الكويت... جسر العطاء إلى غزة

 on  أكتوبر 21, 2025

حين نتأمل مسيرة الكويت في ميدان العمل الخيري والإنساني، ندرك أن العطاء يشكّل جزءًا أصيلًا من هوية هذا البلد ورسالته الحضارية، فمنذ بداياته الأولى، وحتى قبل اكتشاف النفط، كان المجتمع الكويتي مثالًا في الإيثار والتكافل والفزعة والنجدة، يقدم من قوته المحدود ما يسد حاجة الفقير والمحتاج، مجسدًا قول الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}. 

  ومع تعاقب الأجيال، اتخذ العطاء الكويتي أشكالًا أكثر تنظيمًا ورسوخًا وتداخلًا في الأزمات الإنسانية، حتى غدت الكويت اليوم نموذجًا عالميًا يُشار إليه بالبنان، حيث توجتها الأمم المتحدة في 2014م "مركزًا للعمل الإنساني"، وقلدت أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد لقب قائد للعمل الإنساني، تقديرًا لدورها الريادي في دعم الشعوب المنكوبة. 

 وفي قلب هذه التجربة الرائدة، لم تكن فلسطين يومًا بعيدة عن وجدان الشعب الكويتي، ولم تكن غزة بمعزل عن أياديه البيضاء الممتدة عبر العقود، فمنذ بدايات العمل الخيري المؤسسي والمنظم، تبوأت الكويت موقع الريادة في نصرة القضية الفلسطينية، إيمانًا منها بأن الوقوف مع الأشقاء الفلسطينيين، واجب ديني ،وأخلاقي وإنساني. 

  واليوم، وفي ظل حرب الإبادة الممنهجة ضد أهل غزة، وما ترتب عليها من مجاعة متعمدة بشهادة الأمم المتحدة، تؤكد الكويت من جديد مواقفها الراسخة والمبدئية والثابتة، فقد هبّت مؤسساتها الرسمية والأهلية لتجسد أسمى معاني التضامن الأخوي والإنساني، فها هي غزة تستحوذ على أولوية الدعم والمساعدة.  

 لقد جاءت حملة "فزعة لغزة" الأخيرة لتجسد هذه الحقيقة بأبهى صورها؛ فقد وحّدت الكويت بكل أطيافها في موقف واحد، لتؤكد أن التضامن فعل حيّ نابض وليس مجرد شعار أجوف، ففي ثلاثة أيام فقط، تدفق العطاء من أهل الكويت والمقيمين على أرضها الطيبة، ليجمع أكثر من 11 مليون دينار كويتي، تلك المبالغ التي تحوّلت إلى قوافل من الخير تنقل الغذاء والدواء والإيواء إلى أهل غزة المحاصرين، بالتنسيق مع الجهات والأطراف المعنية في مصر والأردن.  

  هذا المشهد يشكل رسالة واضحة بأن روح الفزعة متجذرة في وجدان الكويتيين – قيادة وشعبًا – وأن هذا الموقف الإنساني النبيل لا يقتصر على مجرد تعبير عن التعاطف، بل يترجم القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية لهذا الشعب المعطاء إلى أفعال ملموسة، تتجسد في العطاء السخي، والتنظيم المؤسسي الفاعل، والتنسيق الحكومي والشعبي، لتصبح الكويت مصدر إلهام للأمم في كيفية تحويل التضامن إلى أثر حقيقي وملموس. 

وفي قلب هذا العطاء الممتد، برز دور الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، عبر مشاركتها الفاعلة في الحملة، ومواصلة نهجها الرئيس في دعم غزة، إذ اعتمدت الهيئة منذ اندلاع العدوان ونشوب الأزمة الإنسانية في القطاع 141 مشروعًا إنسانيًا نوعيًا، نفذت منها 121 مشروعًا، والبقية قيد التنفيذ.  

هذه المشاريع طالت كل جوانب الحياة في غزة من صحة وتعليم وإغاثة، محاولة الإسهام في تخفيف المعاناة وصناعة الأمل، حيث جسدت الهيئة المعنى الحقيقي للعطاء المؤسسي الذي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والقدرة التنفيذية، وزاوجت بين السرعة في الاستجابة العاجلة للأزمة، والعمق في أثر المشاريع على المدى الطويل، والاستدامة في النتائج عبر تحقيق التنمية المستدامة. 

 كما عملت الهيئة بتنسيق مستمر مع المنظمات الفلسطينية والإقليمية والدولية، لتوحيد الجهود، وتبادل الخبرات، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بكفاءة وشفافية، مترجمة بذلك نموذجًا فريدًا للعمل الإنساني الذي يبرز الصورة المشرقة لدولة الكويت بوصفها مركزًا عالميًا للعمل الإنساني. 

 ولعل ما يميز التجربة الكويتية في "فزعة غزة" هو تكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع المدني، فالحكومة، ممثلة في وزارات الخارجية والدفاع والشؤون الاجتماعية، نسّقت الجهود وأمّنت الجسر الجوي الإغاثي، بينما تحركت الجمعيات الخيرية والهلال الأحمر الكويتي بروح عالية من المسؤولية، مدعومة بثقة شعبية راسخة. 

  هذا النموذج الفريد من العمل التكاملي الجماعي جمع بين دعم القيادة السياسية ومساندة المجتمع المدني، وبين العطاء الشعبي والآليات المؤسسية، وهو ما يعكس سر نجاح الكويت في ترسيخ مكانتها الإنسانية. 

 

إن استجابة الكويت لنداءات غزة تعد امتدادًا طبيعيًا لنهج ثابت اختطته الدولة منذ عقود، فكلما اشتدت المحنة، كانت الكويت أول من يهب لنجدة الأشقاء، سواء في فلسطين أو غيرها، تمد يد العون وتفتح قلبها ومؤسساتها، لتثبت أن التضامن الإنساني موقف أصيل ومتجذر في عقيدتها وقيمها وتوجهاتها وسياستها الخارجية. 

 إننا اليوم، ونحن نتابع مشاهد الطائرات الكويتية التي تقلع محمّلة بالغذاء والدواء، نرى صورة الكويت الحقيقية، بلد صغير في حجمه الجغرافي، عظيم في عطائه الإنساني، جعل من الخير لغة مشتركة، ومن الفزعة سبيلًا لإحياء الأمل في قلوب المنكوبين. 

 ويبقى دور الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية نموذجًا يحتذى، وشاهدًا حيًا على أن الكويت لا تكتفي بالاستجابة الطارئة، بل تعمل على صناعة الأمل عبر مشاريع التعليم والتمكين، حتى يبقى العطاء ممتدًا، ويظل أثره حاضرًا في حياة الناس. 

 ستظل الكويت، بإذن الله تعالى، منارة مضيئة، وجسرًا إنسانيًا يربط بين الشعوب، ويعيد الاعتبار لقيم الأخوة والعدل والرحمة، وستبقى غزة في قلب الكويت كما كانت دائمًا، حاضرة في الدعاء والعطاء، شاهدة على أن الكويت "مركز للعمل الإنساني" بالفعل لا بالقول. 

  نسأل الله تعالى أن يحفظ بلدنا الحبيب، الكويت، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، ويجعلها دائمًا جسرًا للبر والخير، ومصدرًا للرحمة والتضامن، وواحة للأمل ونصرة المظلوم، ومركزًا للعمل الإنساني، ونموذجًا رائدًا في العطاء، وملاذًا للمحتاجين، وعنوانًا للأمة في وحدتها وتكافلها.