|
لما كان البشر أشرف المخلوقات، فإنه من الطبيعي أن يولي الاسلام قدراً كبيراً من الاهتمام بعلاقة الانسان، سواء كان ذلك على مستوى الاسرة أم المجتمع أم الدولة أم الأمة أم الانسانية جمعاء.
وشمول الاسلام وعالميته يقتضي كذلك أن يشمل هديه تنظيم وترشيد علاقة المسلم بغير المسلم في حالتي السلم والحرب. لذلك فقد اهتم الفقهاء في الماضي والحاضر بهذه القضية وما يتعلق بها من أحكام، أصاب منهم من أصاب وأخطأ من أخطأ، وكلهم مأجور على اجتهاده إن شاء الله تعالى.
وفي إطار هذه النظرة الاجتماعية والانسانية صدر كتاب: "العلاقات الانسانية
في ضوء الوسطية، علاقة المسلم بغير المسلم" للاستاذ الدكتور جمال بدوي، الذي يشير في مقدمته إلى أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م كثرت الادعاءات بان الكراهية واعمال العنف وقتل الابرياء ليست أموراً عارضة ولا تمثل انحرافاً عن تعاليم الاسلام، بل انها تجد جذورها في تعاليم الاسلام وكتابه، وبالتالي فإن الاسلام بذاته يمثل خطراً على الحياة الانسانية والسلام العالمي، وأنه مصدر لتفريخ ما سموه بالارهاب العالمي.
هدف البحث ومنهجيته
والهدف من هذا البحث - كما يذكر مؤلفه - هو الرد على أهم الشبهات التي تثار بكثرة عن هذه القضية، قضية علاقة المسلم بغير المسلم، وذلك بغض النظر عن مصدر هذه الشبهات، بما في ذلك ما يثار - بحسن قصد - من بعض المسلمين أنفسهم.
ونهج البحث طريقة المنهج التكاملي في التناول حيث ركز في المقام الأول على نصوص القرآن الكريم، والاستئناس بأسباب النزول، ورد القليل من النصوص إلى الكثير، ورد المتشابه إلى المحكم وفهم ظني الدلالة من النصوص في إطار قطعيها، وكذلك الاستدلال بطرف من الأحاديث النبوية الشريفة ذات الصلة الوثيقة بالموضوع، حيث لا يتصور أن يكون هناك تناقض حقيقي بين نص قرآني وحديث نبوي لا غبار على صحته إسناداً ومتناً، فإن كان ثمة تناقض (ظاهري) فإن الأصل هو التوفيق بينهما، فإن تعذر ذلك فإن النص القرآني يظل هو الأصل والمصدر الأول، ذلك لتميزه بقطعية الثبوت المتواترة، وخاصة اذا كان هذا النص قطعي الدلالة، ولم ينس الاستفادة من تراث الفقهاء، في ضوء الاطار التاريخي والظروف التي أحطات بذلك التراث.
البنية التحتية والمبادئ الأساسية في علاقة المسلم بغير المسلم
ويضع الدكتور جمال بدوي مبادئ اساسية واصولا كلية بمثابة الاساس الذي تبنى عليه علاقة المسلم بغير المسلم، والمهاد الذي يتعايش كل منهما عليه، ومن أهم هذه المبادئ:
- الأصل ان الهدف من رسالة الاسلام هو الرحمة وتحقيق الخير
للبشرية جمعاء، بل لكل المخلوقات، وقد بين المصطفى صلى الله عليه وسلم ان هذه الرحمة ليست رحمة احدنا بصاحبه، بل بالناس كافة.
- ان من ثمار هذه الرحمة محبة الخير للبشر ودعوتهم للاستجابة لله وللرسول، أي الاستجابة لما يحييهم ويحقق لهم سعادة الدارين.
- ان المصطلح الاسلامي لنشر رسالة الاسلام هو: "الدعوة" ومن حق المدعو أن يقبل هذه الدعوة أو يرفضها، لهذا يؤكد القرآن الكريم وتؤكد السنة النبوية على رفض الاكراه في الدين كوسيلة لتبليغ رسالة الاسلام.
- ان رفض قبول الدعوة لم يرد بشأنها عقوبة دنيوية، بل ان القرآن الكريم يوضح ان التعددية في المجتمعات الانسانية، بما في ذلك التعددية الدينية، أمر وارد وانه ليس من حق المسلمين ولا من واجبهم القضاء على هذه التعددية.
