استثمار الوقف في التعليم.. رسالة الهيئة الخيرية نحو تنمية عابرة للحدود

 on  أبريل 6, 2026

في عالمٍ تتزايد فيه التحديات الإنسانية وتتسع فجوات التعليم والتنمية، يظلّ الاستثمار في الإنسان المسار الأرسخ أثرًا، والأعمق تأثيرًا، والأكثر جدوى في صناعة مستقبلٍ مستدام.

 ومن هذا المنطلق، تمضي الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في ترسيخ حضورها الإنساني والتنموي خارج الحدود، عبر مشاريع تعليمية نوعية تعكس فهمًا عميقًا لدور التعليم في بناء المجتمعات الهشة وصناعة التنمية المستدامة.

 وفي هذا السياق، جاء افتتاح حزمة من المشاريع التعليمية في جمهورية إندونيسيا بحضور المدير العام بدر سعود الصميط، ونخبة من قيادات العمل الخيري في دولة الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب قيادات تربوية ورسمية ودعوية إندونيسية.

 وتعكس هذه المشاريع رؤية استراتيجية شاملة للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ترتكز على توفير تعليم نوعي عالي الجودة، رؤية لا تقتصر على إنشاء المباني والمنشآت، بل تتجاوز ذلك إلى بناء بيئات تعليمية متكاملة تحتضن القيم، وتعزّز المعرفة، وتمكّن الطلبة من تنمية قدراتهم وصقل مهاراتهم، بما يهيئهم لأدوار فاعلة في مجتمعاتهم.

 

هذه المشاريع، التي تخدم أكثر من ألفي طالب وطالبة، تمثل نموذجًا للعمل الخيري المؤسسي الذي يوازن بين التعليم الشرعي والعام، وبين الرعاية الاجتماعية والتأهيل المهني، ضمن منظومة تنموية مستدامة.

 

من هذه المشاريع، قرية الشيخ علي صالح اللهيب التعليمية الخيرية في مدينة بانتن تجسد رؤية متقدمة للتعليم المتكامل، حيث تضم مدرسة للبنين، وسكنًا للطلبة والطالبات، ومركزًا لتحفيظ القرآن الكريم، ومركز تدريب مهني، بما يوفر بيئة تعليمية مستقرة ومحفّزة على التفوق العلمي والتربوي.

وتخدم هذه القرية نحو 1,150 طالبًا وطالبة، من بينهم أيتام، ضمن إطار يعزز الاستقرار النفسي والاجتماعي، ويفتح آفاق المستقبل أمام الفئات الأشد احتياجًا.

 

ويجسّد هذا النموذج المسار الذي تنتهجه الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في نشاطها الإنساني والتنموي، بالانتقال من الإغاثة المؤقتة إلى التنمية المستدامة، ومن الدعم الجزئي المحدود إلى البناء المؤسسي الراسخ طويل الأمد، بما يعزّز الأثر ويضمن استمراريته.

 

وفي السياق ذاته، تمثل المدرسة العربية العالمية (مدرسة الشيخ علي صالح اللهيب) تجربة تعليمية رائدة تحتضن 155 طالبًا، وتقوم على نموذج تعليمي ثلاثي اللغة (العربية، الإنجليزية، الإندونيسية)، بما يعزز الهوية الثقافية والدينية للطلاب، ويؤهلهم في الوقت ذاته للتفاعل الإيجابي مع متطلبات العصر.

 

إن هذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين القيم الإسلامية والمهارات الحديثة، هو ما يمنح هذه التجربة فرادتها، ويجعلها نموذجًا قابلًا للتكرار في بيئات مشابهة.

 

 

كما يشكّل مشروع مركز المحسنين (إبراهيم العصفور وزوجته مريم العصفور) في معهد بيت القرآن بمدينة تشيراتا بمحافظة جاوة الغربية خطوة نوعية في دعم التعليم القرآني وتعزيز بنيته التحتية.

