا
هذه العادات، لأن ذلك يتنافى مع حرمة المقابر من ناحية ومع احترام ذكرى الموت من
ناحية ثانية، ومع البهجة والسرور من ناحية ثالثة، خاصة إذا كانت زيارة المقابر لغير
الاتعاظ والمبيت فيها والسهر.
د. آمنة نصير: يجب البعد عن السلوكيات التي تشوه جمال العيد
وتفسد بهجته وتتصادم مع مشروعيته
حصاد الشهر
وترى الدكتور آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر
أهمية حصاد شهر رمضان المبارك في بناء الإنسان وتكوينه تكوينا جيدا، إذا أحسن
المسلم صيام رمضان بالصورة التي أرادها الله سبحانه، فالصيام غسل وتطهير للنفس
وغذاء للروح وطهارة للبدن وبناء للإرادة.. فإذا استطعنا أن نخرج بهذا كله من شهر
الصيام فإننا نستحق أن نستقبل العيد بفرحة المنتصرين التي تدعم بناء الإنسان
الإرادي.. تلك الفرحة التي يتعلم منها الإنسان معنى الصبر.. فرحة الإنسان الذي فاز
بغذاء الروح والبدن. وتقول: علينا ونحن نودع أعظم الأيام على الله سبحانه وتعالى أن
نحاسب أنفسنا، ونسأل: ماذا فعلنا في الشهر الكريم وهو يستعد للرحيل؟ فلم يجيء
الصيام فقط للامتناع عن الشهوات من مأكل ومشرب وغيرها، ومن أجل ذلك يجب أن يكون
المسلمون أكثر دقة وحسابا لأنفسهم، وكأن الصوم صوم العقل عن الهوى وعن التبرير
للنفس، ذلك لأن النفس البشرية ما أذكاها وما أروعها في المراوغة وجمع المبررات
للأخطاء وجمع التسهيلات للخطايا، وهذا أمر معروف وقد عبر عنه القرآن الكريم بأن
النفس أمارة بالسوء، ويحكمها الضمير، فعندما تريد النفس أن تراوغ وأن تبرر أفعالها
وتصرفاتها قد تخرج عن هذا الحال إلى الطيب إذا اقتربت من العبادات ومن خشية الله.
وتشير الدكتورة آمنة إلى أن يوم عيد الفطر هو الهدية الإلهية
التي وهبها الله للصائمين الذين أكملوا صيامهم فجاء يوم جائزتهم، ولكن لا يجوز أن
نستقبل هدية الله بسلوكيات معيبة مثلما يفعله الصبية في الشوارع من إلقاء البارود
الذي يحدث أصواتا مزعجه لتفسد جمال العيد والبيئة نفسها، فليت هذا العيد يخلو تماما
من هذه المشاهد التي تؤذي جمال العيد وتفسد بهجته وتتصادم مع مشروعيته ومع
الاستمتاع به، وأدعو من قلبي ألا نسمع هذه الأصوات المرعبة.. فإذا كان الله سبحانه
وتعالى أعطانا السلام والأمن.. فلماذا نبحث عما يسيء لحياتنا بهذه الأصوات التي لا
تليق بفرحة العيد؟، فلا شك في أنها أصوات لها مدلول عدائي.
د. محمد كمال إمام: العيد فرصة لدعم روابط المحبة
والتسامح ونبذ الخلافات واستعادة الوحدة
زكاة الفطر
ويتوقف الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة
الإسكندرية أمام قضية مهمة بقوله: إن استقبال عيد الفطر المبارك فيه واجبات عديدة،
وفي مقدمتها أداء زكاة الفطر المبارك، ذلك لأن زكاة الفطر هي التي ترفع صيام المسلم
الذي يظل معلقا بين السماء والأرض إذا لم يؤدها، إضافة إلى أن الصائم عند إفطاره
عليه أن يقوم بواجباته تجاه أسرته وأقاربه وهي تتمثل في تأكيد صلة الرحم في مثل هذه
المناسبات، وكذلك دعم لروابط المحبة والتسامح ونبذ الخلاف.
