العالمية - ربيع أول 1428 هجرية - إبريل 2007 م - العدد (204) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

 

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

الـرجــال مخـابــر

اعداد يوسف ناصر اللهو

   

قال الله تعالى:  "وتعاونوا على البر والتقوى" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدو بعضه بعض"ا حديث شريف

الحكايات عن الرجال ومواقفهم الطيبة في بلدي الكويت لا تنتهي وفيها من العظات والعبر ما تعطى الصورة الحقيقية عن أخلاق ونخوة هؤلاء الرجال على مر الايام والاعوام وكل حكاية مما احتواه كتاب حكايات من الكويت لفضيلة الشيخ عبدالله النوري يرحمه الله ما هي إلا درة ثمينة لهؤلاء الاشخاص الذين تركوا لنا أروع المواقف والذكرى الحسنة وجسدوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم، اولئك الآمنون من عذاب الله".

وهكذا ايها القارئ الكريم ان مثل هؤلاء الرجال كثر في بلد الخير وقد تكررت مثل هذه الحكاية التي أثبتها فضيلة الشيخ عبد الله النوري في كتابة حكايات من الكويت يرحمه الله مما يدل على ان مثل هؤلاء الرجال يتكررو في كل زمان في هذا البلد الطيب الذي حياه الله بالخير الكثير فجاد أهله بما أفاء الله عليهم ومدوا أيادي العون والمساعدة للقريب والبعيد بلا منة ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ولكن شكراً للواهب الذي أنعم عليهم من بركات الأرض يرجون حسن الثواب ولتكون للاجيال القادمة عظة وعبرة.

الحــكــايــــة

(ان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (حديث شريف)

جاءت الاخبار بأن قافلة تجارية قادمة من الشمال، تعد بمئات الإبل تحمل العباء (والعباء معروف وهو نسيج من الصوف مفتوح من الامام يلبسه الرجال في البلاد العربية، واحدة عباءة أو بشت). وستصل هذه القافلة غداً عند مطلع الشمس.

يتفاءل المسافرون أو القادمون بالبكور، وفي البكور بركة، يدخل القادم بلده عند مطلع الشمس أو بعدها بقليل فيستقبل الناس نشيطاً وهم نشطاء، فيبيع ويبتاع إن كان تاجراً ويزور ويزار، وهكذا كان القوم يتبعون في أعمالهم كلها السنة النبوية أو سيرة السلف الصالح متبعين في ذلك قول الشاعر الناصح:

نبني كما كانت أوائلنا       تبني ونفعل مثلما فعلوا

وممن علم بوصول القافلة مفلح، وكان مفلح ذا متربة ولكنه يتطلع إلى الاعمال ويتمنى لو ملك رأس مال يتاجر به وزار مفلح مساء ذلك اليوم موسى، وموسى هذا ثري وتاجر، وله مضافة عامرة ليلاً ونهاراً يقدم لزواره فيها القهوة، ومجلسه فيها بين المغرب والعشاء وقد يواصل الجلوس بعد العشاء ان زاره زائرون.

وقال مفلح للشيخ موسى الثري، يا عم تعرف أنني ذو عسرة، وأتمنى أن أبيع وأشتري، غير أن اليد قصيرة فلو مددت لي يد المساعدة لفعلت معي خيراً وربحت وأربحت، فساعدني ياعم بخمسمائة ريال أضارب بها، وسأربح إن شاء الله وستربح معي نصيبك في المضاربة.

وضحك الشيخ موسى واستبشر مفلح وتغير مجرى الحديث. وأذن المؤذن لصلاة العشاء، وقام الناس إلى المسجد يصلونها جماعة، وفي المسجد أشار الشيخ موسى إلى مفلح أن اتبعني بعد انصرافي من المسجد.

ورجع مفلح إلى بيته يحمل كيساً مختوماً فيه خمسمائة ريال. وبعد صلاة الفجر ذهب مع من ذهب لاستقبال القافلة. ودخلت القافلة المثقلة بأحمالها سوق المدينة، وانقض الناس عليها يشترون ويشرون، يربحون ويخسرون، وهذا شأن الأسواق في كل بلاد الله.

واشترى مفلح وباع كغيره مرتين وثلاثاً وأربعاً وربح خمسمائة.