- انه على الرغم من ان الرابطة العقدية والاخوة الايمانية هي أسمى الروابط، الا ان هناك رابطة انسانية اخرى، واخوة بشرية تسع الناس جميعاً مسلمهم وغير مسلمهم. ويلاحظ ان كثيراً من الآيات القرآنية تبدأ بقوله تعالى:
"يا أيها الناس" وليست "يا أيها الذين آمنو" وهذه الآيات تتعلق عادة بالروابط الانسانية الكبرى بغض النظر عن الجانب الايماني.
- نبذ التعصب الديني بالتاكيد على وحدة الرسالة والرسل، وقبول الانبياء جميعا، والايمان بهم وبالوحي الذي نزل عليهم.
- تكريم البشر لمجرد انهم بشر لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم" الإسراء: 70.
وموضع التكريم في هذه الآية هم "بني آدم" المسلم منهم وغير المسلم.
- ان الاصل في معاملة غير المسلم هي البر والقسط ما دام مسالماً، وآيتا سورة الممتحنة: 8 - 9، واضحتان في ذلك.
- العدل الشامل مع الجميع بما في ذلك غير المسلم. بل ان القرآن يدعو إلى العدل حتى مع الاعداء:
"ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون" المائدة: 8.
رد الشبهات وتصيحيح المفاهيم
وفي هذا الفصل يعالج الدكتور جمال بدوي حزمة من الشبهات التي ثار حولها لغط كبير، ولها صداها وأبعادها في الواقع الاسلامي المعاصر، وهي: مفهوم الجهاد، وظهور الاسلام، والكراهية وقتل الكفار حيثما وجدوا.
مفهود الجهاد
اما عن مفهوم الجهاد فتتلخص هذه الشبهة في الادعاء بأن الجهاد هو " الحرب المقدسة" ضد معتنقي الاديان الاخرى، واستباحة دمائهم وأموالهم وانه في الوقت الذي قام فريق من علماء اهل الكتاب بشجب فكرة الحروب الدينية، التي وقع فيها اسلافهم في الماضي، فإن علماء المسلمين وعامتهم ما زالوا مستمسكين بهذه الفكرة التي لا تتناسب مع مقتضيات العصر الحديث، ونتيجة ذلك هو أعمال العنف التي يرتكبها بعض المسلمين ضد الابرياء من غير المسلمين، وضد بني جلدتهم وذلك باسم الاسلام، وتحت راية الجهاد.
ويرد الدكتور بدوي على هذه الشبهة بأن تعبير "الحرب المقدسة" لم يرد في كتاب الله تعالى مرة واحدة، ولا نعلم بوروده في السنة النبوية، والتعبير إنما هو ترجمة حرفية للتعبير الانجليزي Holy War وهو تعبير لا علاقة له بمفهوم الجهاد في الاسلام، كما انه يتعارض مع المبادئ التي ذكرناها آنفا.
قد يشير إلى جهاد النفس وتزكيتها في سياق الحديث عن الصلاة وعمل الخير، كما في قوله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون
- وجاهدوا في الله حق جهاده". الحج: 77 - 78.
وقد يشير الجهاد احياناً الى الجهاد السلمي في اطار المجتمع لاقامة العدل واظهار الحق، فالقرآن يثني على المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، ويبين ان الانفاق في سبيل الله صنف من اصناف الجهاد، كما في قوله تعالى:
"فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة" النساء: 95.
لكن القرآن الكريم والسنة المطهرة يشيران كذلك إلى صنف ثالث من الجهاد وهو الجهاد الحربي في ميدان المعركة، وعادة ما يشار إليه بلفظة
"القتال" واستقراء كتاب الله تعالى يبين أنه ليس لهذا الصنف من الجهاد إلا مبرران أو سببان: أولهما: هو دفع العدوان، والثاني: هو منع الفتنة.
ظهور الإسلام
اما عن شبهة ظهور الاسلام فخلاصتها ان الاسلام باعتباره دين الحق لابد أن يسود العالم ويحكمه، بل منهم من يدعي ان ظهور الاسلام على سائر الاديان يعني ألا يبقى على ظهر الارض الا الاسلام، وذلك لقوله تعالى:
"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله". التوبة: 33.
ويقرر الدكتور بدوي أنه تنطوي على أكثر من خطأ:
انها لا تفرق بين ظهور الاسلام وظهور المسلمين، وهذان الامران ليسا متلازمين بالضرورة فقد يكون المسلمون غير ظاهرين في الارض، بل قد يكونون في حالة يرثى لها من الضعف والمهانة.
انه من المعلوم من الناحية التاريخية أن الاسلام قد انتشر وظهر بصورة أعم واقوى في فترات السلام وليس في فترات الحروب في ذاتها بدءاً بصلح الحديبيبة الذي نتج عنه اسلام اعداد كبيرة في عام ونصف تزيد كثيراً عمن اسلم منذ بداية البعثة - أي في نحو تسعة عشر عاماً.