 

 فهذا المشروع، الذي يستفيد منه 765 طالبًا، يضم مسجدًا من طابقين، وسكنًا للأيتام، ومدرسة تعليمية، وسوبرماركت خيريًا، وعيادة طبية، ومرافق خدمية متكاملة، بما يعكس رؤية شمولية تراعي احتياجات الطالب التعليمية والمعيشية والصحية.

 

ويبرز في هذه التجربة الدور الحيوي للوقف بوصفه ركيزة أساسية في تمويل التعليم وضمان استدامته، حيث يشكّل وقف العم علي صالح اللهيب – رحمه الله – نموذجًا عمليًا لكيفية توجيه أموال المحسنين نحو مشاريع استراتيجية ممتدة الأثر، تتجاوز الإطار الزمني القصير إلى بناء مؤسسات تعليمية راسخة تخدم أجيالًا متعاقبة.

 

كما يعكس هذا الوقف حُسن إدارة الهيئة الخيرية للأوقاف، من خلال توظيف الموارد وفق رؤية مدروسة توازن بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل، وتعتمد التخطيط طويل الأمد، والحوكمة الرشيدة، وتعظيم العائد التنموي للوقف، بما يحوّل العطاء الفردي إلى أثر مؤسسي مستدام يرسّخ ثقافة الوقف بوصفه شراكة تنموية مسؤولة في صناعة الإنسان وبناء المجتمعات.

 

كما يجسّد دعم المحسنين إبراهيم العصفور وزوجته مريم العصفور صورةً مضيئة للتكافل، الذي يترجم روح العطاء إلى منشآت قائمة، وبرامج تعليمية فاعلة، ونتائج ملموسة في حياة المستفيدين.

 

ويعكس هذا الدعم كذلك مستوى الثقة المتنامي الذي تحظى به الهيئة الخيرية لدى المتبرعين، بوصفها مؤسسةً تتمتع بالمصداقية والشفافية وحسن الإدارة، وتعمل وفق أطر مؤسسية واضحة تضمن توجيه التبرعات إلى مصارفها المستحقة بكفاءة وأثر مستدام.

فثقة المحسنين في هذا المقام تستند إلى الاطمئنان إلى سلامة النهج، ودقة التنفيذ، ووضوح الرؤية، وهو ما يعزز استمرارية العمل الخيري ويضاعف من أثره التنموي في المجتمعات الأشد احتياجًا.

 

إن ما نشهده اليوم في إندونيسيا من افتتاح منشآت تعليمية، هو تجسيد لرؤية تنموية تعد التعليم حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي، فحين يُبنى الإنسان علمًا وقيمًا ومهارة، تُبنى معه المجتمعات، ويُصان الاستقرار، وتُصنع فرص المستقبل.

 

في هذا العدد من مجلة "العالمية"، نقترب أكثر من هذه التجربة، ونقرأ في تفاصيلها أبعاد العمل الخيري المؤسسي، ودوره في صياغة نماذج تنموية متكاملة عابرة للحدود، إنها دعوة للتأمل في قيمة الاستثمار في التعليم، بوصفه أعظم أشكال الصدقة الجارية، وأرسخ صور المسؤولية الحضارية.

 

ومن هذا المنطلق، فإننا نجدد الدعوة إلى أهل الخير والمحسنين للإسهام في دعم مشاريع الهيئة التعليمية والتنموية، والمشاركة في صناعة هذا الأثر الممتد عبر الأجيال، فكل إسهام، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يتحول إلى فرصة تعليم، أو بيئة آمنة، أو مهارة تغيّر مسار حياة طالبٍ محتاج. إن دعم هذه المشاريع يصب في خانة الاستثمار في الإنسان، والشراكة في بناء مستقبل أكثر وعيًا واستقرارًا، يترسخ فيه العلم قيمةً، والتنمية مسارًا، والعطاء رسالةً مستدامة.