أمسى المساء وترك الناس أسواقهم إلى بيوتهم ومجالسهم وبعد المغرب ذهب مفلح إلى مجلس الشيخ موسى وهو فرح فخور بأنه أصبح ذا رأس مال وسيتاجر وسيربح كما ربح غيره من تجارته.

ودخل المجلس ومعه صرتان كبيرة وصغيرة، والتفت الشيخ موسى إليه يسأله كيف أنت يا مفلح؟

أجاب: الحمد لله، ودعا للشيخ وشكره على أفضاله قائلاً: لقد أعنتني أعانك الله فاشتريت وبعت وربحت خيراً كثيراً، والحمد لله على أن أطعمني حلالاً وأوسع عليّ فضلاً وأسأل الله أن يجزيك عني خيراً وأن يزيدك نعمة.

ثم مد يده إلى الصرة الكبيرة قائلاً: هذا رأس المال وهو لكم.

ثم تناول الصرة الصغيرة وقال: وهذا نصف الربح الذي كسبته اليوم وهو حظكم، ثم رفع رأسه إلى السماء قائلاً: لك الحمد يارب، اللهم زدنا من فضلك كما وعدت من شكرك.

مد الشيخ موسى يده إلى الصرة الكبيرة وقال: يا مفلح الكيس ما زال مختوماً بختمنا لم يفتح؟

قال مفلح: نعم إنه لم يفتح.

قال موسى: إذاً لا نصيب لنا في الربح ما دمت لم تستعمل دراهمنا.

قال مفلح: ولكن يا عم دراهمكم بعثت الثقة في نفسي وملأتني شجاعة أثارت في إقداماً، ولولاها ما ابتعت ولا بعت. قال موسى: لا ياولدي لا استطيع أن آخذ هذا المبلغ، وأشار إلى الصرة الصغيرة لأني أخشى أن تكون حراماً.

قال مفلح: ولكنها لا تحل لي، فهي ملك لك لأني أعلم يقيناً في نفسي أن دراهمكم هي التي دفعتني إلى السوق فخذ حلالك يا عم.

قال موسى: حلالي هو هذا الكيس فقط وأشار إلى الكيس الكبير وقال لغلامه خذه يا ولد إلى الخزنة.

ولكن مفلح غضب وأغضب معه الشيخ موسى وطال بينهما الجدل كل واحد منهما يبتعد عن نصف الربح، موسى لا يريده لأنه ليس من حقه فهو عليه حرام، ومفلح لا يريده لأنه ليس من حقه وهو عليه حرام، وموسى يقول: إن الدراهم التي سلمتها إلى مفلح لم يفض ختمها، ومفلح لم يستعملها وإنما استعمل اجتهاده فربح، ومفلح يقول: لولا الدراهم التي أخذتها منك كانت لي ظهيراً، ما غامرت ولا دخلت السوق مع الداخلين.

وقال الحاضرون لموسي سراً، يا شيخ خذ هذه الدراهم، وإذا أمسى المساء غداً فارسل إلى مفلح وقل له إني سررت كثيراً من عملك، ووجبت عليّ مكافأتك وقد رأيت تشجيعاً لك على جدك واجتهادك، أن أهب لك هذا المبلغ مكافأة لك، وحثاً على السعي وراء المصلحة.

ضحك الشيخ موسى وقال للمشيرين عليه هذه نيتي وقد أردت مكافأته بلا من مني عليه ولكنه أبى.

وفعل الشيخ موسى ما أشار به عليه ضيوفه.

وأمسى اليوم الثاني ولم يحضر مفلح، وبعث الشيخ موسى إليه وقال له: يا مفلح إنك شاب نشيط وقد فعلت ما لم يفعله أمثالك، وقد أحببت منك نشاطك وهمتك وأردت أن أكافئك، بلا منة مني عليك فأبيت، وأن أثق بحلية المبلغ الذي أتيت به لي وتجاهلت، ولكنك لم تقبل تجاهلي، والآن خد هذا النصيب الذي أعطانيه ربي وربك هدية مني لك مضافة إلى رأس مالك، واجتهد بارك الله لك في سعيك.

قال مفلح: الآن يا عم صح الأمر وأنا شاكر