ان قصر فهم الظهور على المعنى العسكري والسياسي يعني التزام المسلمين وهم أقلية عددية في العالم (حوالي خمس العالم) بشن الحرب على باقي سكان العالم، الحربي منهم والمسالم، مما يتناقض مع كثير من المبادئ التي ذكرناها.
الكراهية وقتل الكفار حيثما وجدوا
أما عن الشبهة الثالثة وهي شبهة الكراهية وقتل الكفار حيثما وجدوا، فخلاصتها ان الاسلام يدعو الى كراهية غير المسلمين وينص على عدم مصادقة أهل الكتاب، بل إنه يبرر قتالهم وأسرهم ونصب الكمائن لهم في كل مكان لقوله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض". المائدة: 51. ولقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصدٍ". التوبة: 5.
ويرد الدكتور جمال بدوي هذه الشبهة بأن آية آل عمران تستخدم لفظة "أولياء" وهي لفظة لا تعني الصداقة وحسن الجوار والمعاملة بالحسنى، وهي مبادئ مستقرة في معاملة المسالم من غير المسلمين، إنما تنصرف الى طلب النصرة والاعتماد على الغير للدفاع على الأمة.
وقد تتبع الدكتور بدوي كل الآيات التي تنهى عن موالاة الكفار فوجدها أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمور سلبية. فمنها ما تنهى عن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين وخاصة اذا كان ذلك ابتغاء العزة عندهم. ومنها ما يتعلق بسلوكهم العدواني ضد المسلمين في اتخاذ الاسلام هزواً أو لعباً. ومنها ما يتعلق بموالاة الكفار في حالة الحرب بينهم وبين المسلمين كما هو معلوم من قصة حاطب ابن أبي بلتعة.
فالعلاقات الودية مع المسالمين من الكفار لا تعني المساومة على ثوابت العقيدة، وان القرآن الكريم يبيح زواج المسلم من الكتابية فتكون ربة بيته، وشريكة حياته وأم أولاده وهي غير مسلمة، وأن يكون أخوال أولاده وخالاتهم من غير المسلمين.
واما آية "فاقتلوا المشركين" فالمقصود بها مشركو العرب، بل إن الآية السادسة من سورة التوبة تنص على اجارة من طلب الامان من المشركين حتى يسمع كلام الله ثم ابلاغه مأمنه حتى ولو لم يسلم. وهذا ينقض القول بأن الشرك وحده سبب للقتال.
ومن مكامن الخطأ عند من يستدل بهذه الآية انهم اغفلوا العلة في قتال المشركين او على الاصح طائفة منهم، وهي نقضهم للعهد ومبادأتهم المسلمين بالعدوان، واذا صح جواز قتل الكافر، فلماذا فصل القرآن وفصلت السنة النبوية الشريفة في حقوق غير المسلمين. وخاصة أهل الذمة منهم؟ وكيف عاشت الأقليات الدينية ونمت في ظل الاسلام في وقت كان للمسلمين من القوة والسلطان ما يمكنهم من ابادة هذه الاقليات وازالة بقايا الاديان السابقة حتى يظهر الاسلام ويكون الدين كله لله كما فهم البعض؟
ان هذا البحث - كما يقول الدكتور بدوي - قد اقتصر على شبهات وانه يعوزه التفصيل والتنقيح، الا ان تعاقب الاحداث وتتابعها وكثرة ما ينشر في الغرب لتشويه صورة الاسلام، وخاصة بعد احداث سبتمبر 2001 يقتضي رداً موجزاً يمكن نشره على نطاق واسع بين المسلمين وغيرهم.
ولكن الخلاصة التي نحسب انها واضحة ان هناك لبساً كبيراً حتى بين بعض أبناء الاسلام عن بعض القضايا الهامة التي تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص والنقد. والمسلمون اليوم في حاجة إلى منهجية تضع الجزئيات في إطار الكليات والمتغيرات في اطار الثوابت، والاجتهادات السابقة في اطار الظروف التاريخية التي لم تتح ايصال رسالة الاسلام الى العالم الا عن طريق ازالة القوى الظالمة التي بادأت المسلمين بالعدوان مما اقتضي التعامل معها في ميدان المعركة وتحرير من عانوا تحت حكمها، ولا يسوغ في عصر أمكن للمسلمين فيه نشر رسالة الاسلام بشتى الوسائل المعاصرة واصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمعات غير المسلمة، لا يسوغ في العالم المعاصر أن يتمسك البعض ببعض الاجتهادات الفقهية التي ربما ناسبت عصرها ولكنها ليست من ثوابت شرع الله تعالى. |