افتتاحية مجلة العالمية: موسم الأضاحي وتعزيز روح التكافل والتآخي

أضيفت بواسطة    on  أغسطس 5, 2018
 
يسعى العقل الخيري إلى استثمار مختلف المناسبات الإسلامية والإنسانية، والابتكار في تخليق العديد من المشاريع والبرامج الإنسانية المناسبة، والعمل على تسويقها، وتجيير عوائدها من بذل المحسنين وتبرعاتهم لمصلحة الفقراء والمعوزين، وخاصة في عيدي الفطر والأضحى المباركين.
وإذا كانت الأدبيات الإسلامية تُعلي بشكل عام من شأن خطاب الإحساس بالفقير ومعاناته، وضرورة مساعدته، قال تعالى: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النّساء:114)، إلا أن قيمة العطاء والإنفاق في سبيل الله ارتبطت بشكل أوثق بالمواسم والأعياد الإسلامية المباركة حيث تتضاعف فيها حسنات الأعمال الصالحة، ويتعاظم فيها أجرها وثوابها وفق نصوص الكتاب والسنة النبوية، ومن ثمّ تكون قابلية أهل الخير للإحسان وإقبالهم على مد يد العون نتاج إرادة ورغبة قوية مسكونة بالدعم الايماني، وفي أحد تجليات الخير في هذه المواسم يكون الإنفاق نوعاً من الشُّكر على أداء عبادتي الصيام والحج إلى بيت الله الحرام.
ويعد موسم الأضاحي مورداً سنوياً مهماً من موارد العمل الخيري، إذ تبرز قيم التكافل الاجتماعي والتراحم والتآخي والتناصر والتآلف بين النّاس وإغاثة المَلْهُوف خلال الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة، تلك الأيام التي ورد بشأنها فضائل عظيمة، روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».
وفي هذا الموسم يتجلّى الخطاب الإسلامي الإنساني في دعوة أهل الخير للتوسعة على الفقراء والمساكين وضحايا النزاعات والحروب والمهجّرين، وإدخال السرور على قلوبهم بإطعامهم وإيوائهم ومداواة مرضاهم وكسوة أطفالهم وستر نسائهم والمسح على رؤوس أيتامهم، وهنا يأتي دور الجمعيات الخيرية في حصد عوائد خطاب الحث على الإنفاق، خاصة أنّ نفوس أهل الخير تكون مهيأة  في هذه الأيّام الفاضلة، وبالتالي يسهل عليها البذل والعطاء.
وتصدّر بعض العلماء هذا المشهد الإنساني بفتاويهم القيّمة واجتهاداتهم الفقهية التي تجيز نقل الأضحية إلى خارج بلد المضحي، وعدم اعتبار سنّة الأكل من الأضحية أمراً مخلاً بمشروعيتها، فضلاً عن دعوة المتبرع لتوكيل الجهات الخيرية للتصرّف بشأن أضحيته حسب حاجة المسلمين، بل ذهب هؤلاء العلماء إلى جواز التعجيل بإخراج الزكوات لمدة عام كامل مراعاة لاحتياجات  المسلمين ومواكبة للتحديات الإنسانية، كما أكدوا أن الأضحية لم تسنّ ليشبع أصحابها من اللحم، ولكن ليشبع الفقراء الذين ربما لا يتذوقون اللحم طوال أيام السنة.
وفي هذا الإطار برعت الهيئات والجمعيات الخيرية في صياغة وبلورة المشاريع التي تتناسب مع تلك المناسبة، فجلبوا أسعار الأضاحي من مختلف البلدان على تفاوتها ووضعوها في إعلاناتهم ومطبوعاتهم وصفحاتهم الإلكترونية لتكون نصب أعين المتبرعين، وليحدّدوا بأنفسهم نوع الأضحية وقيمتها، ومن عظمة الشريعة الإسلامية أنها حثَّت على الأضحية وجعلت منها رافدًا قوياً من روافد التكافل الاجتماعي، ورافعة مهمّة لتنمية  أواصر التقارب والتآلف بين أفراد المجتمع، والعمل على بناءِ مجتمعٍ أخلاقيٍّ متقاربٍ ومتحابٍّ ومتعاونٍ على الخير وفعل المعروف.
وإلى جانب مشروع الأضاحي تقدّم المؤسسات الخيرية مشاريع أخرى لحثّ المتبرعين على العطاء ومنها وقفية الأضاحي، وكسوة اليتيم والعيدية، وصدقة أيام ذي الحجة، وتوفير فرص الحج لغير القادرين، إلى غير ذلك من المشاريع والبرامج الخيرية والتنموية الناتجة عن تدهور الوضع الإنساني للشعوب المسلمة، خاصة أن التشريع الإسلامي سلك طرقاً وآليات ووسائل عديدة لتشجيع المسلمين على العطاء.
الهيئة الخيرية وفرقها التطوعية أطلقت هذا العام حملتها السنوية تحت شعار «أضحيتك خير تلقاه»، ودعت المتبرعين لإدخال البهجة والسرور على قلوب المحتاجين، وحدّدت أسعار الأضحية بدءاً من 15 ديناراً، وتتفاوت الأسعار من بلد إلى آخر حسب نوع الأضحية سواء كانت من الغنم أو من الأبقار والإبل، وفي ظل معاناة ملايين المحتاجين أوضاعاً إنسانية صعبة من جراء الحروب والحصار والنزاعات الأهلية والكوارث البيئية كالجفاف والتصحر والفيضانات، أولت الدول والمناطق المنكوبة أولوية خاصة ومن بينها سوريا واليمن والعراق وفلسطين والصومال وغيرها.
 وفي إطار التجديد ومراعاة الأوضاع الإنسانية تحرص الهيئة  بشكل أساسي على ذبح وتعليب وتجميد الأضاحي في الخارج وتوريدها إلى مختلف مناطق فلسطين لتكون زاداً للمرضى في المستشفيات والفقراء والأيتام طوال العام.
وهكذا لا ينبغي في تلك المناسبة أن يَشعر الفقير بالحاجة والعَوَز، فعيد الأضحى المبارك فرصة عظيمة للتواصل مع الفقراء والمحتاجين، والشعور بمعاناتهم، وقد يتجسّد ذلك من خلال ذبح الأضاحي وإرسال لحومها إليهم، أو معايدتهم بشكل نقدي، أو إرسال الملابس لأطفالهم لكي يفرحوا كباقي الأطفال، وهو الأمر الذي ينعكس إيجابياً على نفوسهم، ويعظم روح التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع المسلم، والله نسأل أن يبارك في هذه الأيام الطيبة، وأن تكون أيام خير وعز وأمن وأمان.