تجربة شراكة إنسانية رائدة تجسدت في إنشاء مركز الكويت الطبي للأطراف الصناعية في مدينة إسطنبول التركية، والذي أعاد الأمل ـ بتوفيق من الله ـ إلى 4 آلاف شخص من فاقدي الأطراف؛ جراء النزاع السوري، إذ عمل على تخفيف معاناتهم، واستعادة جزء من الحياة التي سُلبت منهم.
في شهر أبريل 2017 التقت إرادة بيت الزكاة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والأمانة العامة للأوقاف على إنشاء المركز بالتعاون مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) وذراعها الطبية جمعية الأطباء الدوليين (AID).
وفي كلمته خلال الملتقى، وصف رئيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية د. عبدالله المعتوق المركز بأنه واحد من المشاريع الطبية المستدامة، بالغة القيمة والأهمية والأثر في ظل النزاعات والكوارث الدامية التي تشهدها المنطقة، مترحمًا على ضحايا الزلزال في تركيا وسوريا، وسائلًا الله تعالى أن يكتبهم من الشهداء، وأن يمُنّ بالشِّفاء العاجل على الجرحى والمصابين، وأن يربط على قلوب ذوي الضحايا.
وفي ضوء تداعيات الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا وأسفر عن خسائر فادحة، جاء الملتقى الإنساني للتعريف بمركز الكويت الطبي للأطراف الصناعية، الذي نظمته جمعية الأطباء الدوليين في خطوة حثيثة لتطوير كفاءة المركز حتى يستوعب ضحايا الزلزال من المصابين، وذلك بحضور لفيف من قادة العمل الإنساني والفرق التطوعية في الكويت وتركيا.
منذ تأسيسه، قدم المركز، عبر فروعه الأربعة في إسطنبول وهاتاي في تركيا وجرابلس وإدلب في الشمال السوري، خدمات طبية لـ 4 آلاف مريض من فاقدي الأطراف من اللاجئين والنازحين السوريين، شملت أصنافًا علوية وسفلية ثابتة ومتحركة، تعمل بضغط الهواء أو باستخدام السيليكون أو الأدوات الإلكترونية.
وقال د. المعتوق: اطلعت على مخرجات مركز الكويت الطبي للأطراف الصناعية، وجهوده في تقديم خدمات الأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والتأهيل البدني لمبتوري الأطراف من اللاجئين والنازحين السوريين، وهي خدمات جليلة وكبيرة وعظيمة، تستحق الإشادة والدعم.
وأضاف: كما ولد المركز من رحم معاناة أهل سوريا، وخرج إلى حيز الوجود بفضل الله ثم تكاتف جهود المنظمات الإنسانية، فنحن أمام مأساة جديدة تتطلب استمرار تكامل الجهود من أجل النهوض بهذا المركز وتعزيز قدراته الطبية؛ لاستيعاب المصابين من جراء كارثة الزلزال في تركيا وسوريا.

ووجّه د. المعتوق عظيم الشكر وبالغ التقدير للقائمين على المركز لجهودهم الرائدة، كما ثمّن الدور الذي تضطلع به جمعية الأطباء الدوليين في تقديم الخدمات الطبية لضحايا الحروب، من خلال إنشاء مشاريع مستدامة للرعاية الطبية.
كما أعرب عن شكره لكل من أسهم في إنشاء المركز منذ أن كان حلمًا وفكرة، حتى رأى النور، وانطلق في مسيرته الطبية المشرفة لتنفيس كربات فاقدي الأطراف والتخفيف من حدة معاناتهم، وزراعة الأمل في نفوسهم.
وباسم أعضاء مجلس إدارة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية والجمعية العامة، عبّر د. المعتوق عن تضامن الهيئة الكامل مع الشعبين التركي والسوري في مصابهما الجلل، الذي جاءت نتائجه مدمرة وخسائره فادحة، سائلًا الله تعالى العون لهما على تجاوز هذه المحنة العظيمة وآثارها الجسيمة.