ويقول: على المسلم أن يصطحب روح رمضان معه بقية حياته، بمعنى أن
يجعله مستمرا في حياته، سواء من ناحية ضبط النفس أو من ناحية الالتزام بالخلق
الإسلامي أو من ناحية الحياة مع القرآن الكريم بقدر ما يتسع له من الوقت، ويضاف إلى
ذلك أنه على المسلم الذي انتهى من صيام رمضان أن يجدد علاقته بالله في حياته
اليومية فيتقن عمله، لقوله صلى الله عليه وسلم: ?إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن
يتقنه.
ويحذر من أن بعض المسلمين ينتهزون فرصة الأعياد والمناسبات لفعل
المزيد من السلوكيات التي تتنافى وأحكام الشريعة الإسلامية،.. بل إن بعضهم يعتبر
ليلة العيد هي موعدا لانتهاء الطاعة والعبادة وما في شهر رمضان من خشوع، ولعل ذلك
يتضح فيما يفعله البعض عند تقسيم الأيام إلى أيام يجب الالتزام فيها، وأخرى ينفلت
فيها الإنسان عن هذا الالتزام، وهو ما يرفضه الإسلام، لأن أحكام الإسلام جاءت
ليلتزم بها الإنسان في جميع الأيام، فينبغي أن يخرج المسلمون من صيام شهر رمضان
بمعاني الصيام الواضحة والجلية، حتى تستمر تلك المعاني معهم بقية حياتهم، وتصل
بالإنسان إلى تحسين علاقته بخالقه وتربطه بمجتمعه أفرادا وجماعات.
مكافأة الصيام
ويقول الشيخ معوض إبراهيم من كبار علماء الأزهر الشريف: إن عيد الفطر كان قديما
عيدين في عيد، عيد الفطر من الصوم وعيد النصر على القوم، وهو إعداد الهي لا ريب فيه
ومواقفه وراءها إعزاز الله وتوفيقه للذين آمنوا وجاهدوا في الله عز وجل عدوه
وعدوهم، ويقترن عيد الفطر بالفرحة في نهاية الشهر الفضيل عندما نستقبل هذا اليوم
العظيم وقد حصلنا على مكافأة الصيام.
ويضيف أن عيد الفطر أحد عيدي المسلمين، ويأتي
عقب فريضة الصوم كما يأتي عيد الأضحى عقب الوقوف في عرفات وتمام نسك الحج، وإذا كنا
قد صمنا رمضان صوما يرضاه الله عز وجل فلا رفث ولا فسوق ولا انفعال في أيام الصوم
فقد فزنا فوزا عظيما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان صوم يوم أحدكم
فلا يرفث ولا يصخب وأن سابه أحد وشاتمه فليقل إني صائم".
ويقول: إن عبادة الصيام يرتفع بها الإنسان إلى مستوى سلطان
الإرادة الخيرة على سائر جوارحه، فلا يبطش بيديه ولا يقسو قلبه، ولا تنظر عيناه إلى
حرام، لأن الصوم سر بين العبد وربه، وبهذا نكون حقا من الذين أفادوا من هذه العبادة
الخاصة بما أراده الله سبحانه وتعالى من قوله: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
ويا ويح
الذين خرجوا من صيام رمضان من غير هذه المكارم وثمار التقوى التي هي خير ما أعطى
الله عز وجل لعباده، لقوله تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا
هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
والشكر لله عز وجل يتمثل في عيد الفطر الذي يجيء لبيان ما تعلمنا
من الصوم من شعور بحق الناس علينا، وأن نبرهم ونحسن إليهم وندخل السرور والفرحة
عليهم..
فهذا هو العيد الذي تأهلنا إليه بصالح الصوم وخالص قيام لله وصدق
تلاوة للقرآن وعقد العهد مع الله عز وجل على أن نطيع أوامره وننتهي عن ما نهى عنه.
تلك هي مقدمات العيد الذي يمضي تاركا فينا ما تركه الصوم في
أنفسنا من معاني الخير والبر وصلة الأرحام والإحسان إلى المساكين والمحتاجين
والوفاء بعهد الله عز وجل للأوطان وللمسلمين في كل مكان. |