بقلم: علي أحمد الفقيه
باحث يمني متخصص في قضايا العمل الإنساني
في خضمّ الأزمة الإنسانية الممتدة التي يعيشها اليمن منذ سنوات، حيث تتداخل تحديات الفقر والنزوح وتراجع فرص العمل، برزت مبادرات إنسانية جادة تسعى إلى تجاوز حدود الإغاثة التقليدية نحو بناء الإنسان وتمكينه. وفي طليعة هذه المبادرات تقف الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي استطاعت أن تقدم نموذجًا متقدمًا في العمل الإنساني، يجمع بين الاستجابة العاجلة للأزمات وبين بناء مسارات تنموية تمنح الإنسان القدرة على الاعتماد على نفسه واستعادة كرامته الاقتصادية.
لم تنظر الهيئة إلى العمل الإنساني بوصفه مجرد تقديم مساعدات غذائية أو صحية مؤقتة، بل تبنّت رؤية أوسع تقوم على تحويل المستفيد من متلقٍ للمساعدة إلى عنصر منتج قادر على إعالة نفسه وأسرته. ومن هذا المنطلق، صاغت الهيئة فلسفة عمل متكاملة تربط بين الإغاثة والتنمية، بحيث تمثل المساعدات العاجلة جسرًا يعبر بالمستفيد نحو مرحلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وقد أدركت الهيئة مبكرًا أن الأزمات الممتدة تحتاج إلى حلول مستدامة، وأن معالجة الفقر لا تتحقق عبر المعونات الدورية فقط، بل عبر بناء القدرات وخلق مصادر دخل حقيقية. لذلك ركزت برامجها في اليمن على التمكين الاقتصادي باعتباره أحد أهم المسارات التي تساعد المجتمعات على التعافي التدريجي من آثار الأزمات.
ومن أبرز المبادرات التي أطلقتها الهيئة في هذا السياق برنامج صندوق الأسر المنتجة للأيتام، وهو برنامج تنموي مبتكر يستهدف دعم أسر الأيتام وتمكينها اقتصاديًا. يقوم البرنامج على توفير منح صغيرة أو أدوات إنتاج تساعد الأسرة على إطلاق مشروع بسيط يدر دخلاً ثابتًا، ويضمن لها مصدر عيش كريم ومستقر.
وتتنوع أشكال الدعم المقدمة للأسر بحسب قدراتها وطبيعة البيئة المحيطة بها؛ إذ قد تحصل بعض الأسر على ماكينات خياطة أو معدات لإعداد المأكولات المنزلية، بينما تُزوّد أسر أخرى بأدوات تجارة بسيطة أو مستلزمات للحرف اليدوية، أو معدات صيانة وإنتاج تتناسب مع مهارات أفراد الأسرة. وفي بعض الحالات، توفر الهيئة تمويلًا متناهي الصغر يتيح للأسرة إنشاء مشروع صغير يمكن تطويره تدريجيًا مع مرور الوقت.
وقد أثبت هذا البرنامج فعاليته في إحداث تحول حقيقي في حياة العديد من الأسر، حيث تمكنت كثير من العائلات من الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى امتلاك مشاريع صغيرة تدر دخلاً ثابتًا، مما عزز استقرارها الاقتصادي وفتح أمامها آفاقًا جديدة للحياة.
ويأتي التمويل الأصغر كأحد الركائز الأساسية في استراتيجية الهيئة للتمكين الاقتصادي في اليمن. فالمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر تمثل في البيئات الهشة وسيلة عملية وسريعة لتوفير فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. ولهذا دعمت الهيئة مجموعة واسعة من المبادرات الاقتصادية البسيطة التي يمكن إدارتها بمهارات محدودة ورأس مال صغير.