وتابع، أمام هذا الخطب العظيم الذي وصف بفاجعة القرن: استشعرنا مسؤوليتنا الشرعية والإنسانية، وبادرنا في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية فور تواتر أنباء الزلزال إلى استنفار الجهود، وتواصلنا مع شركائنا في تركيا وسوريا للوقوف على متطلبات الاستجابة الإنسانية والاحتياجات الأساسية لإخواننا المنكوبين، وأطلقنا حملة طارئة، لمسنا خلالها أسمى معاني الأخوة والنجدة والمروءة والتكاتف من أهل الخير في الكويت ـ مواطنين ومقيمين ـ تجاه إخوانهم في تركيا وسوريا، مشيرًا إلى أن حصيلة المشاريع الإنسانية للهيئة حتى اليوم بلغت مليونًا و295 ألف مستفيد في البلدين.
وشدد على مضي الهيئة في حملتها الإغاثية من أجل تخفيف حدة معاناة المتضررين وتضميد جراح المصابين، تعزيزًا لقيم التكافل والتلاحم والتناصر والتآزر، التي وجه إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الشريف «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».
الكويت.. لاعب رئيس في الدبلوماسية الإنسانية
ومن جهتها، أعربت سفيرة جمهورية تركيا لدى دولة الكويت طوبى نور سونمز عن عميق امتنانها للقيادة الكويتية لمشاركتها تركيا أحزانها ووقوفها بقوة إلى جانبها في هذا الوقت العصيب.
وثمّنت جهود الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية الكويتية التي عملت بلا كلل منذ اليوم الأول لوقوع الزلزال بإسهامات سخية من المواطنين الكويتيين والمقيمين، في محاولة جادة منها لتخفيف آثار الكارثة، وتزويد تركيا بالضروريات اللازمة.
وألمحت إلى أن العمل الإنساني من أقوى الروابط بين تركيا والكويت، وأن الكويت، مثلها مثل تركيا، لاعب رئيس في الدبلوماسية الإنسانية على المسرح العالمي، وأن الجمعيات الخيرية الكويتية تأتي في طليعة المنظمات النشطة في المناطق المنكوبة إلى جانب المنظمات غير الحكومية التركية.
وتابعت السفيرة التركية: أخاطبكم اليوم بصفتي سفيرة لواحدة من أكثر البلدان كرمًا وتقديمًا للمساعدات الإنسانية في العالم، مشيرة إلى أن تركيا مدت أيديها بالمساعدات الطبية إلى 160 دولة و12 منظمة دولية إبان جائحة كورونا.
وأشارت إلى أن بلادها تعمل في مناطق الأزمات، جنبًا إلى جنب المنظمات غير الحكومية التركية في جميع أنحاء العالم، لمساعدة المحتاجين بسبب النزاعات والكوارث الطبيعية وتفشي الأمراض وانهيار الرعاية الصحية أو البنية التحتية.
وأردفت: كما أخاطبكم اليوم بصفتي ناشطة سابقة في مجال العمل الإنساني، حيث أمضيت فترة طويلة من العمل مع المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية والإغاثية في العمل على مساعدة الناس بجميع أنحاء العالم، مشيرة إلى أن العمل الإنساني يتطلب إيثارًا وكرمًا وتفانيًا وعملًا جادًا دون انتظار مقابل، للوصول إلى الفئات الأكثر حرمانًا في أكثر البيئات تحديًا في العالم.
وحول كارثة الزلزال، قالت: لقد شهدنا واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرًا في تاريخنا الحديث، حيث لم يشهد العالم زلزالًا بهذا الحجم وبهذه المساحة الكبيرة منذ عقود، لافتة إلى أن استجابة الحكومة التركية لهذه الحالة الطارئة كانت سريعة وحاسمة وواسعة النطاق بدعم من الدول الصديقة.
وثمّنت جهود المنظمات غير الحكومية والمنظمات الإنسانية التي عززت استجابة الحكومة التركية لهذه الأزمة، مشيرة إلى أن هناك ما يقارب 500 جمعية ومنظمة خيرية تعمل في مناطق الكوارث لمساعدة متضرري الزلزال.
وفي إشارة إلى موضوع الملتقى، شددت على أهمية المساعدات الصحية والرعاية الطبية الإنسانية الطارئة في أوقات الكوارث، مثمنة خدمات وأعمال منظمة الأطباء الدوليين في مداواة جروح المتضررين من الأزمات والكوارث.