ومن بين هذه المشاريع: ورش الخياطة المنزلية، والبقالات الصغيرة، وإنتاج الحلويات والمخبوزات، ومحلات الحلاقة، وخدمات صيانة الهواتف، إضافة إلى عدد من الأنشطة المنزلية التي تمكن الأسر – وخاصة النساء – من تحقيق دخل مستقر دون الحاجة إلى موارد كبيرة.
ولا يقتصر دور الهيئة على توفير التمويل فقط، بل يمتد إلى مرافقة المشروع ومتابعته ميدانيًا، حيث تقدم فرق العمل الاستشارات الفنية والإدارية اللازمة لضمان استمرارية المشروع وتطويره، بما يساعد المستفيدين على تجاوز التحديات الأولى التي تواجه عادة المشاريع الناشئة.
وفي إطار رؤيتها الشاملة، تولي الهيئة اهتمامًا خاصًا بالتدريب المهني باعتباره حجر الأساس لأي مشروع ناجح. فالتمكين الاقتصادي لا يكتمل دون بناء المهارات اللازمة لإدارة المشاريع وتنميتها. ومن هنا أطلقت الهيئة عددًا من البرامج التدريبية التي تستهدف الشباب والنساء على حد سواء.
وتشمل هذه البرامج مجالات متعددة مثل الخياطة والتطريز، والحرف اليدوية، وصيانة الأجهزة الكهربائية، والمهارات التقنية الحديثة، إضافة إلى برامج متخصصة في ريادة الأعمال والتسويق وإدارة المشاريع الصغيرة. كما تحرص هذه البرامج على دمج التدريب الفني بالتوجيه النفسي والتحفيز المعنوي، بهدف إعداد المستفيدين للانخراط بثقة في سوق العمل.
وقد انعكست هذه الجهود في نتائج ملموسة على أرض الواقع، حيث تشير التقارير الميدانية إلى أن برامج الهيئة أسهمت في رفع مستوى الدخل لدى العديد من الأسر المستفيدة، وتقليل اعتمادها على المساعدات الدورية، وتعزيز دور المرأة في إعالة أسرتها. كما ساعدت هذه المبادرات في تحسين الظروف المعيشية للأطفال والأيتام، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة داخل المجتمعات المحلية.
والأهم من ذلك أن هذه البرامج أعادت إلى كثير من المستفيدين ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على الإنتاج والنجاح، وهي قيمة إنسانية لا تقل أهمية عن الدعم المادي نفسه.
ورغم النجاحات التي حققتها الهيئة، فإن طريق العمل الإنساني في اليمن لم يكن خاليًا من التحديات. فقد واجهت الفرق الميدانية صعوبات عديدة، من بينها صعوبة الوصول إلى بعض المناطق نتيجة الأوضاع الأمنية، ومحدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات الإنسانية الكبيرة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل وضعف البنية التحتية في العديد من المناطق.
غير أن الهيئة استطاعت التعامل مع هذه التحديات بمرونة وابتكار، من خلال تعزيز الشراكات مع المؤسسات المحلية، وتطوير آليات عمل ميدانية مرنة، والاعتماد على فرق ذات خبرة، واختيار مشاريع صغيرة منخفضة التكلفة وسهلة الإدارة يمكن تنفيذها حتى في البيئات الأكثر هشاشة.
إن تجربة الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في اليمن تمثل نموذجًا إنسانيًا ملهمًا يبرهن أن العمل الخيري قادر على إحداث تحول حقيقي عندما يجمع بين الرحمة والرؤية التنموية، فالإغاثة تنقذ الحياة في اللحظات الحرجة، أما التمكين الاقتصادي فيصنع المستقبل ويمنح الإنسان القدرة على الوقوف مجددًا على قدميه.
وفي بلد تتراكم فيه التحديات وتتشابك الأزمات، يصبح هذا النموذج أكثر من مجرد مشروع إنساني؛ إنه مسار أمل قابل للتحقق، ونافذة حياة جديدة لآلاف الأسر اليمنية التي تبحث عن فرصة للبدء من جديد، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وكرامة.