تخصيص مليون دولار لدعم مركز
من جهته، أشاد مدير عام بيت الزكاة بالإنابة د. ماجد العازمي بجهود جمعية الأطباء الدوليين في إدارة مركز الكويت الطبي للأطراف الصناعية، كمشروع كبير يحتاج الكثير من الجهد والعطاء، والبذل والدعم، لافتًا إلى نجاحه في علاج الآلاف من فاقدي الأطراف.
وأشار إلى أن فكرة المركز لم تكن لتصبح واقعًا وحقيقة لولا توفيق الله عز وجل ثمَّ دعم الأمانة العامة للأوقاف، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والمحسنين الكرام، والشراكة التنفيذية المباركة مع هيئة الإغاثة الإنسانية، وجمعية الأطباء الدوليين.
وأضاف د. العازمي: لقد تابع العالم أجمع الآثار الإنسانية الكبيرة التي خلَّفها الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا، حتى أصبح الملايين يبحثون عن مكانٍ يؤويهم، أو جرحى ينتظرون مَن يسعفهم، وغيرها من المشاهد المؤلمة التي أبكت العالم.
وأكد أن بيت الزكاة مستمر في أداء رسالته، وبذل قصارى جهده لمساعدة المتضررين من آثار الزلزال، معلنًا عن تخصيص مليون دولار لدعم مركز الكويت الطبي للأطراف الصناعية، ليواصل مسيرته في تخفيف معاناة المصابين، بعد أن أصبح منارة إنسانية عالية، وبارقة حياة جديدة للآلاف.
وتابع د. العازمي: هؤلاء المتضررون إن كانوا فقدوا أطرافهم، فلا يجب أن يفقدوا آمالهم، وإن ذهبت الحرب والزلازل ببعض أطرافهم، فلا يجب أن تذهب بأحلامهم.
ومن جهتها، قالت مديرة إدارة الصناديق الوقفية في الأمانة العامة للأوقاف مآرب اليعقوب إن "الأوقاف" دعمت الحملة التي صاحبت إنشاء المركز بـ 200 ألف دينار، مشيرة إلى دوره الكبير في التأهيل البدني والحركي وتركيب الأطراف الصناعية للمتضررين وإكسابهم المقومات الحركية.
وأوضحت أنه تم تجهيز المركز بمعدات حديثة وفق أعلى ما وصلت إليه التقنية الطبية، مشيرة الى أن الأمانة العامة للأوقاف قدمت 400 ألف دينار لتشغيل المركز.
استراتيجية الكويت صائبة
بدوره، قال رئيس جمعية الأطباء الدوليين د. مولود يورت سفن إن مركز الأطراف الصناعية أحدث تغييرًا واعدًا، وأعاد الأمل في الحياة من جديد لنحو 4 آلاف شخص، لافتًا إلى أن كارثة الزلزال كشفت أن "استراتيجية الكويت كانت صائبة" في إنشاء المركز.
وأشار إلى أن الجمعية تعمل على تقديم خدماتها الطبية لجميع المتضررين في جميع أنحاء العالم، من خلال إنشاء مشاريع مستدامة للرعاية الطبية، مبينًا أنها منظمة مستقلة غير حكومية تم تأسيسها من قبل مجموعة من الأطباء الأتراك في مختلف أنحاء العالم.
وبعد الزلزال المدمر وبحسب تقارير الأطباء الميدانيين في مناطق الزلزال، ازدادت أعداد المصابين الذين هم بحاجة لتركيب الأطراف الصناعية، وهناك حاجة ماسة لدعم المركز وتوسيع خدماته لتشمل مصابي الزلزال من الأتراك والسوريين.
وتغطي فروع المركز بخدماتها الطبية جميع مناطق النازحين واللاجئين من دون أن تحملهم عناء وتكاليف القدوم من مسافات بعيدة.
ويعد المركز الذي جاء نتاجًا لحملة إنسانية كويتية عام 2016 تحت شعار "أطراف من أجل الأطفال" إضافة جديدة ناصعة لصورة الكويت الإنسانية الحضارية.